الاتحاد

تقارير

التصعيد بين دمشق وواشنطن

عقب الاحتجاجات التي استهدفت السفارتين الأميركية والفرنسية في دمشق يوم الاثنين الماضي واعتبر مسؤولون أميركيون أنها بترتيب من الحكومة السورية، صرحت وزيرة الخارجية الأميركية كلينتون، أن الرئيس الأسد فقد شرعيته للاستمرار في الحكم.
وخلال تلك الاحتجاجات رشق المتظاهرون مبنى السفارة الأميركية بالحجارة وهشموا النوافذ، كما اعتلوا سطحها ممزقين العلم الأميركي. وهو ما أثار حفيظة الولايات المتحدة التي انتقدت النظام السوري بأشد العبارات الممكنة، حيث سارعت وزيرة الخارجية إلى القول بأن واشنطن تستعد لمستقبل سوريا ما بعد الأسد بعد أربعة أشهر على قمع الحكومة للمظاهرات المطالبة بالديمقراطية، على شاكلة تلك التي أطاحت بالنظامين السابقين في مصر وتونس. وفي تصريحها قالت هيلاري: "من زاوية نظرنا لقد فقد الشرعية". وهي المرة الأولى التي تشكك فيها الولايات المتحدة في حكم بشار الأسد، مضيفة أن المسؤولين السوريين يخطئون كثيراً إذا اعتقدوا أن مطالبة أميركا المتكررة بالإصلاح في سوريا، تؤشر إلى رغبتها في استمرار الأسد في الحكم، موضحة ذلك بقولها: "الأسد يمكن الاستغناء عنه ولا نستثمر أي شيء لبقائه في السلطة".
لكن الهجوم الذي تعرضت له السفارة الأميركية في دمشق يكشف هشاشة الدبلوماسيين الأميركيين في العاصمة السورية، بالإضافة إلى محدودية النفوذ الأميركي في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين توتراً متصاعداً بسبب التعامل القمعي للنظام مع المظاهرات المطالبة بالتغيير. وقد شهدت العلاقات بين البلدين فترات من الاحتقان منذ الخمسينات تخللتها مراحل من التعاون الثنائي في قضايا مكافحة الإرهاب، وفي عام 2005 استدعى الرئيس بوش السفير الأميركي لدى سوريا بعد المزاعم التي ربطت سوريا باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
وجاء تعيين "روبرت فورد" سفيراً لأميركا في دمشق خلال السنة الماضية ليشكل المرة الأولى منذ عام 2005 التي ترسل واشنطن ممثلا لها إلى سوريا، وذلك كجزء من جهود إدارة أوباما لترميم العلاقات بين البلدين.
وكان العنف الذي استهدف يوم الاثنين الماضي السفارة الأميركية قد اندلع بعد تجمهر بضعة مئات من المتظاهرين يلوحون بصور الرئيس الأسد أمام السفارتين الأميركية والفرنسية احتجاجاً على الزيارة التي قام بها يوم الجمعة الماضي سفيرا البلدين إلى مدينة حماة، تلك الزيارة التي حملت السفيرين إلى المدينة المحاصرة للتعبير عن مساندتهم لأكبر مظاهرة مناوئة للحكومة تشهدها سوريا منذ انطلاق الاحتجاجات. وأتى الهجوم أيضاً في أعقاب الانتقاد اللاذع الذي وجهه السفير من صحفته على الفيسبوك إلى الحكومة السورية، والذي ندد فيه بالأساليب القمعية التي تستخدمها قوات الأمن السورية لمواجهة المظاهرات، في الوقت الذي تسمح فيه بالمسيرات المناوئة للسفارة الأميركية بالتظاهر.
وحسب مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، فقد نظمت الاحتجاجات التي استهدفت السفارة بعد بث برنامج في قناة "دنيا" الخاصة المملوكة لرامي مخلوف، قريب الرئيس بشار الأسد، حيث شجعت القناة في إحدى برامج ليلة الأحد المواطنين السوريين على التعبير عن معارضتهم لزيارة السفيرين الأميركي والفرنسي لمدينة حماة بدعوى التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا. وأضاف مسؤول في السفارة الأميركية لم يؤذن له بمناقشة الموضوع وقد تحدث دون الكشف عن هويته، أن المحتجين وصولوا أمام مقر السفارتين في حافلتين، وأن قوات الأمن السورية المكلفة بتأمين محيط السفارتين تأخرت في التدخل، رغم مطالب المسؤولين بحمايتهم، إذ سرعان ما اقتحم عشرة متظاهرين المبنى مدمرين المدخل الرئيس فيما تسلق ثلاثة منهم سطح السفارة. وطيلة الفترة التي كان فيه المتظاهرون يهشمون الزجاج ويقتحمون المبنى ظلت قوات الأمن السورية تتفرج. هذا في الوقت الذي كانت فيه السفارة الفرنسية تتعرض لهجوم أشرس، إذ لم يكتف المحتجون بإلقاء الحجارة والطماطم على المبنى، بل هشموا سيارة تابعة للسفارة، كما حاولوا فتح الباب بالقوة. ولمواجهة الهجوم، أطلق الحراس داخل السفارة الفرنسية أعيرة نارية في الهواء لتفريق المتظاهرين بعدما تعرض بعضهم لجروح خفيفة. وأثناء ذلك امتلأت جدران السفارة الأميركية بخربشات تسب السفير الأميركي وترسمه على هيئة "كلب"، فيما تزاحمت العبارات القدحية الموجهة ضد الولايات المتحدة. لكن رغم الهجوم، قال المسؤولون الأميركيون إنهم لن يعمدوا إلى سحب السفير الأميركي، وهي الدعوة التي تكررت أكثر من مرة في الفترة السابقة بعدما تصاعدت الممارسات القمعية للنظام السوري ضد المظاهرات السلمية. وكانت الإدارة الأميركية دائماً ترد بأن استدعاء السفير إلى واشنطن مجرد خطوة رمزية لن تفيد كثيراً الوضع في سوريا.
وكان السفير فورد قد تبنى نبرة حادة في الأيام الأخيرة تجاه الحكومة السورية بعد الانتقادات التي وجهتها المعارضة السورية لأميركا بصمتها عما يجري في البلاد، حيث اقترح فورد على مدبري احتجاجات سابقة لبعض المتظاهرين الموالين للنظام الذين رموا السفارة بالبيض والطماطم بالتصدق بها على الفقراء في سوريا بدل إهدارها على جدران السفارة، مضيفاً: "إنه لمن المفارقة أن تسمح الحكومة السورية بتنظيم مظاهرات مناهضة لأميركا بكل حرية فيما تعمل أجهزتها الأمنية على ضرب المحتجين المسالمين الذي يحملون أغصان الزيتون".


ليز سلاي جوبي واريك
سوريا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"

اقرأ أيضا