الاتحاد

تقارير

حقوق المرأة أداة لمكافحة التغير المناخي

عندما نتحدث عن التصدي لظاهرة التغير المناخي في جميع أنحاء العالم، فإننا نادراً ما نفكر في الأمر من منظور حقوق المرأة، ولكن إذا كان الناشطون البيئيون يريدون حقاً خفض الانبعاثات الغازية، ورفع مستويات المعيشة، وبناء مستقبل أكثر استدامة، فليس في مقدورهم التغاضي عن أهمية الحقوق الإنجابية والصحية للمرأة. وإقامة تحالف بين الحركة البيئية، وحركة حقوق المرأة، لن تؤدي فقط إلى النهوض بحقوق المرأة بشكل جوهري، بل ستؤدي أيضاً إلى تحقيق العديد من المزايا الطيبة التي يمكن أن تفيد كوكب الأرض الذي يتحمل عبئاً بيئياً ثقيلاً بسبب الزيادة المطردة في عدد سكانه.
فقد استغرق الأمر 200000 سنة، لكي يصل عدد سكان الأرض إلى ملياري نسمة عام 1940، ولكن بعد ذلك بـ75 سنة فقط، زاد العدد بمقدار ثلاثة أضعاف تقريباً ليصل إلى 7.6 مليار نسمة، وتبين الإحصائيات أن عدد سكان العالم يزيد بمقدار 83 مليون نسمة سنوياً، وهو ما يعادل تقريباً شيكاغو أخرى كل أسبوعين، وألمانيا أخرى كل عام، وصين أخرى كل 16 عاماً.
ويقدر خبراء التنبؤ السكاني، أن السيناريو الأسوأ الذي يمكن توقعه، هو أن يزيد عدد سكان الأرض بنسبة 70% ليصل إلى 13 مليار نسمة بحلول نهاية هذا القرن. ولكن إذا واصلنا الاستثمار في برامج دولية معقولة لتنظيم الأسرة، وقبلنا التحدي المتمثل في تلبية احتياجات النساء والأسر، فمن الممكن أن نحقق الاستقرار في عدد السكان، بحيث يظل دون مستوى 10 مليارات نسمة.
إن منح النساء في جميع أنحاء العالم، حق الحصول على الحقوق الإنجابية والصحية، يمثل حتمية أخلاقية لأن عدداً كبيراً للغاية من النساء في عدد كبير جداً من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة، لا زلن، حتى الآن، غير قادرات على الحصول على ما يلبي احتياجاتهن من موارد تنظيم الأسرة.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 200 مليون امرأة، يرغبن في منع الحمل أو تأخيره، ولكنهن لا يستخدمن وسائل منع الحمل الفعالة. ومن شأن الحصول على خدمات الصحة الإنجابية، أن يكفل للمرأة مزيداً من الاستقلال الذاتي، في تدبير شؤون حياتها، وأساليب المحافظة على جسمها، وهو ما يمكن أن يساعد في نهاية المطاف، على دفع العالم قدماً نحو تحقيق درجة أكبر من التكافؤ بين الجنسين.
وقد عززت الأبحاث التي أجريت في الآونة الأخيرة، من درجة فهم الفوائد التي يمكن أن تترتب على مساعدة الأسر على تخطيط توقيتات إنجاب أطفالها. وكشف باحثو جامعة «براون» من خلال الأبحاث التي أجروها، أن تباطؤ النمو السكاني، يمكن أن يعزز المردودات الاقتصادية، ويساعد على خفض الانبعاثات الغازية في وقت واحد. وفي نيجيريا، وجد الباحثون أن تحقيق خصوبة إنجابية منخفضة، بحلول عام 2050، يمكن أن يزيد دخل الفرد في هذا البلد بنسبة 10%. وقدرت دراسات أخرى أن الوفاء بمطلب تنظيم الأسرة في جميع أنحاء العالم، يمكن أن يؤدي إلى خفض انبعاثات الكربون في عام 2050 بنسبة تتراوح بين 16 و29% - أي ما يعادل نسبة خفضالانبعاثات التي يمكن أن تنتج عن إزالة الغابات الموجودة في جميع أنحاء العالم، اليوم.
والواقع أن تنظيم الأسرة يعتبر واحداً من بين الحلول العشرة الأكثر فاعلية في مقاومة التغير المناخي، وذلك وفقاً لتحليل أجري مؤخراً، في إطار بحث من البحوث التي تجري مراجعتها، وبالإضافة إلى كون هذه الوسيلة رخيصة التكلفة من منظور خفض الانبعاثات، فإن الفوائد المشتركة الناتجة عنها للنساء والأسر في جميع أنحاء العالم، تعد ضخمة في الحقيقة. ولهذا السبب تحديداً، التزمت الـ193 دولة الأعضاء في الأمم المتحدة بتوفير الرعاية الصحية الجنسية، والإنجابية الشاملة للجميع، كجزء من أهداف التنمية المستدامة لعام 2015. والواقع أن أهداف تنظيم الأسرة، والمساواة بين الجنسين، وصحة الأم المتضمنة في أهداف التنمية المستدامة، تعكس القيادة والقيم الأميركية، التي ساعدت على التوصل إلى توافق عالمي في الآراء، عبر سنوات عديدة من التعاون في المجال الإنمائي.
مع ذلك، كان من بين الأعمال التي قام بها الرئيس ترامب بعد أن تولى منصبه، ذلك المتعلق بتوسيع نطاق ما يعرف بـ«قانون التكميم العالمي»، الذي التمويل الفيدرالي، لأي منظمة صحية عالمية، توفر خدمات المشورة أو الدفاع عن الإجهاض القانوني، بما في ذلك تلك المؤسسات التي تقدم خدمات تنظيم الأسرة، وعلاج فيروس نقص المناعة البشرية، والتطعيم. وهذه الإجراءات تخاطر بالتضحية بالقيادة الأميركية، وتتطلب التعاون بين الجهات الفاعلة الأميركية الأخرى، وبقية العالم. وهذا هو المجال الذي يتمتع فيه الناشطون في مجال حقوق المرأة، والناشطون في مجال البيئة، بفرصة كبيرة للتصدي لمثل هذه الإجراءات، وتنظيم مواردهم.
وبالإضافة إلى جعل خدمات تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية، متاحة للجميع، فإننا بحاجة أيضاً إلى ضمان حصول كل طفل على التعليم الابتدائي والثانوي، وإنهاء آفة زواج الأطفال في مختلف أنحاء العالم. وتفيد بيانات جديدة صادرة عن الأمم المتحدة، أنه إذا تلقت الفتيات في العالم النامي تعليماً ثانوياً، فإننا سنشهد انخفاضاً بنسبة 42 في المائة في معدلات الإنجاب. وتحقيق كل هذه الأهداف ممكن، من خلال تعاون واسع النطاق بين القطاعين العام والخاص، وذلك بعد أن تتمكن المؤسسات، والحكومات، والمنظمات غير الحكومية، ومجتمعات أخرى لا حصر لها، من إقامة شراكة من أجل تحقيق هذه الأهداف، وتوفير الخدمات اللازمة لبلورتها على أرض الواقع. ولدى المدافعين عن حقوق الإنسان، وحقوق المرأة الأميركيين، كل الأسباب التي تجعلهم يشعرون بأنهم تحت الحصار من قبل إدارة ترامب، ولكن هذا في حد ذاته، يعتبر سبباً إضافياً يدفع لإيجاد قضية مشتركة في النضال من أجل صحة المرأة، ومن أجل كوكب صحي. ويمكننا إحراز تقدم كبير في هذا الشأن، عندما تتضافر جهود الجماعات، التي ركزت منذ وقت طويل على قضايا فردية، من أجل بناء اقتصادات ومجتمعات أكثر عدلاً واستدامة.

* وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون العالمية من 1993-1997
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا