صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الشاعر القتيل

ابن أبي الخصال، شاعر أندلسي آخر، لا يقل أهمية عن الشعراء الذين تناولناهم في هذه السلسلة، وإن كان يتميز عنهم بكونه أحد أهم أعمدة النثر في العصر الأندلسي. بل إن شهرته كمبدع في فنون النثر، خاصة الرسائل تفوق شهرته كشاعر.
وإذا كنا في هذه السلسلة قد اخترنا الشعر دون النثر، إلا أن بعض الشعراء تركوا لنا آثاراً خالدة في التأريخ والعلوم الفقهية، وفن الرسائل..
ولقد وقعنا على كتاب رسائل ابن أبي الخصال الذي حققه، وقدم له الدكتور محمد رضوان الداية، فلاحظنا أنه كان متروياً في نثره متأنقاً في اختيار ألفاظه، ولذلك حظي نثره باهتمام جميع أدباء وشعراء عصره.
وقبل الاسترسال في إلقاء الضوء على شعر ونثر ابن أبي الخصال نقرع باب الرجل وندخل إلى عالمه كعادتنا التي بدأناها مع غيره في هذه السلسلة.

اسمه ونشأته
‏v السلام على روحك يا ابن أبي الخصال.
?? وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
‏v من أين حصلتم على هذا الاسم ابن أبي الخصال؟
?? اسمي الحقيقي هو أبو عبدالله محمد بن مسعود بن خلصة بن فرج ابن مجاهد الغافقي.
‏v وابن أبي الخصال؟
?? هو اسم الشهرة وأبو الخصال هو اللقب الذي كان لوالدي رحمه الله.
‏v أليس لقب جدك كما قيل؟
?? قد يكون، ولكن والدي كان يلقب بأبي الخصال أيضاً.
‏v وأين ولدت يا أبا عبدالله؟
?? في فرغليط جهة شقورة .. وشقورة تابعة لكورة جيان في الأندلس.
‏v هل تذكر العام الذي ولدت فيه؟
?? ولدت عام 465 هجرية.
‏v ماذا عن أسرتك؟
?? أنا من أسرة موصولة بالعلم، أصيلة فيه، وهذا ما ساعدني على التعلم وكسب المعرفة، فأخي أبو مروان وأخي أبو جعفر كان لهما صيت وشهرة في العلم والثقافة.
‏ v كيف استشهدت؟
?? بل قتلت، قتلني بعض جند المصامدة الذين دخلوا قرطبة في أيام الفتنة بين ابن حمدين متولي شؤون قرطبة والذي طمح أن تنتقل الخلافة إليه وبين ابن غانية الذي حارب الموحدين وحاول أخذ الأندلس.
‏v هذا ما قاله لسان الدين الخطيب.
?? وماذا قال هذا المؤرخ العظيم والشاعر الفحل.
‏v قال: قتلك بربر المصامدة، لحسن ملبسك ولم يعرفوك، وقتلوا معك ابن أختك عبد الله بن عبد العزيز بن مسعود.
?? ابن أختي وزوج ابنتي .. كانت ميتة بشعة .. وبدون مبرر.
‏v كم مارس القوم القتل بلا مبرر في تاريخنا الدموي يا أبا عبد الله!.
?? ما زالت روحي حتى اليوم، ورغم مرور مئات السنين تصرخ: لماذا؟ لو كان هناك سبب ... لو...!
‏v لا أدري يا أبا عبدالله .. هل نبدأ بآثارك النثرية أم ما وصل إلينا من شعرك؟
?? رغم أن المؤرخين اهتموا برسائلي الإخوانية .. إلا أنني أحب أن أعود إلى الشعر.
‏v يقول الدارسون لآثارك، إن ابن أبي الخصال يتأنى ويتأنق في نثره .. بينما لا يفعل ذلك في شعره، كيف ترى؟
?? طبيعة الشعر أنه تلقائي .. تفيض به النفس وتتلقاه الآذان كما أنه يصدر دون تكلف ولا تصنع ولا حتى مراجعة.
‏v والنثر؟
?? النثر يحتاج إلى صنعة واحتراف ... إنه يعتمد على ما يبذله الكاتب من جهد وبحث لتقصي المعلومات وتسجيلها بلغة سليمة وحاسمة.
‏v يقولون: إن شعراء الجاهلية كانوا يتفننون حولاً كاملاً في نظم قصيدة واحدة .. ولذلك سميت قصائدهم بالحوليات، لماذا في رأيك؟
?? لأنهم نظروا إلى الشعر كصنعة .. كحرفة .. فأرادوا إخراج القصيدة بأفضل صورة وأسلم بناء .. أما شاعر كمجنون ليلى .. فقد كان الشعر يفيض منه مع كل آهة تخرج من صدره.

شعر موقف
‏v هل كان الموقف هو الذي يصنع شعرك كما يقول بعض نقادك؟
?? هذا صحيح إلى حد كبير. على سبيل المثال .. دخلت إلى مجلس عزاء ... توقع مني صاحب المجلس قصيدة رثاء في الراحل العزيز ... ولكن لم أقل إلا ما فاض به القلب ... مجرد بيتين لا أكثر.
‏v وماذا قلت؟
إني أعزيك لا أني على ثقة
من البقاء ولكنْ سُنَّةُ الدينِ
فما المُعزَّى بباقٍ بعد صاحِبه
ولا المُعزَّي وإن عاشا إلى حينِ
‏v لو سمحت لي يا ابن أبي الخصال أن أقول شيئاً قد لا يعجبك.
?? قل ما تشاء يا بنيّ .. ولكن إياك من التجني.
‏v قرأت شعرك ... فوجدت كثيراً منه ينحى منحى الخطابة. كأنك تخطب .. أو كأنك تقدم النصائح، فهل أنا محق؟
?? الديك مثل؟
‏v نعم ... تلك الأبيات التي تقول فيها:
يا ساكنَ القصرِ على غِرَّة
تذكر الموت وسُكنى الجَننْ (1)
أمنت مكر الله يغشاك في
ليلك أو يومك لا تأمنن
لا جُنَّةٌ (2) للنار إلا التقى
والبرَّ فالزمْهُ ولا تُفتننْ
لو نطقَ الميتُ لناداكمُ
إني وجدت البرّ أوقى الجُننْ (3)
وضعت ما أعطيتَ من قوةٍ
ومُنّةٍ (4) في كفر رب المِننْ
إن كان ما أسلفت من سيءٍّ
قد أعجز الله فلا تُحِسنَنْ
وإن أمنت الموتَ فافرحَ بما
أعطيت في الدنيا ولا تحزننْ
?? وهل تعتقد أنني أخاطب غيري بهذه القصيدة؟
‏v ألا ترى، واضح أنك تقدم الوعظ والنصيحة؟
?? بل أقدم خلاصة تجربة حياتي.
‏v ألا توافقني على أن نبوغك في الرسائل والخطب أثر على اتجاهك الشعري؟
?? بل إن الهامي الشعري وعيشي الشعر، هو الذي جعل رسائلي وخطبي تحمل النفس الشعريّ.
‏v إلى أي مدى تجسد الفكر الديني الإسلامي في شعرك ونثرك؟
?? لم يتغيب عني نور الإسلام في كل ما كتبته ونظمته .. إليك هذه الأبيات التي ناجيت بها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم).

يا رسول الإله هل
أنا في الركب مُغتدي
ليت شعري (5) تلهفاً
من شج (6) عنك مُبْعَدِ
هل أقولن لمقلتي
وهي بالدمع ترتدي
والسُرى (7) قد رمت بها
في حمى ذلك الندي
أجزعي أو تجلّدي
هذه دار أحمدِ
هذه تربة الهداة
فضلّي أو اهتدي
رب دمعٍ أرقتُهُ
في ظلال وفي دَدِ (8)
لست مني ولستُ منك
متى خنت موعدي
‏v هل مارست الرثاء؟
?? الرثاء من أهم فضاءات العاطفة الصادقة .. عندما تشاهد أخاً أو حبيبة أو صديقاً أو إنساناً عرفته مسجى بلا حراك وتدرك أنه رحل ولن تراه ... فالرثاء الصادر منك هو ما تمليه العاطفة التي جمعت بينك وبين الفقيد. تلك العزيزة الغالية التي رأيتها مسجاة ... وعلمت أنني لن أراها بعد اليوم هي التي جعلتني أقول:
بالله يا ناعسة الخمسِ
أُحلتِ عن عهدكِ بالأمسِ
قوموا انظروا كيف ضحا ظلَّه
من كان محجوباً عن الشمس
وكيف عاث الترب في أَنُملٍ (9)
قد كن يدمين من اللمسِ
كيف استطاع القبر في روعةٍ
من كان يرتاع من الهمسِ
حالكِ فينا قبلُ معلومةٌ
إيه فما حالك في الرمسِ (10)
‏v أثرت شجوني يا أبا عبدالله.
?? هذا هو الشعر ... إن لم يثر شجون المتلقي فلا يستحق أن يسمى شعراً.

مع المؤرخين
‏v هل وصلك ما قاله فيك مؤرخو الأدب؟
?? وصلني قبل موتي بعض ما قالوه.
‏v ابن بسام في ذخيرته يقول عنك: له بيان لا يتعاطاه ناظم ولا ناثر وإحسان لا يبلغ مداه أولٌ ولا آخر.
? ? لعلها مبالغة.
‏v فماذا عن ابن خاقان الذي يقول في قلائده: «حامل لواء النباهة، الباهر بالرويّة والبداهة”؟
? ? في ما قاله محبّة واضحة.
‏v فكيف تنظر إلى ما قاله المراكشي في المعجب: «ولأبي عبد الله بن أبي الخصال ديوان رسائل يدور بأيدي أدباء الأندلس قد جعلوه مثالاً يحتذونه ونصبوه إماماً يقتفونه»؟
?? الكل يتحدث عن رسائلي .. ولا أحد تحدث عن شعري.
‏v أبو جعفر بن الزبير قال كما نقله لسان الدين بن الخطيب في كتابه الإحاطة بأخبار غرناطة: «وأما الكتابة والنظم فهو إمامهما المتفق عليه والمتحاكم فيهما إليه»!
‏v في هذا عزاء حقيقي .. كنت أريد أن أصرخ بأولئك الجنود القتلة ... أنا ابن أبي الخصال .. ولكنهم لم يتركوا لي حتى فرصة شرح هويتي ... كانوا جهلة ... وبفعلهم انتصر الجهل على العلم ومت بحسرة ما بعدها حسرة.
‏v الآن .. حان الوقت لأطلب منك إلقاء واحدة من قصائدك التي تشعر أنها أكثر تعبيراً عنك وشرحاً لفكرك وذاتك.
ألا عُجْ (11) على مثوى الحبيب وسلِّمِ
وخيِّمْ فإن الركبَ غيرُ مخيِّمِ
وقل للتي مهم الفؤاد بحبها
ألا في سبيل الله نفسُ المتيّمِ
وما بعث الوجدَ الدخيل كمنزلٍ
به من معاني الوجدِ كلُّ مُتَرْجَمِ
وما أبصرت عيني محلاً حللتِهِ
ولا معهداً إلا سفكت به دمي
ولم تبق لي تلك المنازل عبرة
على أن قلبي في المدامع ينهمي
وما جرَّ هذا النوحَ إلا ترنّمٌ
يقرَّ له بالفضل كل تَرَنُّمِ
وفتانة الألفاظ في نغماتها
من السكر ما في الباليِّ المحرّم
فيها أيها الحب الذي قد سُلبتُهُ
مكانكِ في قلبي مكانك فاعلمي
وشخصكِ في عيني ونشرك في يدي
وصوتك في سمعي وذكراكِ في فمي
ليهنئكِ إن سرَّتك حالٌ تسوؤني
سهادي وإطراقي وفرط تألمي
وحب التي تبكي بأجفان شادنٍ (12)
بأنّيَ أبكيها بأجفانِ ضِيغمِ (13)
أقاسي سواد الليل غير موسَّدٍ
وألقى بياض الصبح غير مهوِّمِ
معاني الكلمات:
1 - الجَنَنْ: القبر.
2 - جُنّة: الساتر
3 - الجُنن: السواتر
4 - مُنْة: قوه
5 - ليت شعري: ليتني أعلم
6 - شج: مهموم
7 - السُرى: السير في الليل
8 - دد: لعب
9 - أنمل: جمع أنملة وهي عقدة الأصبع العليا.
10 - الرمس: القبر.
11 - عُج: من عاج يعوج، مال يميل، عج أي مل..
12 - شادن: ولد الغزال.
13 - ضيغم: أسد.

المراجع:
1 -دعوة الحق .. مجلة صادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية / مقال لمصطفى الطاهري.
2 -رسائل ابن أبي الخصال / تحقيق وتقديم الدكتور محمد رضوان الداية.
3 -ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
4 -مختار الصحاح / الرازي.