الاتحاد

الملحق الرياضي

حفل "الفيفا".. "جنون العظمة" ينهار تحت أقدام "المكافحين"

محمد حامد (دبي)

في عام 2002 أبدع ويل سميث في فيلم «علي» الذي يجسد حياة الأسطورة محمد علي كلاي، ولم يكن هناك مرشح للأوسكار أقوى من سميث، الذي يوصف بأنه الأكثر تأثيراً في السينما والثقافة الأميركية، بل إنه حقق دخلاً مالياً يقترب من 6 مليارات دولار بأعماله الفنية المختلفة، وعلى الرغم من كل ذلك لم يحصل النجم الأميركي على «الأوسكار»، وسط دهشة الملايين حول العالم، مما يؤكد أن إخضاع الإبداع لمقاييس ثابتة يتفق عليها الجميع ما هو إلا درب من الخيال، فالجدل المثار حول أحقية هذا اللاعب أو ذاك بلقب الأفضل عالمياً سيظل له ما يبرره، فالبعض يرى أن لوكا مودريتش حصل على أكثر مما يستحق، فيما يؤكد البعض الآخر أن تتويجه بلقب الأفضل هو القرار الأفضل في تاريخ الجائزة.
مودريتش يتربع على عرش الكرة العالمية، هذا لم يعد خبراً، ولا جدوى من الجدل حول أحقية النجم الكرواتي بانتزاع جائزة «الفيفا» لأفضل لاعب في العالم لعام 2018، فالاختلاف حول الجوائز الفردية سيظل قائماً في كل مجال ومكان وزمان، لن يختفي من عالم كرة القدم والرياضة بأسرها، وسيظل حاضراً في أوسكار السينما العالمية ومهرجانات الموسيقى والشعر والأدب وغيرها في أرجاء العالم كافة، فالإبداع لا يعرف المقاييس الثابتة؛ لأنه يمثل حالة إنسانية وليس تجربة علمية.
حفل جوائز «الفيفا» لعام 2018 والذي أقيم في القاعة الملكية التي تستقر على نهر التايمز في لندن، شهد ما يشبه العقاب الجماعي لـ «جنون العظمة» الذي يحيط بالنجمين الأشهر والأكثر تأثيراً في الكرة العالمية كريستيانو رونالدو، وليونيل ميسي، فقد اعتذرا عن حضور الحفل، وهي سقطة أخلاقية وفقاً لإجماع الصحافة وخبراء وأساطير الكرة العالمية، خاصة أن الثنائي استأثر بتصفيق وإعجاب العالم على مدار السنوات العشر الماضية، وحينما جاءت اللحظة التي يتوجب عليهما احترام غيرهما من اللاعبين، والتصفيق لهم قررا الغياب عن المشهد بصورة متعمدة.
ولم يتردد فابيو كابيللو في وصف ما حدث بقوله: هذا هو عدم الاحترام بعينه، كان يتوجب عليهما الحضور والمشاركة في هذا الحفل وقبول لحظات الابتعاد عن منصة التتويج، فقد حظيا باحترام الجميع حينما كانا في قمة التألق، ومن ثم توجب عليهما إظهار الاحترام لبقية اللاعبين والنجوم والأساطير، والجماهير.
وبعيداً عن «جنون العظمة» الذي منع رونالدو وميسي من حضور حفل جوائز الفيفا، فقد كانت هذه الليلة بمثابة الابتسامة العريضة للمجتهدين والمكافحين، فقد تمكن لوكا مودريتش «لاجئ الحرب» واللاعب المتواضع الذي يعزف في صمت بعيداً عن تسول أضواء النجومية بتصريح مثير أو فعل خارج نطاق المألوف، من التتويج على عرش الكرة العالمية، تكراراً لسيطرته على جائزة أفضل لاعب في أوروبا، ويجسد لوكا نموذج البطل الذي نجح في الانتصار لنجوم كرة القدم أصحاب الأداء الخططي الراقي، والفكر الجماعي، وخدمة الفريق، على حساب النجوم الذين أبهروا العالم بالقدرات الفردية على مدار عقد من الزمان.
مودريتش لعب دوراً مؤثراً، لكنه ليس مرئياً في تتويج الريال بدوري الأبطال، كما أبدع مع الكروات في مونديال روسيا 2018، وحمل منتخب بلاده إلى المباراة النهائية، في واحدة من أروع مفاجآت المونديال، مما جعله يستحق التتويج بجائزة «الفيفا» لأفضل لاعب في العالم، وعلى الرغم من ذلك، فإن عشاق رونالدو وميسي لا يرون أنه الأحق بالجائزة، كما أن عدم تتويج أي من نجوم المنتخب الفرنسي بالجائزة بعد الحصول على المونديال يفتح أبواب الهجوم على «الفيفا»، ويمنح البعض مبرراً للتقليل من شأن النجم الكرواتي، صحيح أن الجدل يتواصل إلى المتعاطفين مع لوكا والذين يشكلون الأغلبية المطلقة سواء من الجماهير أو الإعلام.
أما النجم العربي محمد صلاح، فهو بطل قصة الكفاح الثانية في ليلة «الفيفا»، فقد أتى من ريف مصر ليصل إلى قائمة أفضل 3 نجوم في العالم، وهي المرة الأولى في تاريخ الكرة المصرية والعربية، حيث لم يسبق لأي لاعب عربي الوقوف فوق مسرح المجد للمنافسة على لقب أفضل لاعب في العالم، وعلى الرغم من أنه حل ثالثاً بعد مودريتش ورونالدو في التصويت على لقب الأفضل عالمياً، فإن ما حققه يظل إنجازاً كبيراً، وملهماً لملايين العرب، وانتزع صلاح جائزة أفضل هدف في عام 2018 تقديراً له على هدفه في مرمى إيفرتون في ديربي الميرسيسايد، وفتح صلاح لنفسه ولغيره من الطامحين طاقة الأمل في مواصلة التألق عالمياً، حينما قال إنه يتمنى ألا يكون حضوره حفل «الفيفا» للأفضل عالمياً هو الأخير في مشواره، حيث يطمح للعودة من جديد للمنافسة على لقب الأفضل في العالم.
القصة الإنسانية الثالثة في ليلة معاقبة النجوم الذين أصابهم جنون العظمة، وتكريم المجتهدين المكافحين من عشاق كرة القدم، يجسدها جمهور منتخب بيرو، والذي حصد جائزة «الفيفا» لأفضل جمهور في العالم، فقد كان لهذا الجمهور قصة رائعة في مونديال روسيا، حينما قالوا: لا يهم ماذا سيفعل منتخبنا في المونديال، نحن هنا لمشاهدته ودعمه والوقوف خلفه مهما كانت النتائج، فقد قررنا بيع ممتلكاتنا وسياراتنا واقترضنا من البنوك ومن بعض الأصدقاء لكي نسجل حضورنا في مدرجات المونديال، وفي مختلف الشوارع والساحات ليسمعنا العالم ونحن نهتف «بيرو.. بيرو».
هذا ما قاله عشاق المنتخب البيروفي في روسيا، والذين أبهروا العالم قبل انطلاقة كأس العالم بدخولهم في قائمة أكثر 10 دول إقبالاً على شراء تذاكر حضور المباريات، والتي وصل عددها لجمهور بيرو ما يقرب من 45 ألف تذكرة، مما جعلهم الأحق بجائزة «الفيفا» لأفضل جمهور في العالم لعام 2018، وجاءت فقرة تكريم من يمثلون هذا الجمهور لتخطف الأضواء من الجميع في ليلة حفل «الفيفا» التاريخي.
أما مفاجأة الحفل، فتمثلت في الغياب التام للبرازيلي نيمار، الذي أعده البعض في السنوات السابقة ليكون الوريث للثنائي رونالدو وميسي، حيث تسببت تصرفاته وابتعاده عن برشلونة وفشل منتخب بلاده في كأس العالم، في اختفائه تماماً عن الأنظار والجوائز.

بكاء الأسطورة
تسبب اللاعب الكرواتي لوكا مودريتش في بكاء مواطنه ونجم الكرة الكرواتية السابق زفونيمير بوبان، خلال حفل جوائز الاتحاد الدولي، وذلك بعدما أهداه جائزة أفضل لاعب في العالم. وبعد تسلمه لجائزة أفضل لاعب في العالم خلال حفل «الفيفا» الذي أقيم في العاصمة البريطانية لندن، ألقى مودريتش كلمة بالإنجليزية والإسبانية والكرواتية وتحدث عن بوبان، الذي كان قائداً للمنتخب الكرواتي الذي وصل إلى الدور قبل النهائي لبطولة كأس العالم بفرنسا عام 1998
وقال مودريتش: «لقد كان أيقونتي ومصدر إلهامي الأكبر، ذلك الجيل جعلنا نفهم أنه بإمكاننا أن نقوم بشيء كبير». وخلال كلمة مودريتش لم يتمكن بوبان، الذي كان حاضراً في قاعة الحفل، من السيطرة على مشاعره وأجهش بالبكاء.
وعاش جيل مودريتش في المنتخب الكرواتي طوال سنوات تحت الظل الثقيل لجيل اللاعبين الذين شاركوا في المونديال الفرنسي، ولكن المنتخب الكرواتي نجح في الوصول إلى نهائي مونديال روسيا 2018 ليحقق الإنجاز الأكبر له عبر تاريخه.
وسقط المنتخب الكرواتي بقيادة مودريتش في نهائي المونديال الروسي أمام فرنسا بنتيجة 4 /‏‏ 2.
وتابع مودريتش قائلاً: «هذه الجائزة تدل على أننا جميعاً قادرون على أن نكون الأفضل في العالم، الأحلام تتحول إلى حقيقة بفضل العمل الجاد والتفاني فيه، إنه شرف كبير وإحساس رائع». واستطرد قائلاً: «أرغب أيضاً في تهنئة محمد وكريستيانو على موسمهما الكبير، هذه الجائزة ليست لي بمفردي، هي لجميع زملائي في ريال مدريد والمنتخب الكرواتي، أشكر أيضاً جميع المدربين، من دونهم ما كان هذا ليكون ممكناً».

ميسي يتغلب على رونالدو في الروح الرياضية
كشفت عملية التصويت على جائزة أفضل لاعب في العالم في استفتاء «فيفا»، عن تفوق الأرجنتيني ميسي على منافسه البرتغالي رونالدو في الروح الرياضية، وغاب كل من اللاعبين عن حفل الجوائز، رغم اختيار كليهما ضمن التشكيلة المثالية لعام 2018 في الاستفتاء المشترك بين «الفيفا» والاتحاد الدولي للاعبين المحترفين «فيفبرو». وكان رونالدو لاعب يوفنتوس الإيطالي ضمن القائمة النهائية، المرشحة للمنافسة على جائزة أفضل لاعب لعام 2018. وعقب الكشف عن فوز مودريتش بالجائزة، أعلن «الفيفا» عن تفاصيل التصويت عليها، والتي يشارك فيها قادة ومدربو منتخبات العالم ومجموعة من النقاد الرياضيين وبخلاف تصويت الجماهير. وكانت المفاجأة في تفاصيل التصويت هي تباين تعامل النجمين الكبيرين ميسي ورونالدو مع الآخر، علماً بأن أياً منهما لم يرشح الآخر للفوز بالجائزة. وكشفت تفاصيل التصويت أن ميسي قائد المنتخب الأرجنتيني اختار مودريتش في المرتبة الأولى، ثم مبابي مهاجم سان جيرمان، ثم رونالدو ثالثاً. ولم يكن ميسي ضمن اختيارات رونالدو في المراتب الثلاث الأولى، والتي كانت من نصيب الفرنسي رافاييل فاران مدافع الريال، ومودريتش، والفرنسي أنطوان جريزمان مهاجم أتلتيكو.

الآلة الدعائية لـ «الريال» تنتصر
أكد حفل الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» لجوائز الأفضل، أن ريال مدريد الإسباني هو نادي الكرة الأقوى على مستوى العالم، بعدما استحوذ خلال السنوات الأخيرة على جوائز «الفيفا».
ويأتي على رأس قائمة لاعبيه الذين فازوا بالجوائز، اللاعب الكرواتي لوكا مودريتش الفائز بنسخة العام الجاري لهذه الجائزة الكبيرة.
ودخل 5 لاعبين ارتدوا قميص ريال مدريد في الموسم الماضي ضمن التشكيلة المثالية للعام الجاري، وهم: سيرخيو راموس ورافايل فاران ومارسيلو ومودريتش وكريستيانو رونالدو.
فيما فاز الوافد الجديد على النادي الملكي، البلجيكي تيبو كوراتوا، بجائزة أفضل حارس مرمى في العالم.
وخلف مودريتش النجم البرتغالي في التتويج بجائزة «الفيفا» لأفضل لاعب في العالم، بعدما فاز بها رونالدو في الموسمين الماضيين، ليجد ريال مدريد مسوغاً قوياً للتحدث عن تفوقه وكبريائه أمام العالم أجمع. وليس سراً ما قام به رئيس ريال مدريد، فلورينتيو بيريز، عقب انتهاء المونديال الأخير، حيث أكدت العديد من المصادر أنه استخدم نفوذه وآلته الدعائية القوية لتدعيم موقف مودريتش، بعد أن تخلى عن كريستيانو رونالدو الذي انتقل مؤخراً ليوفنتوس الإيطالي، فقد كان اللاعب الكرواتي هو فرس الرهان بالنسبة له هذه المرة.
ووجد بيريز ضالته في فوز مودريتش بجائزة أفضل لاعب في بطولة كأس العالم 2018 بروسيا، حتى جاء فوز اللاعب الكرواتي بلقب أفضل لاعب في أوروبا، ليمنح رئيس ريال مدريد قدراً أكبر من الرضا ويثرى تطلعاته لما هو أكبر. والآن توج مودريتش بجائزة أفضل لاعب في العالم، وهي الجائزة التي تمنح مسوغاً للذين يعتقدون أن الفوز بدوري أبطال أوروبا أكثر أهمية أو شهرة من التتويج بلقب المونديال.
ولم يكن أي من اللاعبين الثلاثة الذين ترشحوا في المرحلة النهائية للفوز بالجائزة، قد فاز مع فرنسا بلقب المونديال الأخير.
ويعتبر فوز مودريتش بجائزة الأفضل بمثابة نهاية لحقبة سيطرة الثنائي ميسي ورونالدو على الجوائز الفردية طوال عقد كامل. ولم يغفل مودريتش خلال كلمته في الحفل الإعراب عن امتنانه لبيريز، كما تقدم بالشكر أيضا لجماهيره.
ويعد حصول مودريتش على جائزة الأفضل هو أقصى ما كان يحلم به ريال مدريد بعد رحيل رونالدو إلى الدوري الإيطالي. وكان من أعجب المفارقات التي شهدها الحفل وجود ثلاثة من أصل أربعة مدافعين في التشكيلة المثالية للعام من صفوف ريال مدريد، وهم: سيرخيو راموس ورافايل فاران ومارسيلو.
ولكن أكثر شيء أشعر إدارة الريال بالرضا هو فوز أحد لاعبيه بجائزة اللاعب الأفضل في العالم، بعد رحيل رونالدو.
ويمكننا أن نستنبط من كل ما تقدم أن الآلة الدعائية لريال مدريد تعمل بشكل رائع وبلا كلل.

اقرأ أيضا