الاتحاد - خاص: عادة يمزق الرجال بعضهم البعض في فرنسا التي تفاخر بأنها تنتج من الأدمغة أكثر مما ينتج الآخرون من الدجاج· حتى داخل البيت الواحد يحدث هذا· والملاحظ أن هناك باحثين ومعلقين بارزين بدأوا يسألون عن الجذور التاريخية لثقافة الكراهية في بلاد تقاطعت فيه امرأة مثل بريجيت باردو مع نابليون بونابرت ورينيه ديكار· من يصدق كل هذا التناقض؟ في فرنسا يمكن أن يحصل هذا، ألم يقل شارل ديجول: كيف يمكن أن يحكم بلد يحتوي على أكثر من 300 نوع من الجبن·· ؟ قضية ''كلير ستريم'' الأخيرة أظهرت مدى الكراهية بين الساسة عشية الانتخابات الرئاسية بوجه خاص، حتى صفحات الجرائد تحولت الى خنادق·· سوء استخدام القلب الفرنسيون بدأوا بالدعوة الى وقف ''صيحات الكراهية'' حتى أن صحيفة ''لوكنار انشينه'' الساخرة تعتبر أن من ''الأجدى أن نختار وجه دراكولا وجهاً لماريان رمز فرنسا ''· كما هو معروف، النصب من دون وجه، عمدة المدن والبلدات الذين ينتخبون الوجه الذي شغلته وجوه جميلات مثل كاترين دونوف وبريجيت باردو ولايتيسيا كاستا، ولكن مع احتدام حرب الكراهية بين رئيس الحكومة دومنيك دو فيلبان ووزير الداخلية نيكولا ساركوزي لابد أن يتغير وجه فرنسا· الكراهية في فرنسا ليست بالحالة الطارئة، بالطبع لم يرزق الفرنسيون بكاتب هائل مثل وليم شكسبير يسترق النظر الى ما يجري داخل البلاط، هذا لا يمنع أن هناك كتاباً فرنسيين تناولوا ذلك، ولكن بأسلوب أقل دوياً، حتى أنه عندما اندلعت الثورة الشهيرة في عام 1789 راح رجالها يأكلون بعضهم البعض، حتى قيل إن الثورة مثل القط تأكل أولادها· أكلت الملك ''لويس السادس عشر'' والملكة ''ماري - انطوانيت''، رأساهما تدحرجا أمام المقصلة هنا، في لحظة التحولات التاريخية، لا دور للقلب الذي قد يعمل بعد فوات الأوان، ألهذا قال ''دانتون'': ''أغادر الى العالم الآخر ومعي هذه التهمة: سوء استخدام القلب''· في أي مكان تأخذ المنافسة السياسية أبعاداً معقدة، ولكن في فرنسا تأخذ منحى أكثر توتراً، نوع من كسر العظم· كان فرانسوا ميتران يستخدم تعابير ''مروعة'' ضد الجنرال شارل ديجول، حتى انه في المجال الأدبي والثقافي يندلع اللعب بالأظافر، حتى مازال الفرنسيون يتحدثون عن الصراع بين جان بول سارتر وألبير كامو، صفحات الجرائد تتحول في الكثير من الأحيان الى خنادق لا مجال للرحمة هنا، يكتب جاك جوليار: ''الذي يحدث الآن حرب تُستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل''· أكثر من البربرية الطريف أن جان - فرنسوا ريفل، وهو مفكر سياسي بارز، سأل قبل وفاته أخيراً ما إذا كانت الديمقراطية قد تخلت عن أخلاقها، ليلاحظ أنه تحت مظلة القيم الفرنسية التي تبلورت، على مدى الجمهوريات الخمس، تضمحل، شيئاً فشيئاً، شفافية الموقف السياسي لتحل محلها التوترات التي تنطوي على ''ذلك الأثر من البربرية''· حين اندلعت قضية ''كلير ستريم'' بدأ الرجال يمزقون بعضهم البعض، حتى ''ساركوزي''، بشخصيته الشديدة التماسك، بدا وكأنه يخشى من ''صرير الريح وراء الباب''· الأكثر قابلية للانكسار هو دومينيك دو فيلبان الذي، كمثقف وشاعر ومفكر، بات يعتبر أن الساحة السياسية لا تستسيغ هذا النسق من الرجال· في إحدى محاضراته قال: إن أفلاطون لم يكن ذئباً، وبالتالي هو لا يستطيع أن يكون ذئباً·· عادة في سنة الانتخابات الرئاسية لا يقلد الفرنسيون الأميركيين الذين يعلنون عن مرشحهم كما لو أنهم يعلنون عن معجون للأسنان، أو عن صنف معين من السجائر انهم يتحدثون عن مواصفات تجمع ما بين نابليون بونابرت'' ورينيه ديكارت، فعلياً بعد شارل ديجول بقامته المدوية، جاء رجال من النوع الممتاز: ''جورج بومبيدو'' الذي يتعاطى بشغف، وبوقار مع المؤسسة، ''فاليري جيسكار - ديستان'' الذي لن تجد في رأسه مكاناً فارغاً (فيما الفرنسيون يسخرون من أولئك الذين تتجول الفئران في رؤوسهم''، ''فرانسوا ميتران'' الذي كان أول من تجرأ، كرئيس، أن يبقي وعاء الفيلسوف فوق كتفيه· هل عاد أدولف هتلر؟ بالطبع تغيرت المفاهيم، لا التاريخ يجدي، ولا الفلسفة، فرنسيون كثيرون يفكرون الآن براجماتياً، وعلى هذا الأساس راح الرئيس جاك شيراك الذي طالما حاول إحلال الشيراكية محل الديجولية، يقترب من الأميركيين، هذه هي الوسيلة الوحيدة لكي تبقى فرنسا دولة عظمى· الاقتراب لا يعني الاضمحلال ولا التماهي، هي لعبة المصالح، الأميركيون يشقون الطرقات، كل الطرقات أمام المنتجات البريطانية بعدما وقف توني بلير، رجل 10 داوننج ستريت الى جانب الرئيس جورج دبليو بوش، وإن أدى ذلك الى ترنح ''بلير'' الانجليزي نفسه، و''برلسكوني'' الإيطالي، و''أزنار'' الإسباني· مشكلة الفرنسيين أنهم لا يستطيعون خفض رؤوسهم ولو قليلاً، هذا يزعج الأميركيين حتى أن الرئيس فرنكلين روزفلت الذي كان يكره شارل ديجول، ولم يقم بدعوته الى قمة يالطا (فبراير 1945) فكر في إقامة دولة فالونيا التي تتألف من أرض فرنسية وبلجيكية· هذا أثار صحيفة ''لوموند'' التي كتبت في ذلك الحين: ''هل عاد أدولف هتلر من العالم الآخر ؟''· القوة الهادئة إنهم ورثة ''رينيه ديكارت''، يفاخرون بأنهم ينتجون من الأدمغة أكثر مما ينتج الآخرون الدجاج· ولكن في السياسة يفترض أن يتراجع العقل كثيراً، الأحاسيس، الغرائز، عقد النقص وعقد العظمة هي التي تعمل في الضوء· وحين ترشخ فرنسوا ميتران ضد عمدة باريس جاك شيراك الذي يتحدر من السلالة الديجولية، حاول أن يقطع الطريق على الإثارة باتخاذ شعار ''القوة الهادئة، كلمتان فقط أحدثتا هزة لدى الفرنسيين فذهبوا الى صناديق الاقتراع وانتخبوه· لا يستطيع نيكولا ساركوزي أن يكون هادئاً، إنه من أصل هنجاري، يفترض أن يكون موسيقياً أو كاهناً، لا هذه ولا تلك، بل إنه أشبه ما يكون بالمطرقة، يقال إنه يتقن الضغينة، ويلتقط بسهولة الكلمات التي تلحق الأذى بالآخرين· على هذا الأساس لم يتراجع عن وصفه مثيري الشغب في الضواحي، وجلهم من أبناء المهاجرين من شمال أفريقيا بـ ''الحثالة'' و ''الأوباش''، دون أي مقاربة للخلفيات الاجتماعية أو الثقافية· إطفاء الحرائق بالكلمات الدافئة هذه ليست حالة دومينيك دو فيلبان الذي اتهمه أنصار ساركوزي بأنه يحاول إطفاء الحرائق بالكلمات الدافئة· كل المقالات التي ظهرت في تلك الأيام كان الكثير منها بارعاً فعلاً· الكراهية··· البعض دعا الى طرد تلك ''الكمية البشرية الآتية من ثقافة أخرى''· بالطبع لا أحد يقتنع بأن إضرام النار في السيارات ليلاً هي طريقة مبررة للاحتجاج على التدهور، والتيه، والبطالة، والتدني الثقافي، وعبثية المؤسسة· لكن الظاهرة لا يمكن أن تتشكل دون أسباب· قليلون جداً أشاروا الى الحيثيات السوسيولوجية، فيما لم يتردد البعض في استعادة صور الحرب الصليبية، وأيضاً في استعادة معركة بواتييه بين المسلمين وشارل مارتل الذي أطلق عليه الأساقفة لقب ''مطرقة الله'' لأنه هزم المسلمين الذين تلهوا بالركض وراء الغنائم· المثير أن هناك من يطرح هذا السؤال: حين يتواجه هيستيريا أبناء البيت (الدجولي) الواحد دومينيك دو فيلبان ونيكولا ساركوزي، وحين يفتقد الحزب الاشتراكي الحد الأدنى من الرجال فتقفز سيجولين رويال فوق مُساكنها فرنسوا هولاند زعيم الحزب الاشتراكي، وقد أنجبا عائلة من هذه المساكنة، وتبدو كما لو أنها المرشحة الأوفر حظاً للدخول الى الاليزيه، لابد من التفكير بذلك الرجل الذي يمتطي الحصان، وهو يرتدي ملابس ''جان دارك'' ويتجول في الطرقات خلال المناسبات الوطنية· إنه، بطبيعة الحال، زعيم الوطنية جان - ماري لوبين الذي تفوق على مرشح الحزب الاشتراكي ليونيل جوسبان في انتخابات عام ،2002 والذي يعرف كيف يطرح كراهيته، علناً ضد المهاجرين وضد الذين ''لا يفقهون ماذا تعني روح فرنسا''· هذا ممكن جداً، خصوصاً إذا ما أخذنا بالاعتبار كيف تتراقص السياسات والأمزجة في سائر أرجاء أوروبا· إنها ورقة في يد سيجولين رويال لكي تدعو الى الدفاع عن الإيقاع الحضاري، وهو الإيقاع المقدس في فرنسا، لكن خصومها يقولون إنهم يخشون من أن تتقيأ الوردة الحمراء، وهي شعار الحزب الاشتراكي، بضعة أقراص من الإسبرين· ''أورينت برس''·