الملحق الثقافي

الاتحاد

أوباما يقود ثورة فنية داخل البيت الأبيض

لم يغيّر الرئيس الاميركي باراك أوباما سياسات الولايات المتحدة فقط في التخاطب مع العالم، حتى استحق عليها نوبل هذا العام، بل إنه يحاول هو وزوجته تغيير الذائقة الفنية الرسمية التي سادت قرونا في البيت الأبيض، عندما انتقيا لوحات فنية خارج التراث الكلاسيكي، باتجاه الفن التجريدي والمعاصر، وأعمال فنانين متعددي الأعراق، سوداً ومن سكان أميركا الأصليين ومن ذوي الأصول اللاتينية الخ.. وكان لافتا اقتناء أعمال بعض الفنانين الذين لا تشكل أسماء بعضهم ثقلا كبيرا في سوق اللوحات والمنحوتات، فتحرك بذلك سوق الفن، وثار جدل إيجابي داخل المشهد الثقافي الأميركي، باتجاه التأكيد على أن هؤلاء جميعا يشكلون الخلطة الأساسية للمجتمع الأميركي، مما يعني فتح حوار بينهم جميعا، من دون سيطرة البيض من ذوي الأعراق الأوروبية.

إنها ثورة فنية كما أسمتها بعض الصحف، حيث يحيط آل أوباما أنفسهم في الغرف المخصصة لعيشهم وفي مكتب السيدة الأولى بأعمال ما كان لها أن تحلم بالتواجد هناك، بينما لا تزال اللوحات الكلاسيكية معلقة في القسم العام من البيت الأبيض. وتقول التقارير إن السيدة ميشيل أوباما بدأت باختيار المجموعة الفنية قبل ترسيم زوجها رسميا حتى، وقد تم تعليق بعض الأعمال في اليوم الأول لإقامتهم في البيت الأبيض، لتتالى الأعمال الأخرى في الأسابيع اللاحقة.

إجراءات إدارية
وقبل أن نستكمل الحديث عن اختيارات آل أوباما، نقدم فكرة عن الإجراءات المتبعة عادة في المقر الرئيسي للرئيس الأميركي في اختيار الأعمال الفنية. بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، التي كانت أول من نشر تغطية للموضوع، فإن العائلة الأميركية الأولى بحسب الأعراف الرسمية، لديها مطلق الحرية في اختيار الأعمال التي تعلقها أو تعرضها في مقر إقامتها، في المسكن، أو في مكتب الرئيس أو مكتب السيدة الأولى. لكن في ما يخص الأماكن الأخرى في البيت الأبيض والمفتوحة للعامة، فإن العائلة الأولى تقترح على الموظف المسؤول الأعمال المطلوبة، ويتم النقاش بين الطرفين حولها. ويقول تعليق طريف في صحيفة “التايمز” البريطانية، إن هذا الموظف يحرس على ما يبدو جدران البيت الأبيض في المنطقة العامة “من اجتياح أعمال فنية متطرفة، مثل أعمال البريطاني داميان هيرست الجريئة، كسمك القرش، والخروف المحفوظ” (المخلل كما يطلق عليه في التعابير الفنية).
يسمح للعائلة الأولى أن تقترض الأعمال الفنية من المتاحف العامة أو من المجموعات الخاصة، أو تختار من مقتينات البيت الأبيض التي تبلغ 450 عملا فنيا، وهي أعمال تم اقتناؤها خلال قرون، وبينها أعمال لخمسة فنانين سود فقط. وعندما تنتهي ولاية الرئيس تعاد الأعمال كلها إلى الجهات التي أخذت منها. لكن للمتاحف والصالات الفنية شروطها أيضا، فليس أي عمل مسموح بإرساله إلى البيت الأبيض، لأنها لا تقرض الأعمال المعروضة في حينها على جدرانها، ولا المدرجة للعرض في مناسبات مقبلة قريبة.

مختارات متنوعة
تشير المعلومات التي خرجت من البيت الأبيض، إلى أن آل أوباما اختاروا أعمالا أكثر تجريدية ومعاصرة من أسلافهم في البيت الأبيض، وهي أعمال تعود إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى الآن، مع تنوع في أصول الفنانين الأميركيين، لتشمل من هم خلفياتهم آسيوية، لاتينية، من سكان البلاد الأصليين، أو أفريقية. وكذلك تم اختيار مزيد من أعمال الفنانات النساء. لقد أعلنت العائلة الأولى، وهي أول عائلة سوداء تدخل البيت الأبيض، إنها تريد من خلال اختياراتها هذه أن تضع مزيدا من الألوان على جدران مقر الرئاسة الأميركية، لأنها تعكس تنوع الشعب الأميركي العرقي والثقافي. وهناك قوائم أخرى لا تزال قيد الدرس، علما بأن اختيار الاعمال الفنية تم بالتعاون مع مستشار آل أوباما في شؤون التصميم والديكور لفترة طويلة.

ذائقة جريئة
وبحسب نموذج من المختارات بلغ 45 عملا عرضت على الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، يرى النقاد الفنيون، أن الفنان مارك روثكو هو الأكثر شهرة بينها بألوانه الجريئة النابضة بالحياة التي تتوافق على ما يبدو مع مزاج آل أوباما، وربما كانت لوحة “الشريط الاحمر” دليلا على ذلك. يلي روثكو في الشهرة النحات جاسبر جونز الذي اختيرت أعماله النحتية المعنونة “نمور الز” من رقم صفر حتى رقم تسعة. ومن الفنانين الملفتين فنان البوب آرت المعاصر إد روش (تنطق بكسرة في آخر الكلمة)، الذي اشتهر باستخدام الكلمات في لوحاته، واللوحة الزيتية التي علقت على اجد جدران البيت الابيض عنوانها طريف: “أظن أنني سوف..”، وفي داخل اللوحة كلمات تعبر عن التردد مثل “انتظر لحظة، ربما”. اللوحة جذبت التعليقات حول ما إذا كانت تعكس تردد الرئيس في اتخاذ قراراته السياسية والقرارات الداخلية، وليس في الفنون بالتأكيد!

أحياء وملونون
وشملت اختيارات العائلة الاولى فنانين من سكان أميركا الأصليين، الذين توزعت بعض أعمالهم في المكتب البيضاوي للرئيس الأميركي. ومن هؤلاء أعمال النحاتة جيري ردكورن التي لا تزال تنجز منحوتاتها بنفس الطريقة التي كانت تشتغل عليها جدتها والموروثة من تقاليد قومها. ومن الفنانين السود الفنانة التجريدية آلما توماس ولوحتها الشهيرة “واتوسي” أو (المنحدر الحاد)، والفنان وليم جونسون الذي تعرض له أربعة أعمال في مقر إقامة أوباما وعائلته، من بينها لوحته الشهيرة “زهرة لمعلمة” التي رسمها عام 1944، وتصور امرأتين من أصول سوداء في لحظة تعاطف وتضامن.
واذا كان الفنانين السابقين قد رحلا عن هذا العالم، فإن آل أوباما ركزوا أيضا على الأحياء من الفنانين، أمثال غلين لغون الأميركي الأفريقي المولود عام 1962 ويكبر الرئيس بعام واحد، ولوحته “أسود مثلي” ترمز الى التمييز والعزل العنصري في الولايات الجنوبية. لغون ملأ اللوحة بكلمات مستمدة من كتاب صدر عام 1961 لكاتب أبيض طلى نفسه باللون الأسود، وزار تلك الولايات ليخرج بعد ذلك بيوميات نشرها في كتاب تحت نفس العنوان تفضح التمييز ضد السود.

تحريك سوق الفن
مجموعة المقتنيات الفنية التي تعكس فهم عميق لدى الرئيس وزوجته للفن المعاصر والحديث، قلبت تقاليد اقتناء اللوحات وغيرها من القطع الفنية في البيت الأبيض، إذ كانت تختار عادة لكبار الفنانين المتوفين منذ زمن طويل وحصلوا على سمعة فنية متميزة. أما الآن، فإن فنانين معاصرين أحياء وبعضهم من الشباب، باتوا يتمتعون بامتياز وجود أعمالهم في البيت الأبيض وقد تظهر في خلفيات الصور الفوتوغرافية أو التغطيات التلفزيونية لنشاطات الرئيس والسيدة الأولى، ما يعني رواج هؤلاء الفنانين وأعمالهم بشكل افضل في السوق الفنية، وتأثير ذلك على انتشارهم في المجتمع الأميركي. وهذا ما حصل مع فنانين سابقين مثل توم ليا وهو من ولاية تكساس، فترة الرئيس بوش، فقد علقت له لوحة عن سباق السيارات في مكتبه الرئيسي، وكان أن ارتفعت قيمة أعماله ثلاث مرات عن سعرها السابق.
باراك أوباما يثبت أنه لم يغير فقط من حقائق السياسة في بلاده، بداية من تربعه على عرش الرئاسة الأميركية كأول رجل أسود من أب غير أميركي، بل إن حضوره بات يترك بصمته هو وعائلته على مسارات مختلفة في الحياة الأميركية، ولم تزل العائلة في سنتها الأولى داخل البيت الأبيض!.
ربما إنها لا تزال تخبئ مفاجآت أخرى جميلة مثل هذه!.

اقرأ أيضا