صحيفة الاتحاد

الإمارات

علي بن تميم: مبادرة محمد بن زايد لتدريس «التربية الأخلاقية» تعزيز للهوية والانتماء

عمر الأحمد (أبوظبي)

أكد سعادة الدكتور علي بن تميم مدير عام «أبوظبي للإعلام» أن إدراج مادة التربية الأخلاقية في المناهج الدراسية لم يكن ترفاً بل ضرورة وحاجة ملحة، فرضتها التطورات المتلاحقة في العالم، لافتاً إلى أن دولاً مثل اليابان وفرنسا وبريطانيا وماليزيا وسنغافورة والهند وغيرها، بدأت بالانتقال من تدريس مادة التربية الأخلاقية اختيارياً إلى جعلها إلزامية.
وأشار إلى أنه على الرغم من تباين الأسباب التي تدعو إلى تدريس هذه المادة، فإنها تشترك جميعاً في إدراك أهمية التربية الأخلاقية في مواجهة التطورات والتحولات والتعقيدات التي يشهدها عالمنا الراهن، مضيفاً أن هذا الوعي نشأ نتيجة تراكم المشكلات التي تواجه الأجيال الحالية، وتستند إلى إحصاءات وأرقام حول معدلات الجريمة، والهوية والانتماء، وإدمان التكنولوجيا، وصعوبات الاندماج، وتقبل الآخر لدى بعض الفئات، إلى غير ذلك من عوامل نشأت بفعل العولمة خلال العقدين الأخيرين على الأقل.
جاء ذلك خلال محاضرة نظمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بعنوان «التربية الأخلاقية أساس بناء الأمم» حضرها معالي حسين بن إبراهيم الحمادي وزير التربية والتعليم وسعادة الدكتور جمال سند السويدي مدير المركز ومحمد الحمادي رئيس تحرير صحيفة الاتحاد والمدير التنفيذي للتحرير والنشر في شركة أبوظبي للإعلام وجمع من الحضور.

جوهر الإنسان
وتساءل الدكتور بن تميم في بداية المحاضر عن الدافع من إقرار دولة الإمارات العربية المتحدة مادة التربية الأخلاقية، موضحاً أن صناع القرار ومتخذيه في الدولة، ولا سيما صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، صاحب مبادرة التربية الأخلاقية، يدركون أن الأخلاق هي جوهر الإنسان، وأنها كانت على الدوام محلّ اهتمام كل الديانات والشرائع، كما يدركون أن الرؤية الدينية المطروحة حالياً، بسبب غلبة أصوات الغلاة والمتطرفين والمتزمتين، تعاني فقراً شديداً في الوعي الأخلاقي، برغم أن الانشغال به، والسؤال عنه، قديم في الثقافة العربية والإسلامية، لافتاً إلى أن غلبة التدين على الدين، والمظهر على الجوهر، لم يؤدِّ إلى رعاية قضية الأخلاق، وإعطائها ما تستحقه من عناية. وأشار إلى واقعتين أساسيتين تفصل بينهما سنوات قليلة: الأولى واقعة القبض على خلية من المواطنين سعوا إلى الانقلاب على دولتهم تحت شعارات واهية زائفة تتقنّع بالإسلام بينما همّها الأول الوصول إلى السلطة وفرض رؤيتها القاصرة على المجتمع. والواقعة الثانية: استشهاد عدد من أبناء الوطن البواسل في معركة الدفاع عن الحق ورفع راية الإمارات عالياً. وقال:«هذا «التناقض» الصادم والمقلق بين رؤيتين.. بين خائن يبيع وطنه وآخر يفتديه بالروح، لا بدّ من أنه دفع الرؤية إلى أن تتأمل المصائر والمآلات، وقاد الأمر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد إلى التساؤل عميقاً حول أصل المسألة وفصلها، ولعلّ هذا كان من الأسباب الرئيسة في ولادة مبادرة التربية الأخلاقية، خاصة في ظل التحولات الضخمة والتغيرات السريعة الذي يشهدها عصرنا في المستويات كافة وخاصة الثقافية منها، مما يتطلب رعاية للنشء تختلف اختلافاً كلياً عن مساراتها القديمة». وأضاف: «صار النشء إذن كما هو دوماً في صلب رؤية سموه. والتربية الأخلاقية بذلك مؤشر على تعميق الرعاية وتثبيت دعائم الهوية وتكريس المثل العليا والاعتراف في الوقت نفسه بالقدرة على إحداث الفارق أخلاقياً وقيمياً والعمل على صناعة هوية المستقبل وأخلاقياتها الوطنية».

مسؤولية جماعية
وأشار الدكتور بن تميم إلى أن هناك إدراكاً أن «التربية الأخلاقية» هي واجب مشترك، بين الدولة أو الحكومة والمجتمع، وهي نتاج توافق وانسجام بين الطرفين، وأن دور الأسرة لا يقل أهمية عن دور المدرسة، بل إنهما يتعاونان ويتوافقان، حيث إن ما يتعلمه الطفل في المدرسة لا يفترض أن يتنافى ويتناقض مع ما ينشأ عليه في البيت والعكس صحيح. وعليه، فإن التربية الأخلاقية هي نتاج جماعي وجهد مشترك، ونجاحها في تحقيق أهدافها يزيد أو ينقص بقدر التعاون، علماً بأن المناهج الدراسة الحديثة تضع ذلك في الحسبان، ولا تترك الأمور للمصادفات، بل تشرك الأهل بصورة معمقة في العملية التربوية، خاصة في السن المبكرة جداً، أو في البدايات الأولى لتشكل وعي الطفل.
وأكد أن التربية الأخلاقية تشكل الوسيلة الفضلى لبناء شخصية الطالب وتنمية الروح الخيّرة فيه، لأن مسألة السلوك الأخلاقي تعد الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أي نشاط إنساني، وهي القوة التي تنظم الحياة الاجتماعية من كل جوانبها، كما أن التربية الأخلاقية ضرورة لتحقيق التماسك المجتمعي، لأنها تقي الفرد والأسرة والمجتمع آفة التلوث الخلقي والعبث بقيم المجتمع الإيجابية، حيث تبني العلاقات بين الأفراد على أساس من السلوك الحسن والاحترام المتبادل، واحترام الفضائل.
وشدد على أن التربية الأخلاقية ضرورة لبناء دولة قوية يعمل الناس فيها بأمانة ونزاهة وإخلاص، وهي ليست ثمرة جهد عابر، بل ثمرة عمل مؤسسي طويل تتضافر مؤسسات المجتمع على تحقيقه. فالاتجاه في إبراز محاسن الأخلاق، ومضارّ السلوك السيئ في حياة الأفراد والأمم، صار يعتمد على نتائج البحوث العلمية في مجالات علم النفس والاجتماع والفلسفة والطب، والتي أثبتت آثار السلوك الحسن والسلوك السيئ، وأن الأمم اعتادت نشر إحصاءات مفصّلة عن الجريمة ودواعيها، وتعاطي المخدرات، وأنواع الانحراف والشذوذ المختلفة، ونتائج ذلك كله على أوجه الحياة المختلفة، اجتماعياً، واقتصادياً وبشرياً.
وقال:«التربية الأخلاقية وسيلة ضرورية لنشر القيم الأساسية التي توضح دور الفرد في المجتمع وتجعله يدرك مبكراً المساهمة التي يستطيع تقديمها إلى مجتمعه وقيمة العمل الجماعي في البناء والتنمية. وتساهم في إرساء وترسيخ روح المواطنة القائمة على احترام حقوق الآخرين وعلى معرفة القوانين وأهميتها في إدارة الحياة العامة. وتساهم في بناء روح الحوار والتسامح، وفي مجتمع تعددي من المهم زرع قيم التسامح في الطلاب حتى يتمكنوا من التعامل مع هذا النسيج الاجتماعي المعقد والتفاعل معه تفاعلاً إيجابياً. وتضع أساساً صالحاً للتعامل مع التطورات التي يشهدها العالم المعاصر. فمن جهة هناك تفشٍ للتشدد والتطرف والإرهاب، باسم الدين تارة والقومية تارة أخرى، ومن المهم، بل الجوهري، أن يميّز الطالب في سنوات تكوينه الأولى بين صحيح الدين والهوية الوطنية، وبين من يستغل هذه الشعارات لأجندات أيديولوجية هدامة. كما أننا نعيش في عصر تطرح فيه التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي تحديات جمّة، والتربية الأخلاقية قادرة على إرساء أساس قوي لفهم هذه التحديات والتعامل البنّاء معها».

حقوق وواجبات
واستشهد بن تميم بما قاله صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بأنّ «الأخلاق هي صمام أمان الأمم وروح القانون وأساس التقدم ودونها لا أمن ولا استقرار ولا استدامة»، وأن «آباءنا اتخذوا من البعد الأخلاقي نسيجاً ضاماً لبناء دولتنا الاتحادية وتنظيم علاقتها بالبيئتين الإقليمية والعالمية». و«أنّ الإنجازات الاقتصادية والعمرانية مهما عظمت ومؤشرات التنمية البشرية مهما ارتفعت والتشريعات مهما أحكمت هي ناقصة إذا لم تحصن بنبيل السلوك وكريم الأخلاق». مؤكدا أن حديث سموه العميق يبين أن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، أرسى الدولة على قاعدة أخلاقية صلبة قوامها العدل والمساواة والتسامح. وأضاف: «التربية الأخلاقية في تصور المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، تقوم على ثنائية الحقوق والواجبات، ففي الوقت الذي كان المغفور له بإذن الله يرى ضرورة أن ينال المواطن في الدولة حقوقه، كان يدعو إلى أن يؤدّي ذلك المواطن واجباته، وأن يعرف مسؤوليّاته، وأحاديثه في هذا السياق تدعو إلى نشر ثقافة المواطنة التي تقوم على مجموعة من القيم والمبادئ الأخلاقيّة التي تحترم القوانين والتشريعات والرموز التي تعبّر عن الوطن والمجتمع والدولة، فقيم المواطنة تشكّل نسقاً أخلاقيّاً يجمع بين الجماعي والفردي».
وأكد الدكتور بن تميم أن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، رحمه الله، بقي حريصاً على الحوار، وكان يؤمن بأنه هو الوسيلة للتفاهم وتكوين القناعات، وظلّ يرفض الإكراه وفرض الرأي، وكان في حواراته وكلامه يُميّز القناعة التي تتشكّل لدى الإنسان بعد حوار مثمر، وبالتالي فإنّ التغير بعدئذ يكون قناعة إراديّة يتجلى فيها التقدير والاحترام، أما الإكراه فإنّه لون من التنكّر لخصائص الآخر وميزاته.

المبادرة: حدث استثنائي
وأشاد الدكتور علي بن تميم بمبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، مشيراً إلى أنها تشكل حدثاً استثنائياً من خلال نقل هذه الرؤى الخلقية إلى عالم الطلبة ثم إلى المجتمع من خلال عمل منهجي ومؤسسي يجعل من التربية الخلقية عملاً وطنياً يقع على عاتق الأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع المدني.
وتحدث عن الجوانب التي سيتضمنها منهاج التربية الأخلاقية التي تتمثل في «الأخلاقيات والتطوير الذاتي والمجتمعي والثقافة والتراث والتربية المدنية والحقوق والمسؤوليات»، وذكر أنها ستشكّل نقلة نوعية ليس في ترسيخ منظومة القيم الأخلاقية في الميدان التعليمي لدى الطالب والمعلم والهيئة الإدارية فحسب، بل ستجعل من التعليم منظومة متكاملة لبناء الإنسان الإماراتي المعتز بهويته وتقاليده وإرثه الحضاري، الفاعل على مستوى الحاضر، والمتطلع إلى مستقبل مشرق.
وقال: «عبر سموه عن الدور الفعال للخلق في بناء الأمم بعبارة جامعة فقال: (القيم الفاضلة أساس راسخ في بناء الأمم ونهضتها ورقي الشعوب وتطورها، وأنه مهما بلغت الدول من تقدم علمي، فإن ديمومة بقائها مرهونة بمدى محافظتها على قيمها النبيلة. وإن العلم في جوهره تجسيد وإعلاء للقيم الحضارية والأخلاق الإنسانية) وجاءت هذه المبادرة الحصيفة من سموه، لتجعل الشباب في مجتمعنا قادراً على مواجهة أفكار التطرف والغلو والإرهاب والتعصب، ولتحصنه من الأفكار الضالة التي تروجها حركات الإرهاب والمتاجرون بالدين والأخلاق، وليكون هذا الشباب قادراً على أن يبني هويته بوعي يجعله قادراً على احترام موروثه والانفتاح على الحضارات الأخرى».
وأشار إلى أن التربية الأخلاقية قادرة على أن تربط بوعي وتوازن بين الحرية والمسؤولية، وتجعل الفرد قادراً على أن يكون واعياً لذاته ولسلوكه وأهدافه ونتائج تصرفاته، وتكون له في الوقت ذاته حرية الإرادة والاختيار، وأنها تصدر عن وعي بطبيعة الإسلام وما فيه من تركيز على حسن الخلق، فقد وصف الرسول الكريم رسالته بأنها جاءت «لتتمم مكارم الأخلاق»، كما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا»، وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ الصلاة والصيام».

فرصة سانحة
واختتم الدكتور بن تميم محاضرته متحدثاً عن أسلوب التعليم قائلاً: «إن مبادرة التربية الأخلاقية الإماراتية فرصة سانحة، وعلى التعليم الحكومي استثمارها على نحو نافع، بعيداً عن المقاربات التقليدية والتلقين المخلّ والخطب الجوفاء والأمثلة المكررة والشعارات الرجراجة، لأن للأخلاق علماً وللعلم أخلاقاً، وعلى المنهج أن يفكر بهما مليّاً تفكيراً عمليّاً علميّاً، وفي ذلك تبرز مهمة المختصين والتربويين، ليس في تحويل الأخلاق إلى مادة للتفكير فحسب، وإنما جعلها ملكة يمكن فهمها وتذوقها، وبها ينهض الطلبة وتصدر عنهم كلّما تحلّوا بها الأفعال الجميلة والقيم الحميدة. وما أجمل أحمد شوقي حين يقول: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا». ثم وقع الدكتور علي بن تميم على دفتر الحضور وتبادل الصور التذكارية مع سعادة الدكتور جمال سند السويدي مدير عام المركز ومع الحضور.