الاتحاد

تقارير

تألّق صيني في دافوس

يمكن القول وفقاً للعديد من الاعتبارات أن تألق نجم الرئيس ترامب في منتدى دافوس كان مسبوقاً بالظهور القوي للرئيس الصيني تشي جينبينج. ففي دورة العام الماضي احتل «تشي» موقع الصدارة في المنتدى الاقتصادي العالمي عندما تعهّد بالدفاع عن العولمة وتحرير النظام العالمي، وهي شعارات لم تكن مطروحة ولا واردة في قواميس القادة الصينيين السابقين. وقال «تشي» متحدثاً عن اتفاقية التجارة الحرة التي انتشرت أخبارها على أوسع نطاق: «إن التمسك بالحمائية التجارية أشبه بأن يغلق المرء على نفسه في غرفة مظلمة».
وفي ذلك الوقت، عندما اجتاح الغرب قلق عميق من صعود نجم ترامب وبروز تحديات الشعبويين في الأجنحة اليمينية للأحزاب الأوروبية، انطوت مواقف «تشي» في المنتدى على درجة من الرضى والقبول في أوساط النُخب السياسية والاقتصادية التي جاءت إلى دافوس.
وأما الآن، وبعد عام من دورة المنتدى السابقة، فقد تغير الموقف، ولم يبقَ خارج الصين إلا القليل من الأطراف الفاعلة التي تروج لفكرة العولمة والتجارة الحرة التي طرحها «تشي». وبدأ البعض بالتشكيك والتحقيق في رؤاه المتعلقة بالاقتصاد المعولم واتهموه بتعميق جذور الحكم السلطوي في الصين. وحدث ما هو أكثر من ذلك عندما بدأت الشعبوية الغربية تطرق أبواب الانتخابات الوطنية في العديد من الدول الأوروبية. وفي أميركا، اعتمد ترامب مؤخراً التشريعات الضريبية الجديدة التي أسعدت بعض أصحاب القرار الأثرياء الذين جاؤوا إلى قرية دافوس السويسرية المحاطة بالثلوج.
ويمكن القول إن أي خطاب ألقاه زعيم في دافوس هذا الأسبوع، بدءاً من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، كان يوزن بمقياس موقفه من الصراع القائم بين الشعبوية والعولمة. إلا أن جميع الرؤساء كانوا بطريقة أو بأخرى يدافعون عن العولمة ويؤيدون مبدأ تعزيز العلاقات الدولية.
ولم يكن «تشي» ذاته هو الذي أثار الاهتمام الكبير، بل رئيس مستشاريه الاقتصاديين وخريج جامعة هارفارد «ليو هي»، الذي تحدث في المنتدى يوم الأربعاء مكرراً ما سبق أن قاله رئيسه «تشي» في دورة العام الماضي. وتناول بالتفصيل الخطط التي تتبناها الصين لتحرير اقتصادها، وشدّد على رغبتها المتزايدة في الامتثال لأحكام وقوانين التجارة الدولية أثناء تحوّلها من مركز ضخم للتصدير إلى سوق استهلاكية. وبدا واضحاً أن مسؤولي إدارة ترامب لم يأبهوا كثيراً لما قاله. وفي اليوم ذاته، واصلوا هجومهم على الصين بسبب ما وصفوه بممارساتها التجارية غير العادلة.
وفي دافوس أيضاً، عبر السياسيون والاقتصاديون من مختلف الاتجاهات عن استنكارهم لخطة إدارة ترامب لزيادة التعرفات الجمركية على الواردات الأميركية من أجهزة وأدوات تخزين الطاقة الشمسية وغسالات الملابس الضخمة، وهي الأجهزة التي تستوردها الولايات المتحدة من الصين وكوريا الجنوبية على الترتيب، ويكون علينا أن ننتبه هنا إلى أن كوريا الجنوبية هي دولة حليفة للولايات المتحدة. وكتب الخبير في العلاقات الصينية الأميركية إسحق ستون فيش تغريدة على موقع «تويتر» قال فيها: «لقد سألت المديرة التنفيذية لشركة صينية كبرى متخصصة بصناعة أجهزة توليد الطاقة الشمسية، عن رأيها بالتعرفات الجمركية التي فرضها ترامب على تلك التجهيزات، فقالت بلهجة ساخرة: إن الصين هي الدولة الرائدة عالمياً في هذه الصناعة ولا نحتاج لأن نبيع منتجاتنا لأميركا».
وقالت «رنا ميتير» أستاذة تاريخ الصين في جامعة أوكسفورد، والمشاركة في منتدى دافوس: «حتى وقت قريب، كان الانطباع السائد في الولايات المتحدة يوحي بأن مصالحها الأمنية والاقتصادية هي الأساس الذي تقوم عليه ممارساتها السياسية والتجارية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ». وأضافت: «وأما الآن، فلم يعد فحوى الرسالة التي تحاول إدارة ترامب إرسالها إلى الجميع واضحاً لاسيما في مجال التجارة الدولية».
وليس ثمة من أحد على الإطلاق يمكنه أن يكتشف المدى الحقيقي لتمسك ترامب بشعبويته الغاضبة التي يُكثر التعبير عنها في خطابه السياسي بشكل عام، وربما في سياساته الحقيقية أيضاً. وهناك احتمال أخذ يزداد قوة ووضوحاً خلال السنة الأولى لوجوده في السلطة، وهو أنه بدأ يميل لإظهار وجه جديد. ويقول أنتوني سكاراموتشي، وهو الصحفي الخبير في تحليل مجريات الأمور في منتديات دافوس: «إنه يريد تحطيم الأسطورة التي سبق له أن طلع بها من أنه الرئيس الذي لا يرفع إلا شعار: أميركا أولاً. وهذه أسطورة غير صحيحة أبداً لأن ترامب مؤيد للعولمة في قرارة نفسه. ويبدو أنه كان مصاباً بداء انفصام الشخصية، لكنه أتى الآن إلى هنا من أجل إعادة الأمور إلى نصابها. وهو يقوم بعمل كبير في هذا الاتجاه».
وقال السيناتور الجمهوري عن ولاية تينيسي، بوب كوركير: «تحتكم الصين لرؤية استراتيجية بعيدة المدى، نحن الأميركيين نفتقر لمثلها». وأشار إلى أن القرار الذي اتخذه ترامب بالتملّص من اتفاقية «الشراكة عبر الهادئ» (وهي اتفاقية تجارية اعتمدتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، بهدف ربط دول آسيا المطلة على المحيط الهادئ بالمصالح الأميركية)، كان قراراً «مدمّراً»، لأنه جعل الولايات المتحدة في موقف ضعيف للغاية. وجاء الوصف الأبلغ لقرار ترامب المذكور على لسان الدبلوماسي السنغافوري السابق والمحلل المتخصص في العلاقات الدولية كيشور محبوباني، حيث قال حرفياً: «لقد كان ذلك القرار بمثابة الهدية القيّمة للصين».

* محلل أميركي في مجال العلاقات الخارجية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا