صحيفة الاتحاد

الإمارات

الرئيس وتويتر .. والمتحدث الصحفي!

أحمد مصطفى العملة

في الزمن الغابر القريب كان القادة السياسيون يتخفون عادة وراء «المتحدث الصحفي» لإعلان مواقف معينة بعبارات منمقة تحقق أهدافاً محددة. مَثّل ذلك لسنوات طويلة نموذجاً فعالاً حمى دولاً من تداعيات كارثية. فخروج الزعيم عن النص أو ممارسة شغفه بالارتجال خلال خطبة رسمية أو مؤتمر صحفي، كان يصعب علاجه أحيانا.
لكن ما العمل الآن وقد صار «تويتر» منصة مفتوحة للبث المباشر، تشتعل أحياناً بتراشق سياسي حاد بين قادة تحت أيديهم أزرار أسلحة نووية فتاكة، قد لا تحتاج لأكثر من 140 حرفاً لتكتب نهاية العالم؟!
ٌٌإنه منزلق خطير .. فمع وجود حساب نشط جداً على تويتر، لم تتراجع فقط أهمية «المتحدث الصحفي»، بل صار من الصعب نزع فتيل أزمات سياسية بادعاء وقوع خطأ ترجمة أو سوء فهم أو التباس ، عندما «يفلت» لسان «الرئيس» في بعض التغريدات.
ويحسب لدونالد ترامب أنه هو الذي نبه العالم للمخاطر السياسية لوسيلة التواصل الاجتماعي الشهيرة، لأن كثيرون شعروا بالرعب عندما نصح وزير خارجيته عبر تويتر بألا يضيع وقته في البحث عن حل سلمي لأزمة الأسلحة النووية لكوريا الشمالية.
تغريدات من هذا النوع، تكشف الجانب المظلم الذي ينطوي عليه استخدام تويتر في مواجهات سياسية خطيرة، بجمل قصيرة، وسط لحظة مشحونة بالتوتر السياسي والفوضى، يمكنها فعلاً إشعال كارثة كبرى.
لقد استخدمت، النخبة الأميركية، تويتر بضراوة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي شهدت انحداراً غير مسبوق في تبادل التهم وتلويث السمعة والحط من شأن المنافسين، لكن لم يتخيل أحد أنه يمكن استخدام الموقع بالطريقة المفزعة نفسها في جدال بشأن قضايا تهدد السلم العالمي، بعيداً عن القنوات الدبلوماسية.
ومع أن الرئيس السابق باراك أوباما هو أول من اكتشف القدرات المذهلة لتويتر في الحشد السياسي ورص الصفوف وجمع التبرعات والترويج للبرامج الانتخابية ودعم حملات الدعاية خلال انتخابات 2008، إلا أن الأمر أخذ مع ترامب طابعاً شخصياً خطيراً.
ليس فقط لأنه غرد كثيراً (8144 مرة خلال الحملة الانتخابية.. و1002 تغريدة خلال الستة أشهر الأولى في البيت الأبيض)، لكن لأن اللغة التي استخدمها كانت في معظمها حادة ومشحونة بتأويلات كثيرة.
ويضع ذلك ، أمام القائمين على تويتر، تحديات جديدة للبحث عن طرق فعالة ليس فقط لحماية المستخدمين من التنمر والتحرش، بل لضمان أمن واستقرار العالم من أي هزات قد تتسبب فيها تغريدة طائشة، انطلقت لحظة غضب أو ضيق، أو سقط منها حرف مثلا فاختلف المعنى.
المفارقة الغريبة، أنه في مقابل النموذج الأميركي هذا، تعاني مجتمعات كثيرة من النقيض تماما.. أي الغياب الكامل للرئيس والحكومة عن وسائل التواصل، في اللحظات الحرجة التي يحتاج الناس فيها لفهم ما يجري. وعندما لا يكون هناك متحدثا صحفيا ولا حتى حساباً نشطاً عبر تويتر للتواصل مع الرأي العام، يصبح الغياب التام عن الساحة الإعلامية بخطورة الحضور الكثيف.. كلاهما ضار.. والحل هو التواصل الرشيد الفعال، لنقل المعلومات السليمة سواء عبر تويتر أو المتحدثين الصحفيين المحترفين الذي نفتقدهم كثيراً الآن في عالمنا العربي.