صحيفة الاتحاد

دنيا

«محمد الفاتح» الشاعر السلطان فاتح القسطنطينية

جامع محمد الفاتح بإسطنبول (الصور من المصدر)

جامع محمد الفاتح بإسطنبول (الصور من المصدر)

محمد الثاني بن مراد هو رجل استثنائي في التاريخ الإنساني منحته أفعاله لقب محمد الفاتح بعدما أفلح في تحقيق الحلم الذي داعب خيال المسلمين بفتح القسطنطينية بعد 857 عاماً من الهجرة النبوية وخلد التاريخ اسمه عندما صار يوم سقوط القسطنطينية في قبضته في 6 أبريل 1453م تاريخ نهاية العصور التاريخية الوسطى وبداية العصر الحديث. ولد محمد بن السلطان مراد الثاني بأدرنة فجر يوم الأحد 26 رجب عام 833 هـ الموافق 20 أبريل 1429 م وأمه همة خاتون التي يعتقد أنها من أصول صربية.


د. أحمد الصاوي (القاهرة) - حتى عامه الحادي عشر كان محمد مجرد أمير صغير ينعم برغد العيش في بلاط أدرنة العاصمة العثمانية الأولى إلى أن قرر والده أن يرسله ليكون حاكماً على أماسيا ليتدرب على شؤون الحكم وبصحبته عدد من المعلمين لتلقينه العلوم ولحفظ القرآن، لكن الأمير الصغير تمرد عليهم ولم يقرأ شيئاً، بل ولم يختم القرآن فطلب السلطان مراد فقيها له مهابة وحدة فأشير عليه بالمولى أحمد بن إسماعيل الكوراني فجعله معلماً لولده وأعطاه قضيبا يضربه به إذا خالف أمره فذهب إليه ودخل عليه والقضيب في يده فقال أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت فضحك الأمير من ذلك الكلام فضربه المولى الكوراني في ذلك المجلس ضرباً شديداً حتى خافه وأتم حفظ القرآن في مدة يسيرة.
نبوءة
من بعد رجل العصا جاء دور فقيه آخر في تشكيل شخصية محمد الثاني وهو الشيخ آق شمس الدين الذي تولى الإعداد الديني والسياسي للأمير الصغير مرتكزاً على أن الأمير هو المعني بنبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية وما برحت هذه النبوءة تملأ نفس محمد الثاني حتى تم له فتح القسطنطينية، فسجل نص الحديث النبوي الشريف على لوحة رخامية بأحد أبواب ايا صوفيا جاء بها «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش».
وعاش الأمير الصغير يسعى وراء حلمه في أن يحقق النبوءة وأدرك والده أنه صار قادرا على تحمل أعباء السلطنة فتنازل له عن عرش البلاد بعد أن ركبته الهموم بوفاة أكبر وأحب أولاده إليه الأمير علاء الدين، وكان ذلك في عام 848 هـ الموافق 1444 م، وأصبح محمد الثاني سلطاناً على دولة العثمانيين وهو في الرابعة عشرة من العمر.
ولكن غدر أمير المجر بمعاهدته مع العثمانيين دفع السلطان الصغير لأن يطلب من والده العودة للحكم استعداداً للحرب فلما رفض السلطان مراد كتب إليه محمد الثاني قائلاً إن كنت أنت السلطان فتعال وقف على قيادة جيشك ورئاسة دولتك وإن كنت أنا السلطان فإني آمرك بقيادة الجيش»، ومن ثم عاد مراد للحكم لتنتهي سلطنة محمد الأولى بعد عدة أشهر وخاض مراد معركة فارنا ضد المجر وظل سلطاناً للبلاد حتى وافته المنية في عام 1451 م وعندها عاد محمد الثاني ليتولى الحكم.
السلطنة الثانية
في سلطنته الثانية كان السلطان قد بلغ الواحدة والعشرين ونجح بفضل والده في ترويض جنوده من الانكشارية ودمجهم في حلم تحقيق النبوءة النبوية لا سيما وأنه نجح في الاستيلاء على مختلف المناطق المحيطة بالقسطنطينية حتى بقيت المدينة وحيدة معزولة على الشاطئ الأوروبي للبسفور.
لم يدخر السلطان الشاب جهداً في تدريب جنود جيشه الذي بلغ عدده قرابة الربع مليون جندي وتزويدهم بأفضل الأسلحة زيادة على تذكيرهم آناء الليل وأطراف النهار بأنهم الجيش الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه نعم الجيش فلم يعد وحده رجل النبوءة.
أظهر محمد الثاني في تلك المرحلة جلداً وإصراراً يكشفان عن تمتعه بشخصية شديدة الإيمان والحماسة الدينية وفي ذات الوقت بشخصية رجل الدولة الذي عركته التجارب ففضلاً عن إصلاحاته الإدارية انتهج سياسة تصالحيه مع العناصر المسيحية الخاضعة لحكمه ولاسيما مع الصرب وراح يستعين بكل كفاءة عسكرية لتحقيق حلم الاستيلاء على القسطنطينية حتى أنه أحضر خبيراً مجرياً يدعى أوربان قام بنصب مدافع ضخمة في قلعة روملي التي شيدت على الجانب الأسيوي من البسفور في مواجهة قلعة القسطنطينية حتى لم يعد يفصله عنها سوى 660 م هي اتساع المضيق وتولت المدفعية العثمانية إغراق السفن التي تحاول الوصول لتموين القسطنطينية المحاصرة.
حصار
فرض محمد الثاني حصاراً برياً وبحرياً على المدينة، ولكن أسطوله فشل في الوصول لسواحلها بسب السلاسل الضخمة التي تغلق البوغاز، وهنا تجلت عبقرية السلطان الشاب العسكرية الذي قرر أن يقوم تحت جنح الليل وفي ساعات معدودات بنقل السفن براً على ألواح خشبية مدهونة بالشحم والزيت وما أن أشرقت شمس 22 أبريل 1453 م حتى وجد أهل القسطنطينية نحو سبعين سفينة عثمانية في القرن الذهبي تحاصر مدينتهم وبعد نحو 53 يوماً من الحصار، وعند الواحدة صباحاً في يوم الثلاثاء 29 مايو 1453 م اجتاحت جيوش محمد الفاتح المدينة ودخل رجلاً النبوءة إلى كنيسة أيا صوفيا، واستلم مفاتيح المدينة من البطريرك، وكانت صلاته بها إعلاناً عن تحويلها لمسجد، وعن العفو العام عن مقاتلة البيزنطيين وتأمينا لأهل المدينة ورجال الدين بها.
تقمص محمد الفاتح بحق شخصية عمر بن الخطاب عندما فتح بيت المقدس في عفوه وتسامحه وتأمين الرهبان وكفالة حريات التعبد وطارت شهرته في الآفاق بوصفه أقوى رجل في زمانه والحقيقة أن الصور المعروفة لمحمد الفاتح تعكس ملامح رجل حالم مطمئن آمن بأنه المعني بالنبوءة النبوية ورغم انتصاره الباهر، فإن سيرته وكذا صورته جاءت خلوًا من كل مظاهر التجبر أو النزعات الانتقامية. ويكفي أن محمد الفاتح كان شاعراً وأديباً وعارفاً بعدة لغات أوروبية إلى جانب التركية والعربية وهو ما يبدو واضحا في محياه ونظرات عينيه المتجهة دوما نحو الأفق وكأنه يستشرف المستقبل.
وتوضح الصور الشخصية التي رسمها فنانون أتراك من أمثال عثمان نقاش محمد الفاتح وهو مائل للبدانة وممسك بزهرة يتنسم عبيرها جريا على عادات سلاطين آل عثمان مع حرص كامل على إسباغ ملامح الفخامة السلطانية على ملابسه من قفطان وعمامة متعددة الطيات ويبدو واضحاً أن لحية السلطان كانت مائلة للحمرة ولعلّ لونها ذاك ومظهر أنفه الطويلة مما يعزز الاعتقاد بأن والدته كانت صربية الأصل.


وفاة النسر الكبير
ومن الصورة الشهيرة التي رسمها الفنان الإيطالي جنتيلي بلليني لمحمد الفاتح عند زيارته للأستانة في عام 1479 م أي قبل ثلاث سنوات من وفاة الفاتح يتضح أن السلطان، فقد جزءاً معتبراً من وزنه، بينما لم يلحق الشيب بلحيته وقد حرص الفنان الإيطالي على التعبير عن الروح الهادئة التي كان يتمتع بها الرجل الذي ارتعدت أوروبا من مجرد ذكر اسمه.
إن أوروبا قد صدمت من تلك الصورة الوادعة التي تعرض في لندن ليومنا هذا للرجل الذي ما إن وصل خبر وفاته مسموماً لروما حتى قالوا: أخيراً مات النسر الكبير، فقد كان محمد الفاتح يتحرك على رأس جيشه لمهمة كبرى لم يبح بسرها لأحد قبل وفاته ويسود الاعتقاد بأن وجهته كانت مدينة روما مقر الكنيسة الكاثوليكية، ومما له مغزاه أن أصابع الاتهام وجهت مباشرة لطبيبه الخاص يعقوب لأنه كان رومياً أظهر إسلامه، وسرت تكهنات بأنه تلقى رشوة كبيرة مقدارها مليون قطعة ذهبية ليدس السم للسلطان.