الاتحاد

عربي ودولي

لماذا كان يوضع تحت اليهودي جلد أنثى الخنزير؟

أورينت برس - خاص:
حين تصل باحثة يهودية أميركية إلى حد الحديث عن التعفّن اللاهوتي في الدولة العبرية· يثير استغرابها ذلك اليمين الذي إذ يزداد تشدداً فإنه يزداد بلاهة وتحجراً: حقاً انهم يفتكون بالمقدس ·
المقدس، كما ترى جوديث آلن ، الذي يتمحور حول الإنسان في طريقة إدارة الحياة، لا في طريقة إدارة الموت· وحين تنظر إلى اسرائيل ترى الغيتو، بدلالته الكارثية، وهو يتشكل من جديد· ولكن إلى أين تراه يقود؟
جوديث آلن ، الباحثة الأميركية اليهودية والأستاذة الجامعية التي زارت إسرائيل عدة مرات من أجل دراسة الايقاع النفسي والسوسيولوجي للمجتمع في الدولة العبرية مع العودة إلى أرض الميعاد، فوجئت بما دعته بـ التعفن اللاهوتي داخل اليهودي المتطرّف الذي أقام الغيتو داخله ، معتبرة ان هذا النوع من اليمين إما يعدّ للهولوكوست الآخر أو لـ ما ساداه أخرى ·
آلن تبدي استغرابها لأن مستثمرين أميركيين وغربيين يقدمون يد العون لأولئك الذين يمثلون الصدأ الايديولوجي ، فيما المفترض في نظرها اقامة علاقات أكثر حيوية، وأكثر شفافية، وأكثر فاعلية بين النص الذي لا يمكن ان يتجمّد مكانه وبين الكائن الذي يفترض ألا يبقى نصفين، نصف في داخل العصر ونصف آخر في عصر مختلف تماماً، هذا لأن ذلك النوع من الجدلية الذي كان ضرورياً في وقت من الأوقات يتحوّل الآن إلى عبء ثقيل مع انهيار الحدود الثقافية والسياسية بين الدول، لتلاحظ ان التطرف المستشري لدى المجتمعات الأخرى ناتج عن الزلزال الحضاري الراهن، لكن هذه الهزات الارتدادية لابد ان تتضاءل تدريجيا مع توسيع حجم التفاعل بين المجتمعات وآليات التطور·
هذا، دون أن تنسى جوديث آلن الاشارة إلى ان المؤسسة الصناعية العسكرية في الولايات المتحدة التي لا تتجاوز أي منطقة عقلاني في التعاطي مع الدول المختلفة في العالم انما تنفخ في الظملات · والنتيجة هو اطلاق العنان لأصحاب الأفكار المتحجرة لتسويق أفكارهم بل ولفرضها بالقوة·
صرختها ضد عودة الغيتو تأخذ مداها: جدران الكترونية، أشرطة شائكة، أسوار فولاذية، والمهم ان الغيتو عاد يظهر من جديد، وبقوة، داخل الكائن اليهودي ·
هذا يحملنا على التساؤل عن بنية الغيتو· وفي موسوعة اليهود اليهودية والصهيونية يوصف بأنه مكان داخل المدينة أو خارجها محاط بسور عال له بوابة أو أكثر تغلق عادة في المساء، وكان من غير المصرح به لأعضاء الجماعات اليهودية في بعض المراحل التاريخية لدى دول معينة، ان يظهروا خارج الغيتو في يوم الأحد أو في أيام أعياد المسيحيين· وكانت الغاية من الغيتو متعددة الأبعاد (المتناقضة في بعض الأحيان): حماية اليهود كجماعة وظيفية وسيطة، وسهولة تحصيل الضرائب منهم، ومراقبتهم وعزلهم وفصلهم عن الأغلبية المسيحية، كما كان يضمن ألا يهرب أعضاء الجماعة إلى بلد آخر، إذ كانوا مادة استعمالية، وأداة إنتاج وإدارة يستفيد الامبراطور أو الحاكم من وجودها·
الغيتو كان يتمتع بقسط وافر من الإدارة الذاتية، وكانت تتولى إدارته هيئة يصل عدد أفرادها إلى اثني عشر شخصاً، بعضهم منتخب والبعض الآخر معين· وكانت لهذه المؤسسة (القهال بين الاشكناز والماهاماد بين السفارد) قوة تنفيذية ضخمة، إذ كانت تجري عمليات الزواج والطلاق، وتنفذ عقوبة الجلد والسجن وصولاً إلى الاعدام، وإن في حالات نادرة، وكان من حق تلك المجالس أن تصدر قراراً بالطرد من حظيرة الدين (حيريم) كما حدث مع الفيلسوف الشهير باروخ سبينوزا ، وكان من حقها النظر في المنازعات بين اليهود والحكم في القضايا حسب الشريعة اليهودية·
وكان أعضاء المجلس يعرفون كل صغيرة وكبير عن سكان الغيتو بسبب صغر حجمه وقلّة عدد أفراده·
اليهودي مركز العالم
وكان اليهودي يتلقى داخل الغيتو التأكيدات بأنه ينتمي إلى الشعب المقدّس والشعب المختار، وأن الغيتو ليس سوى وضع مؤقت يحفظ فيه الإله الأمة وروحها إلى أن يحين الحين ويشاء إعادة شعبه إلى أرضه المقدسة وحريته الكاملة· وفكرة الوجود المؤقت أساسية في البنية الفكرية للجماعات الوظيفية الوسيطة، فهي دائماً تنتمي إلى بلد أصيل جادت منه وستعود إليه في نهاية الأمر· ومما عمّق هذه الأفكار ان التراث القبالي الحلولي، ابتداء من القرن السابع عشر للميلاد، وضع اليهود في مركز العالم، فكان اليهودي يعلم انه عندما يمتنع عن العمل يوم السبت إنما يعجل، في واقع الأمر، بمقدم الماشيح الذي سيخلص العالم ويسود الشعب اليهودي، بل ان كل المعاناة والآلام التي يتحملها اليهودي خارج الغيتو من علامات الاختيار والتميز، وكلما زاد الاضطهاد زادت الساعة اقتراباً·
وفي داخل الغيتو ظهر القسم اليهودي، وهو القسم الذي كان اليهود يتلونه في القضايا بينهم وبين غير اليهود، ويعود إلى أيام شارلمان (771-814)· وكان نصه والطقوس الرمزية التي تصاحبه يعطيانه شكل اللعنة التي يستمطرها المرء على نفسه ويجعلانه يتضمن وصفاً تقصيلياً للعقوبة التي ستحل إن كان اليهودي كاذباً في قسمه· وقد جاء في صيغة أحد الأقسام: إن كنت كاذباً في قسمي فلتنزل اللعنة على سلالتي ولأتحسس طريقي بين الحيطان كالأعمى ثم لتنشق الأرض وتبتلعني ·
التحلل من النذور
ويبدو ان استمطار اللعنات بهذا الشكل كان يرمي إلى إثارة الخوف لدى اليهودي حتى لا يكذب، خصوصاً انه كان معروفاً في العصور الوسطى ان اليهود يتلون دعاء كل النذور في صلاة يوم الغفران ويتحللون من خلال ذلك من أية نذور قطعوها على أنفسهم أو أية إيمان التزموا بها في العام السابق· وفي احدى المحاكم اليهودية، كان على اليهودي أن يقف، ووجه نحو الشمس، على كرسي نزعت احدى أرجله الأربع، وهو يعتمر قبعة اليهود ويلتفح بشال الصلاة (طاليت)، وأحياناً كانت توضع تحت الكرسي مواد قذرة مثل جلد انثى الخنزير، وهو حيوان كريه لدى اليهود· ولعل الهدف من كل هذا ان يحاول اليهودي التركيز على الاحتفاظ بتوازنه ويردد القسم، فلا يمكنه ان يكذب في عقله الباطني، ويصدق في قسمه ويستمطر على نفسه اللعنات فعلاً·
والقسم اليهودي تعبير عن وضع اليهود القانوني الشاذ باعتبارهم عنصراً غريباً في مجتمع مسيحي يستند إلى الشرعية المسيحية ولا يقبل غيرها، ولا توجد فيه فلسفة واضحة حيال الأقليات الدينية· وقد استمر هذا القسم، دون الطقوس التي تصاحبه حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ، ولم يعرف القسم اليهودي لا في انجلترا الحديثة (بعد إعادة توطين اليهود في القرن السابع عشر الميلادي) ولا في الولايات المتحدة·
رداء الفرسان ورداء القساوسة
من الغيتو أيضاً نشأت الأزياء، فقد كان أعضاء الجماعات اليهودية يرتدون زياً خاصاً لتمييزهم عن بقية السكان، وهذا أمر مألوف في المجتمعات التقليدية المبنية على الفصل الحاد بين الطبقات والجماعات، فكان على كل جماعة أن ترتدي زياً خاصاً بها، وتستعمل غطاء للرأس، وتقص شعرها بطريقة مميزة، وهذا كان يسهّل عمليات الإدارة وجمع الضرائب، ففي العصور الوسطى في الغرب استثناء من هذه القاعدة، فقد كانوا يطلبون امتياز ارتداء أزياء خاصة حتى يسهل التعرف عليهم فيتمتعون بالحماية التي خلعها عليهم الامبراطور أو الأمير حسب المواثيق المعتمدة·
ولكن تلك الأزياء، مثلها مثل أسوار الغيتو، تغيّرت وظيفتها بالتدريج، وخصوصاً بعد حروب الفرنجمة حيث بدأ اليهود يفقدون أهميتهم في غرب أوروبا ووسطها كجماعة وظيفية وسيطة وتجار دوليين ومرابين، فتحوّلت أسوار الغيتو إلى وسيلة لعزلهم وأصبحت العلامة والأردية المميزة وسيلة للاذلال ودلالة للعار، وتحولت من مجرد وظيفة واجراء إلى رمز ذات مضمون سلبي محدد·
اللحية والقفطان
ومع ظهور الدولة القومية، حاولت هذه الدولة ان توحّد المواطنين في ملابسهم وفي طريقة قصّ شعورهم· وقد استجاب أعضاء الجماعات اليهودية في غرب أوروبا بسرعة، لكنهم في وسطها وشرقها تمسكوا بضرورة اطلاق اللحية وارتداء القفطان، حتى اضطرت الدولة إلى اصدار قوانين لمعاقبة من يرتدي مثل هذه الملابس وجعلها تقتصر على الحاخامات· وكانت المعارك تقوم بين ممثلي الدولة وبعض أعضاء الجماعات اليهودية· وقد أعاد النازيون العمل بالعلامة المميزة، كما ان الحسيديين ما زالوا يرتدون الزيّ المميز ليهود شرق أوروبا·
ولعل اللافت ان أول غيتو قسري اقيم في المانيا في القرن الرابع عشر، ووصلت عملية العزلة القسرية إلى ذروتها في القرن الخامس عشر ميلادي، ومع عصر النهضة، كان الغيتو هو الشكل الشائع في أوروبا· ويمكن الإشارة إلى ان الغيتو الذي أنشأه الملك اراغون في العام 1390 تحوّل إلى نموذج للقسرية· ولقد أصدر فرديناند و ايزابيلا في عام 1480قراراً باحاطة أحياء اليهود والمسلمين في الأندلس بالجدران، وطبق اجراء مماثل في البرتغال· وفي بولونيا، طرد اليهود من منطقة كراكوف واضطروا للسكن في ضاحية كازيمير التي احاطوها بالأسوار للفصل بينها وبين المدينة· ومع هذا، لم يخضع يهود بولندا لذلك الحظر الذي فرض على يهود الغرب، حيث كانت لليهود مدنهم الخاصة التي تُعرف باسم شتتل ·
البابا طرد اليهود
وقد أصدر البابا قراراً بطرد اليهود من الأقاليم البابوية، باستثناء مدن معينة أجيز إقامة غيتوات فيها· وانشئت غيتو روما في العام ·1555
وفي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وبداية القرن التاسع عشر، ومع بدايات الثورة الفرنسية وظهور المجتمع الغربي الحديث، راحت أسوار الغيتوات تتهاوى الواحد بعد الآخر تحت ضغط الشعوب والحكومات التي كانت تحاول توحيد السوق القومية·
وكان العديد من الصهاينة يتصور ان سقوط الغيتو سيؤدي إلى انقراض اليهودية لأن وجودها مرتبط عضويا بالعزلة· وبالتالي لا بد أن يتعارض مع ظروف الاعتاق والاندماج· وبالفعل، واجه العديد من اليهود صعوبة في التكيّف مع الأوضاع الجديدة· لهذا طالب الصهاينة باقامة دولة غيتو يمكن ان يقيم فيها اليهود شعائرهم وان يمارسوا حياتهم الثقافية والحضارية والقومية دون أي تدخّل من الأغيار·
ويطلق مصطلح الغيتو الآن على أحياء يهود الييديشية الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة واستوطنوا فيها· لكن الاستخدام هنا مجازي إلى أقصى حد، ويفترض استمراراً حيث لا يوجد استمرار قط، فالغيتوات الأميركية تختلف في بنائها الاقتصادي والمعماري والوجداني عن تلك التي في شرق أوروبا، وهي لا تختلف من قريب أو بعيد عن أي من الضواحي الأميركية حيث لا يسكنها إلا من يريد من اليهود أو المسيحيين البيض أو أي شخص يسمح له دخله بذلك، في حين يستبعد الزنوج وبعض أعضاء الأقليات الأخرى مثل أهل بورتوريكو· هنا معياران عرقي ومالي· المعيار العرقي لا يستبعد اليهود، أما المعيار المالي فلا يستبعد أحداً سوى الفقراء، ولكن ألا نجد الغيتو، بكل بدائيته، في عقل الكثيرين من يهود أميركا؟
هنا لابد أن نشير إلى مصطلح الشعب الشاهد ، وهو أحد المفاهيم الأساسية التي ساهمت في تحديد وضع الجماعات اليهودية في الغرب كجماعات دينية اثنية داخل التشكيل الحضاري الغربي· وللمفهوم جانبان متناقضان، لكنهما مع ذلك متكاملان· أما الجانب الأول فهو رؤية الكنيسة لليهود باعتبارهم الشعب الذي أنكر المسيح المخلص الذي أرسل إليهم فصلبوه بدلاً من الإيمان به·
التشتت عقاباً
وقد رأى آباء الكنيسة ان الهيكل هدم وأن اليهود تشتتوا عقاباً لهم على ما اقترفوه من ذنوب· كما أعلن أحد هؤلاء الآباء ان الكنيسة أصبحت إسرائيل الحقيقية، وان اسرائيل الروحية والشعب المقدس هم المسيحيون، أما اليهود فهم إسرائيل المادية الزائفة· ودعا الكنيسة إلى ان تطرح ماضيها اليهودي جانباً وان تتوجه إلى العالم الوثني ككل، أي إلى العالم بأسره·كل هذا يعني ان آباء الكنيسة لم ينظروا إلى اليهودية باعتبارها مجرد هرطقة دينية وانما باعتبارها عقيدة مستقلة معادية، وربما لو اعتبرت مجرد هرطقة لتم اجتثاث الجماعات اليهودية وتنصير أعضائها بالقوة كما حدث في العصور الوسطى حينما أبادت الكنيسة الكاثوليكية أتباع الهرطقة الالبيجينية وغيرها من الهرطقات، وتطورت صورة اليهودي في الوجدان المسيحي، فكان يرمز إليه بـ عيسو مقابل يعقوب ، وهو أيضاً في قابيل الذي قتل أخاه هابيل ، وأصبح كذلك قاتل السيد المسيح·
في زمن القرية الكونية يزدهر الغيتو في الدولة العبرية، كان دافيد بن غوريون يفاخر بـ اننا استحدثنا للزمن الشرق الأوسطي المترهل والمنهك إيقاعاً آخر · هذا لم يكن صحيحاً في يوم من الأيام، إلا إذا كان المقصود ايقاع الدم الذي لا يزال يعمل بكل طاقته· أليس هذا بما يفرضه أو يفترضه منطق الغيتو· أسوار، ثم يحكى عن العملية التفاوضية· إن جوديث آلن هي التي تقول هذه هي لوثة البقاء التي في نظرها أيضاً تبدو النقيض تماماً لـ عبقرية البقاء التي تكون بالسلام المطلق، لا بالموت المطلق، مع الآخر··
أورينت برس

اقرأ أيضا

ارتفاع حصيلة إطلاق النار في ثانوية بكاليفورنيا إلى قتيلين