كان من المفترض أن يكون يوم الاثنين الماضي آخر أيام رئاسة جوزيف كابيلا التي امتدت 15 عاماً. لكن زعيم جمهورية الكونغو الديمقراطي يرفض ترك السلطة، لتمضي أكبر دولة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نحو أزمة سياسية دموية. وفي العاصمة كينشاسا يستعد كثيرون لصدام عنيف بين خصوم كابيلا وقوات الأمن. وفي سبتمبر الماضي قتل نحو 50 شخصاً في احتجاجات كبيرة. ويخشى خبراء أن تكون الأزمة هذه المرة أشد سوءاً. وفي الأيام القليلة الماضية توسط أساقفة كاثوليك في المحادثات بين أنصار كابيلا ومجموعة خصومهم السياسيين. لكن يوم السبت الماضي أعلن المشاركون عدم التوصل لاتفاق. وكابيلا من بين عدد متزايد من الزعماء الأفارقة الذين يجنحون لتمديد فترة ولايتهم، إما بتعديل الدستور أو بتأجيل الانتخابات أو عقد انتخابات تشوبها مزاعم التزوير. ويحكم الرئيس الأنغولي جوزيه إدواردو دوس سانتوس البالغ من العمر 74 عاماً البلاد منذ 37 عاماً. ورئيس زيمبابوي روبرت موجابي البالغ من العمر 92 عاماً، يحكم بلاده منذ 30 عاماً. وحديثاً أعلن رئيسا بوروندي وجمهورية الكونغو البرازافيل المجاورة خططاً لتمديد فترة بقائهما في السلطة، مما تسبب في أزمات داخلية في كلا البلدين. لكن المخاطر كبيرة بشكل خاص في جمهورية الكونغو الديمقراطية التي شهدت حرباً أهلية وحشية قتل فيها نحو خمسة ملايين شخص بين عامي 1997 و2003. ومازال القتال دائراً في مناطق واسعة من شرق الكونغو والبلاد مازالت مقراً لأكبر بعثة سلام أممية في العالم، قوامها 20 ألف جندي. ويعتقد كينيث روث، المدير التنفيذي لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» المعنية بحقوق الإنسان، أن «هناك احتمالاً كبيراً لانزلاق الكونغو إلى عنف وفوضى واسعي النطاق في الأيام المقبلة مع احتمال حدوث تداعيات في أنحاء المنطقة». وذكر تشارلز بامبارا، المتحدث باسم الأمم المتحدة، أن قوات حفظ السلام الأممية ستكون في حالة تأهب قصوى هذا الأسبوع، وأضاف أن البعثة تستعد لأسوأ الاحتمالات. وأعلنت الحكومة حجب مواقع التواصل الاجتماعي التي يستخدمها المحتجون في الحشد. ويتفق عدد كبير من الكونغوليين على أن كابيلا فشل في تحسين أوضاعهم المعيشية، بينما تضخمت ثروته وثروة أسرته. وربط تحقيق لبلومبيرج الأسبوع الماضي بين 70 شركة معظمها في صناعة التعدين المربحة في الكونغو الديمقراطية وأسرة كابيلا. وفي الجانب الآخر هناك ثلثان من سكان البلاد البالغ عددهم 77 مليوناً يعيشون على أقل من 1.9 دولار يومياً. ويعتقد جيسون ستيرنز، الخبير في شؤون الكونغو الديمقراطية ورئيس مركز «كونجو ريسيرش جروب» البحثي، أن «المناقشة الدستورية سيطغى عليها بعد وقت قصير الصراع من أجل التخلص من كابيلا من خلال الاحتجاجات في الشوارع وقمع قوات الشرطة». وترك السلطة يعرض استثمارات كابيلا الكبيرة للخطر وخاصة لأن ائتلافه لم يحدد بعد خليفة له قادر على الصمود. ويشير كابيلا وحلفاؤه السياسيون إلى أنه يتعين بقاء الرئيس في السلطة حتى نهاية عام 2018 على الأقل حين تجري أقرب انتحابات في البلاد المترامية الأطراف التي تتكلف فيها الانتخابات كثيرا كما أن إجراءها معقد. لكن هذا التسويغ لا معنى له لدى الخبراء أو خصوم كابيلا السياسيين. وكانت الولايات المتحدة قد حثت في بداية الأمر على إجراء انتخابات هذا العام. وفي وقت سابق من الشهر الجاري، بعد ضياع هذا الاحتمال، أعلنت واشنطن والاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على تسعة من كبار المسؤولين في حكومة كابيلا قالوا إنهم متورطون في عمليات قمع. والعقوبات لم تقلص فيما يبدو احتمال ظهور احتجاجات عنيفة. وأكدت الحكومة الكونغولية على قوة وولاء قوات الأمن التي انتشرت بالفعل في مناطق كثيرة من كينشاسا. وأعلن اندرية-آلان اتوندو، المتحدث باسم الائتلاف الحاكم: «لدينا الشرطة والجيش وأجهزة الاستخبارات تعمل لصالحنا.. قد تكون هناك اضطرابات ليومين أو ثلاثة أيام»، لكن في نهاية المطاف سيصاب المحتجون بالإرهاق. وتولى كابيلا البالغ من العمر 45 عاماً السلطة في عام 2001 بعد اغتيال والده لوران كابيلا. وجمهورية الكونغو الديمقراطية التي استقلت عن بلجيكا عام 1960 لم تشهد انتقالا سلمياً للسلطة قط. وولد جوزيف كابيلا، وهو ابن أحد المتمردين، في المناطق النائية من البلاد، ونشأ في تنزانيا. وهذه التجارب شكلت شخصيته بحسب مقربين منه. وصرح اوبين ميناكو، رئيس الجمعية الوطنية والعضو البارز في ائتلاف كابيلا الحاكم، أن الرئيس الكونغولي «ولد ونشأ في الأدغال. ويعرف ما يعنيه الصراع». وأعلن كابيلا أنه لا يعتزم تعديل الدستور وهو الأمر الذي يتعين عليه فعله كي يترشح لفترة أخرى. لكن هل سيتمسك بتعهده؟ ويجيب ميناكو قائلا: «لا أحد يستطيع الإجابة على السؤال». *مدير مكتب «واشنطن بوست» في أفريقيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»