الاتحاد

تقارير

السودان سودانان: عدوى أخرى؟

عبدالوهاب بدرخان
كاتب ومحلل سياسي - لندن


فرح في الجنوب، حزن في الشمال، من الطبيعي أن يكون المشهد في جوبا مناقضاً لما هو في الخرطوم. فالولادة الرسمية لجمهورية جنوب السودان كانت، في التاسع من يوليو الجاري، بمثابة إعلان متأخر لانتصار المتمردين السابقين في حربهم على الحكومة. ولكن، حتى الآن، لم يتسبب تقسيم السودان في التداعيات التي كانت متوقعة عربيّاً وأفريقيّاً. الأرجح أنها ستأتي لاحقاً، وفي مستقبل قريب، لأن هذا التقسيم لم يتم -فقط- من أجل الجنوبيين وحقهم في تقرير المصير، وإنما أيضاً لأهداف استراتيجية عدة تأمل الأطراف الدولية التي دعمت التقسيم في تحقيقها.
ليس معروفاً ما الذي حققه الرئيس عمر البشير من زيارته للصين طالما أن الشمال خسر عمليّاً ثروة النفط، وخسر بالتالي أكثر من ثلث موارده. كانت الصين هي التي تمكنت من جعل هذه الثروة محققة، بعد عقود ضاعت مع محاولات شركات غربية وصراعاتها. وليس مؤكداً أن الجنوبيين، الذين يدينون للغرب بانفصالهم ودولتهم المستقلة، يريدون مواصلة التعاون مع الصين حتى لو كانت عروضها في مصلحتهم. فالصراع على النفط محتدم، وهو كان من العناصر الحاسمة في إنهاء الحرب كما في جعل السلام لصالح الجنوب أولاً.
هذا ليس سوى واحد من الصراعات المباشرة التي ستجعل من التقسيم مصيدة للشطرين. الفارق أن الشمال لديه ما يخسره من استمرار النزاعات، أما الجنوب فيمكن أن يضع السنوات الصعبة المقبلة في سياق العقود السابقة الضائعة، وكما أنه عوّل دائماً على الدعم الغربي فإنه يعوّل في كل الأحوال على هذا الدعم للبدء ببناء دولته. ما هو على المحك في الشمال، منذ اتفاق نيفاشا عام 2005، وليس منذ الاستفتاء على الانفصال مطلع هذه السنة، هو تماسك ما بقي من السودان تحت سيادة الحكم في الخرطوم. فالنموذج الجنوبي، وإن كانت له خصوصيته (الاختلاف الديني)، أعطى لبقية المناطق الناقمة على الحكم فكرة أن التقسيم ممكن، وأن غير الممكن هو التعايش مع نظام سياسي بطش بعائلاته السياسية قبل أن ينبري لمحاربة الجنوبيين والدارفوريين وغيرهم.
في الأسابيع التي سبقت إعلان الدولة الجنوبية اتضح للعالم أن طرفي السودان تركا عدداً من الملفات الساخنة من دون حلول. وعلى رغم أن هناك مبعوثين أميركيين دائمين ولا يغيبون أبداً عن جوبا أو الخرطوم، إلا أن هؤلاء اهتموا دائماً بالتأكد من أن مشروع الانفصال سائر بسلاسة إلى نهايته، ولم يهتموا بمساعدة الطرفين على إيجاد صيغ خلاقة ومستقبلية لما تبقى من خلافات بينهما. كانت هناك محاولات أفريقية جادة، ولو أنها غير كافية، لمعالجة الأوضاع المتفجرة في "أبيي" وجنوب كردفان، وكان معلوماً دائماً أن هناك حاجة إلى مساندة دولية لهذه الجهود. ويعتقد الأفارقة أن هذين الملفين يتعلقان بإرادة الشطرين في بناء تعاون بينهما، فمهما حاولا سيبقى هناك تداخل بينهما لسنوات طويلة مقبلة، وبالتالي يمكن إبرام اتفاقات انتقالية تمهد لأخرى دائمة، طالما أن تجدد القتال لا يشكل حلاً ولا يحقق لأي طرف وضعاً يستطيع المساومة عليه.
هناك لمحات قليلة في الإعلام عن المشاكل التي يتعرض لها الجنوبيون والشماليون، كبشر، وكأفراد وأسر وجماعات، جراء الأوضاع التي يفرضها التقسيم. صحيح أن المصاعب متوقعة في مثل هذه الحال، لكن الاستعجال الجنوبي وتلكؤ الحكم الشمالي ومساوماته على مستقبله حالا دون إيجاد صيغة انتقال هادئ. بل يتبين حاليّاً، أكثر فأكثر، أن الجهود الدولية والإقليمية والداخلية ركزت خصوصاً على الإجراءات التي تناسب النظامين، على رغم أهمية الالتفات إلى العنصر البشري وما تختزنه معاناته للمستقبل.
بذل نظام عمر البشير ما أمكنه لجعل التقسيم "مكسباً" يدعم بقاءه، وهو يتوقع أن يسمع في الأسابيع المقبلة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الأنباء التي تلاقي وعوداً كان تلقاها مقابل عدم عرقلة هذا التقسيم. ولكنه متشكك حيال ما سيحصل، سواء بالنسبة إلى ديون السودان أو ملف دارفور، ثم إن البشير نفسه يعرف أن قضيته في المحكمة الجنائية الدولية ستبقيه موضع ابتزاز دائم. وكل ذلك يدعوه إلى تغيير شامل في إدارته للشمال، وإلا فإنه لن يستطيع الاستمرار. لاشك أن أولى تداعيات التقسيم ستكون في الشطر الشمالي، ولكن العديد من الدول الأفريقية يخشى انتقال العدوى، كما أن "الربيع العربي" أبرز مخاوف وتحذيرات التقسيم. ولكن الأنظمة المتهاوية التي تحاول التذكير بأنها كانت عنواناً لـ"وحدة البلاد" تنسى أن أكبر الأخطار وأسوأها يأتي من أكبر الأخطاء وأفدحها... ولو بعد حين.

اقرأ أيضا