تقارير

الاتحاد

خطاب ذكي

قبيل إذاعة أوباما خطابه السنوي عن "حالة الاتحاد" نشر رسام الكاريكاتير الكندي "فيو موداركس" رسماً ظريفاً، ولكنه أيضاً عميق الدلالة. يصور الرسم أوباما بصورة قريبة، وقد أجلس على كرسي صغير وهو مكتوف اليدين، وفي مقدمة الرسم عملاق ضخم منتفخ الأوداج، كبير البطن وهو يحمل كيساً كبيراً وعلى ظهر العملاق (الذي أعطاه للرئيس) كُتبت كلمة البنوك.
التعبير الكلامي المصاحب للرسم يقول للرئيس المكتوف اليدين على مقعد خشبي صغير: "إذا أردت معركة ستجدها". عندما رأيت الرسم لأول وهلة، ضحكت كما يضحك القارئ من رسم مضحك، ولكن عند النظرة الثانية تأملت ملياً في الرسم والكلمات القليلة المصاحبة له، وتذكرت عشرات، أو ربما مئات المقالات والتعليقات والتحليلات السياسية و"النبوءات العلمية"، التي قرأتها وشاهدتها طوال شهر يناير، فالشغل الشاغل لأجهزة الإعلام الأميركية والكندية طوال شهر كامل كان حول خطاب الرئيس المرتقب.
معظم الكتاب والمحللين والمتحدثين أشارت كتاباتهم إلى أن أوباما وإدارته سيواجهون "انتفاضة" شعبية في الشارع وداخل الهيئة التشريعية (الكونجرس بمجلسيه).
وقد رد أوباما على ذلك في خطابه، وبشكل ساخر عندما خرج عن النص وقال: "أنا لست ساذجاً - ليس ما يقوله أو يفعله... وإن الناخبين الذين دعموه وأوصلوه إلى سدة الرئاسة قد بدأوا، يفقدون ثقته في قدرته وفريقه على تحقيق الآمال والأحلام والوعود التي التزم بها أمام الناخبين الأميركيين إبان حملته الانتخابية وبعد انتخابه.
تأملت الرسم مرة أخرى، وفكرت في معاني الرسالة، التي أراد الفنان أن يوصلها للقارئ، فالأصل في الرسم الكاريكاتوري الجيد هو الذي يدفع مشاهده إلى التأمل.
وتذكرت أنني قرأت مقالاً لكاتب "يساري" بعد انتخابات أوباما رئيساً، قال فيه إن الرئيس أوباما قد يكون صادقاً -وهو كذلك- ومؤمنا بدعوته الى تغيير وجه الحياة السياسية الأميركية، وقد تكون لديه إلى جانب الإيمان برسالته الإرادة الشخصية والرغبة الحقيقية في "التغيير"، الذي جعله شعاراً لحملته الانتخابية، لكن ربما ما فات عليه أن هذا المجتمع الأميركي، والنظام الذي بنته الرأسمالية الأميركية وحولت به الولايات المتحدة إلى أكبر "امبراطورية" في التاريخ، لن يسمح له أبداً أن يحقق - ولو انتخب لدورتين - تلك الأفكار، والبرامج التي يبشر بها.
لما فقد "الديمقراطيون" مقعد تيري كنيدي (حيث حافظوا عليه طوال 42 عاماً) ارتفعت أصوات الناقمين والمحافظين، بل بعض أصوات أعضاء "الديمقراطيين" وحاول بعضهم أن يبعد نفسه عن فريق أوباما بحجة أن المجتمع ليس جاهزاً، ومستعداً لتقبل تلك البرامج الطموحة، التي تصب كلها في مصلحة الفقراء الأميركيين، وهم الأغلبية المقهورة دائماً، ووجدت في أوباما صوتاً جهوراً يعبر عنها.
لكن الرئيس الفصيح والسياسي خيب آمال ناقديه الذين كانوا "جاهزين" للشماتة فيه، وإرغامه على التراجع عن التزامه المبدئي بتحقيق حلم أكثر من مليون مواطن أميركي في تأمين العلاج والتأمين الصحي، الذي عجز عن تغيير نظامه المجحف من سبقه من الرؤساء الديمقراطيين. والرئيس الذي هو ليس "بساذج" عرف من أول تجربة أن محاولته إصلاح النظام المصرفي ومحاسبة الفاسدين، الذين أدت سياساتهم وامتيازاتهم ومحاباتهم لنظرائهم إلى هدر البلايين التي قدمها الرئيس الأميركي من أموال دافعي الضرائب لإنقاذ النظام المالي والمصرفي من الانهيار، ستجد طريقها كالمعتاد الى جيوبهم الخاصة ومصالحهم الخاصة.
كذلك كان الرئيس واضحاً، بل شرساً وهو يخاطب الأمة من خلال "حالة الاتحاد" عندما أشار إلى أنه لن يتراجع عن خطته في (التأمين الصحي)، ولن يتراجع عن إصلاح النظام المصرفي، وسيطرح عدة تشريعات لتحقيق ذلك، وحذر بشكل واضح أعضاء الكونجرس، أنهم لو أسقطوا مشروعات القوانين التي قدمها لهم، فإنه سيستعمل سلطته الدستورية الرئاسية. وفعل ما يجب أن يفعل السياسيون العقلاء تواً لخطة من المجلس بدأت حملة شعبية لاجتماعات بعامة المواطنين، وعاد إلى ناس الشارع الذين في دفئهم يجد أوباما نفسه كزعيم وأول رئيس من صلب أفريقي.
وهكذا كانت نتائج أول استطلاعات الرأي العام لمصلحته وتأييداً لخطابه الشجاع. لقد ركز الرئيس معظم خطابه عن الحالة الداخلية الأميركية، ولم ينشغل كثيراً بالقضايا الخارجية، لأنه بذكائه أدرك أن خصوم برنامجه أرادوا أن ينشروا بين عامة الناس روح الإحباط واليأس من تغيير يخافونه.

اقرأ أيضا