صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

عن الحب الواقعي والمتخيّل

«أنين الملائكة» مجموعة قصصية صدرت حديثا للكاتب السوري سعد بريدي تكشف عن نزعة رومانسية مفرطة في زمن ابتعد فيه الجميع عن هذا اللون الأدبي، واستغرقوا في كتابات مرتبطة بالآلام والمشكلات الكثيرة التي يعانيها إنسان هذه الأيام.
في إحدى قصص المجموعة «ترجمان القلوب»، نجد «راشل» إحدى مريضات الطبيب النفسي الشهير «الدكتور سعيد» تبعث له بخطاب غاية في الرقة والعذوبة تكشف عن نوع من العلاقات العاطفية تنشأ عادة بين الأطباء ومرضاهم.
فتقول: «عزيزي الدكتور سعيد... لو مُنحتُ كلمات اللغات وثقافات الشعوب التي استعمرت الأرض، لما استطعت أن أخط لك سطراً واحداً يعبر لك عما يجيش بداخلي.. لم تكن فقط طبيبا، لقد كنت الملهم والصديق، لقد أوجدت البحر الأزرق بداخلي، ذلك البحر الزاخر موجه بأرق الألحان، ونسيمه يستبيح جمال ذكرياتي وكياني، ولونه الفيروزي يصيرني منارة منصوبة على تلة قرب شاطئه، تستدعي بفنارها كل سفن التائهين في بحر العشق البديع».
هذه النزعة الرومانسية لدى بريدي، تجد صداها في أغلب النصوص، مستمدة إيقاعها من ثيمات معروفة ومطروقة، لعل أشهرها مسألة الحب الضائع التي تعبر عنها قصة «عندما يبتل السوسن» عن علاقة الكاتب المسرحي الشهير «منار» ومحبوبته «سوسن» التي صارت نجمة مسرحية كبيرة بفعل إبداعاته.. غير أن شموع هذا الحب أخذت تذوي بعد زواجه من «سهيلة»، حيث شعر منار بخطئه في تفريطه بحبه الأول ولم يفق إلا وسوسن قد تزوجت وأنجبت ابنة، عملت هي الأخرى في مجال التمثيل، ليحدث ارتباط من نوع آخر مع منار عبر عمل الابنة، بالتمثيل في معية ابنه «رصين» الذي صار مخرجاً مسرحياً يشار له بالبنان.
هذه الحبكة التقليدية، التي تذكر بأفلام السينما القديمة، سيتخلى عنها المؤلف عندما يلجأ إلى عالم الميتافيزيقا حيث يوجد هناك «معسكر السحاب» والذي يضم بعضا ممن ذهبوا ضحية العشق، نتيجة أفعال بشر ضيّقوا الأفق، معدومي الإدراك خاضعين كلياً لتعاليم الشيطان الذي ولج عقولهم حاملاً بوقه اللعين نافخاً في عقولهم دسائس الشر والضغينة، حسب تعبير الكاتب.
وأهم ما في معسكر السحاب كما تبينه الحكاية، المواعيد السنوية التي تلتقى فيها أرواح العشاق ممن قُتلوا أو انتحروا حزناً على فراق الحبيب، وينظم هذه اللقاءات أمير مملكة الأشباح، فينتظر كل عاشق فتاته متدثراً بأحاديث الهوى وشغف القلوب الذي استطاع الكاتب التعبير عنها ببراعة شديدة.
عالم العشق هذا سيظل محورا لقصة «وانتصر الحب» التي ينعي فيها الكاتب حال الشعراء المصدومين دوماً مع ملهماتهم، وربما تَتوّلد من ألم هذه الصدمات براكين الحب وشياطين الشعر، ذلك الذي ندركه عبر مجموعة من زملاء العمل، التي خيل لبطلها صاحب المشاركات الشعرية في بعض الصحف والورقيات، أن ملهمته واقعة في حبه، غير أنها حين لقائها الأول به، أخبرته بعشقها لصديقه طالبة منه استخدام بعض كلماته الرقيقة الراقية في توصيل رسائل الحب للصديق.. فيكتفي بأن كلماته قد انتصرت للحب بعدما ساعدت في التقريب بين قلبين، ليظفر الصديق غير المكترث، بقلب ملهمته ويصبحا عاشقين فزوجين.
هذا هو المناخ الذي تدور فيه أحداث كل نصوص مجموعة «أنين الملائكة»، التي تبدو شديدة الواقعية.. ولكن في زمن سابق أو متخيّل.