كتابة ــ كيم بردو ترجمة - أحمد حميدة يقول فرانسيس فورد كوبولا: «غالباً ما ينتج كبار السّينمائيّين رائعة كبرى تضمن لهم الصّيت والانتشار، أمّا كوروساوا فقد أنتج ثمانياً أو تسعاً من تلك الرّوائع. إنّه بحقّ واحد من الاثنين أو الثلاثة المعلّمين الكبار في تاريخ السّينما المعاصرة». إنّ الرّوائع الثّماني أو التّسع التي يلمِّح إليها كوبولا، هي من دون شكّ: «فرسان السّاموراي السّبعة»، و«أن نعيش»، و«قصر العنكبوت»، و«راشومون»، و«كاغاموشا»، و«الكلب المسعور»، و«ما بين السّماء والجحيم»، أو أيضا «أحياء المعدمين»، و«يوجمبو». من السّينمائيّين من يعطي أفضل ما لديه في إنتاجه السّينمائيّ الأوّل، ومنهم، وهؤلاء هم الأغلبيّة، من لا يتأكّد نجاحهم إلاّ بمضيّ السّنين. وينتمي كوروساوا إلى هذا الصّنف الثّاني، إذ كان عليه أن ينتج سبعة أفلام قبل أن يُخرج رائعته الأولى «الملاك النّشوان»، الذي شكّل انعطافة مهمّة في مسيرته السّينمائيّة. لقد كان ذلك سنة 1948، وستكون السّنوات العشر التي ستلي هذا العمل بمثابة العشريّة الذهبيّة في حياة كوروساوا السّينمائيّة، أي تلك التي ستمنحنا أعماله الباقية والمجيدة. أمّا السّنوات السّبعين، فإنّ حصيلتها كانت غير ثابتة ومتفاوتة القيمة، إذ تخلّلتها في بعض الأحيان أفلام ناجحة، فيما مُنيت الأخرى بفشل ذريع وموجع. أمّا سنة 1980، فقد كانت سنة التّتويج بفيلم «كاغاموشا» الذي سيحوز على التّانيت الذّهبي في مهرجان «كان» السّينمائي. وكوروساوا السّنوات الثّمانين والتّسعين، أي ذلك الذي أخرج «كاغاموشا» و«رانْ» و«رابسودي أغسطس» و«مادادايو»، هو ذلك الإنسان الهادئ والمشرق، الذي أدرك بمسيرته المهنيّة والفكريّة والفنيّة درجة الصّفاء المطلق. وفضلاً عن لقب «الإمبراطور» الذي أسبغه عليه النقّاد الغربيّون، فإنّه أضحى بما أنتجه من روائع يُلقّب في اليابان بـ«السّنسايْ» أي المعلّم. ثمّة، إلى اليوم، مَن يحتفظ من كوروساوا بصورة مخرجٍ لأفلام السّاموراي فحسب، وكم مخطئة وخادعة هي تلك الصّورة، إذ لو قبلنا بها لتجاهلنا أكثر من عشرين شريطا آخر أنتجها كوروساوا. وثمّة صورة أخرى لصيقة به، وهي تلك التي تجعل منه السينمائيّ الأكثر تأثّرا بالغرب من بين السينمائيّين اليابانيّين، والحال أنّ كوروساوا، الذي اطّلع منذ الصّغر، وعبر قراءاته العديدة، على الثّقافة الغربيّة، يعدّ من أشدّ السّينمائيّين اليابانيّين تشبّثا بروح الثّقافة اليابانيّة، يقول: «أنا يابانيّ، وأفكّر كيابانيّ، وبمثل هذه الرّوح أنجز أفلامي». بل إنّه لم يتوانَ عن التّشهير بأولئك المثقّفين الذين يزدرون الثّقافة اليابانيّة، ويفقدون بذلك فخر الانتماء إلى بلدهم: «لماذا لا يثق هؤلاء بالقيم اليابانيّة؟ ما الذي يجعلهم يهتزّون حماساً لكلّ ما هو أجنبيّ، ويذهبون في ذلك حدّ الافتراء على ما تركه لنا الأجداد؟». كما ثمّة من يعتبر أكيرا كوروساوا سينمائيّاً «إنسانوياً»، وأكثر من هؤلاء أولئك الذين يرون فيه على العكس من ذلك «المخلّص»، الذي لم يتوقّف طيلة أعماله السّينمائيّة عن تصويب إصبع الاتهام إلى الجوانب الدّنيئة والحقيرة في الإنسان. ولن نؤيّد أيّا من هذين الموقفين المتعارضين. ولكن مَن عساه يكون هذا السّينمائيّ «الإنسانويّ»، إن لم يكن ذلك الذي يضع كلّ ما هو إنسانيّ في قلب اهتماماته؟ وإن كان الأمر كذلك، فأيْ نَعمْ، كوروساوا هو بالفعل سينمائيّ إنسانيّ. وتحيل كلمة «إنسانيّ» على معنى فلسفيّ دقيق تمّ امتهانه بالكامل في عالم السّينما، وبالتّالي، فنحن لن نعتمده البتّة في هذا البحث. أمّا أولئك الذين يعتبرون كوروساوا السّينمائيّ الذي تناول على النّحو الأفضل ضعف وتخاذل الإنسان، فإنّهم قد يتناسون أفلاماً مثل «مادادايو»، ويتجاهلون شخصيّات مثل «كاميدا».. بطل شريط «الأحمق»، أو «الدّكتور بربروس»، أي تلك الأفلام التي تجسّم كلّ ما يحيل على نُبل ورفعة الإنسان. سينمائيُّ الحياة إن كان كوروساوا ليس بسينمائيّ أفلام السّاموراي، ولا منتج أفلام غربيّة، ولا مخرج سينمائيّ إنسانويّ، فمَن تُراه يكون؟ إنّه في المقام الأوّل سينمائيّ التنوّع، إذ من شريط «سوغاتا سنشيرو» (1943) إلى شريط «مادادايو» (1993)، نلمس تبايناً مذهلاً بين أفلامه. فعلى خلاف مخرجين آخرين مثل كنجي ميزو غوشي أو ياسيجورو أوزو، أو حتّى ميكيو ناروز، الذين غدوا متخصّصين في أجناس سينمائيّة محدّدة، ويطرقون باستمرار نفس المواضيع (المجتمع الذي يدفع بالفرد نحو الاسترقاق، تلاشي الأسرة البرجوازيّة الصّغرى واضمحلالها)، لم ينغلق كوروساوا البتّة في جنس أوحد، وإجمالاً يمكن أن نميّز في أعماله بين صنفين من الأفلام: من ناحية.. الأفلام البطوليّة ذات الأبعاد التّاريخيّة (سوغاتا سنشيرو، راشومون، فرسان السّاموراي السّبعة، قصر العنكبوت، القلعة السريّة، يوجمبو، كاغاموشا، ران..)، وأفلام ذات أبعاد اجتماعيّة ومضامين حديثة من ناحية ثانية. وقد نميّز في هذا الصّنف الثاني بين ثلاثة توجّهات، سواء كان هذا السّينمائيّ قد استمدّ إلهامه من أعمال أدبيّة (الأحمق، أحياء المعدمين..)، أو كانت الحبكة السّرديّة تستجيب لديه لمواصفات العمل البوليسي (كلب مسعور، الملاك النّشوان، ما بين السّماء والجحيم..)، أو أن لا يكون الموضوع المطروق مندرجاً في أيّ من هذين الصّنفين، ويكون حاملاً لخصوصيّات تجعله مختلفاً عن بقيّة الأفلام، مثل شريط «أن نعيش» (الإنسان في مواجهة الموت)، «أن نواجه الرّعب» (الإنسان في مواجهة الرّعب النّووي) و«ديرسو أوزالا» (الإنسان وعلاقته بالطّبيعة). وتنطوي الأفلام ذات البعد التّاريخي على تأمّل عميق في القدر الإنسانيّ: ففي «فرسان السّاموراي السّبعة»، كانت الإثارة التّاريخيّة لمسألة اضطهاد الفلاّحين من قبل اللّصوص، ذريعة لبيان الامتدادات الاجتماعيّة لذلك الاضطهاد، وتحديداً العلاقات بين طبقتين: طبقة فرسان السّاموراي وطبقة الفلاّحين مثلاً. أمّا شريط «راشومون» فإنّه يقترح تفكّراً صارماً في موضوع استحالة الظّفر بالحقيقة، وموضوع حذق الإنسان لفنّ الكذب والمراوغة. ويمثّل هذا المزج بين العمل البطولي والتفكّر فيه، إحدى القواعد المؤسّسة التي ينبني عليها أسلوب البناء الدّرامي في سينما كوروساوا. وفضلاً عن ذلك.. فإنّ لكوروساوا توجّهاً أخلاقياً في جميع أفلامه، وإنْ نُعت من قبل اليابانيّين أنفسهم بالسّينمائيّ الغربيّ، فذلك لأنّه كان ينزع إلى تفضيل العمل الفرديّ على حساب ذلك الذي يحيل على انتماء جماعيّ، إذ يمكن أن يقود ذاك التشبّث بالانتماء الجماعي إلى اضمحلال البعد الفردي الحقيقيّ للإنسان. ويطمح هذا البحث إلى بيان كيف أنّ تنوّع المواضيع، والاستبصار الذي يرافقها في أفلام كوروساوا، أسهما في جعله سينمائيّاً مكتملاً.. سينمائيّ الحياة. ولكن كيف لنا أن نحيط بسرّ هذا الإنسان الغامض، الذي كان لا يروم التحدّث عن أفلامه؟ لقد أرشدنا كوروساوا ذاته، في الأسطر الأخيرة من سيرته الذّاتيّة، إلى سبل العبور إلى عالمه: «أنا صانع أفلام، والأفلام هي وسيلتي الوحيدة للتّعبير، فكيما يعرفني الآخرون، لا أرى وسيلة أخرى متاحة لهم، غير ترصّد شخصيّات الأفلام التي أصنعها. وإن كان من الصّعب على الإنسان التحدّث عن نفسه بكامل الصّدق والأمانة، فسوف تكون الصّعوبة مضاعفة للإفلات من الحقيقة، حين يتقمّص هذا الإنسان شخصيّة غير شخصيّته. هكذا سوف يكون أقدر، وبشكل مباشر، على الإفصاح عن حقيقة كينونته. فلا شيء يكشف عن حقيقة المبدع غير أعماله ذاتها» (كوروساوا). ولن يتعلّق الأمر هنا بسرد أفلام كوروساوا، وإنّما بتحليل البعض منها واعتماد تمشٍّ منطقيّ في ترصّدها. وفي هذا الصّدد، سوف نتوقّف عند ثلاثة روائع من سجلّه السّينمائيّ، ونتناولها بالتّحليل: «راشومون» و«قصر العنكبوت» و«كاغاموشا». راشومون.. بهتان وغرور في عام 750 من عهد هيان، عُثر في غابة قرب كيوتو على جثّة السّاموراي كانازُوَا، وثبت تورّط قاطع الطّريق تاجوماري في هذه الجريمة، إذ عثر عليه وهو برفقته جواد القتيل. وبواسطة وسيط في استحضار الأرواح، حضر الفاعلون المباشرون في هذه الدراما: قاطع الطّريق، والسّاموراي وزوجته، أمام القضاء للإدلاء بشهاداتهم عن الأحداث. واختلفت بالطّبع تلك الشّهادات، ثمّ كانت رواية الشّاهد الأخير على الجريمة، حطّاب يعمل في الغابة، جاءت شهادته مؤيّدة لرواية قاطع الطّريق، ومنكرة تماماً لتهم الزّوجين: لم يعد الأمر ليتعلّق بعد ذلك بنزال حكمته الفروسيّة، ولا بانتحار بذريعة الشّرف، وانكشف الخداع في هذه القضيّة. وفي نهاية الرّواية، لن ندرك بشكل دقيق ما حدث حقيقةً، ولكنّنا سنكون قد عرفنا الدّوافع التي حكمت الأكذوبة: «إنّ بني البشر لعاجزون عن أن يكونوا مخلصين مع أنفسهم في ما يخصّهم، فلا يتحدّثون عن أنفسهم إلاّ لتزييف صورتهم، وأولئك هم الّذين يرسم راشومون ملامحهم. وما يبيّن أنّ تلك الحاجة البغيضة إلى بَهْرجة الكذب ملحاحة، حتّى إنّها لا تختفي بالموت، أنّ طيف الرّجل الميّت حين سيتحدّث إلى الأحياء عبر وسيط استحضار الأرواح، لن يكون بإمكانه أيضاً التخلّص من الكذب. يحمل الشّريط تأمّلا عميقاً في ظاهرة الغرور، وفي مدى قدرة الإنسان على الكذب، وما ينجرّ عن ذلك من هدرٍ للحقيقة وضياعها، الحقيقة التي لا يعرفها هذا الإنسان ولا يريد معرفتها. وعامّة يكون عاجزاً عن رؤيتها، لافتقاره إلى القدرة على التّفكير وعلى ترك المسافة اللاّزمة لرصدها. وفي الواقع أبطال الرّواية يتّبعون الطّريقة التالية: إنّهم يكذبون على أنفسهم، ومتى اقتنعوا (بمصداقيّة) أقوالهم، لجؤوا إلى خداع وتضليل الآخرين. حينئذ يبدو الكذب متأصّلا في الإنسان: فقاطع الطّريق، كما الزّوجة والسّاموراي، يتلاعبون بالحقيقة حين يروُونَ، لا ما فعلوه حقيقةً، ولكن ما كانوا يريدون فعله، وذلك لتلميع صورتهم.. «نحن لا نتحدّث إلاّ بما يفيدنا، ومستعدّون لتصديق ما هو زائف متى ناسبنا ذلك»، يقول كوراساوا، هذا ما أسرّ به عابر السّبيل الذي قصّ عليه الحطّاب روايته عن الأحداث. حينئذٍ.. تبدو اللّوحة التي رسمها لنا كوروساوا سوداء.. بل بالغة السّواد، غير أنّ الختام سوف يكون حاملاً لرسالة أمل: ففي اندفاعة خيريّة وإنسانيّة، عقد الحطّاب العزم على احتضان رضيع مهجور. فإذا كان كلّ شيء غير مؤكّد (والجميع يكذب) فلنعمل إذن على التّعاون والتّآزر.. وتلك كانت خاتمة الشّريط، وتلك كانت رسالة سينمائيّ مرتاب، ولكنّه شديد التشبّث بالمحبّة بين البشر. قصر العنكبوت.. الشرّ المحض لقد سُئلت مِراراً.. ما سرّ اختيارك ليابان القرن السّادس عشر كإطار لاقتباس مسرحيّة «ماكْبثْ»؟ والسبب في تقديري بسيط، وهو أنّ الحروب التي اجتاحت اليابان آنذاك كانت شبيهة بتلك التي وصفها شكسبير في «ماكْبثْ»، ثمّ لأنّ اليابان عرف حينها شخصيّة مماثلة لشخصيّة ماكْبثْ، فكان اقتباس هذه الدّراما، ولكن في إطار يابانيّ محض ودون محاكاة. لقد نسيت شكسبير، وأنجزت الشّريط لتكون القصّة في حبكتها وبنائها يابانيّة، (كوروساوا). شريط «قصر العنكبوت» هو إذن اقتباس حرّ لمسرحيّة شكسبير. ولم يعد الملك (دونكان) في هذا الشّريط ذلك الملك الهادئ، البعيد عن كلّ شبهة الذي تقدّمه المسرحيّة. وعلاوة على ذلك، وحتّى يمنح المزيد من الجسامة (للتحلّل الأخلاقيّ) لذلك المحارب الذي كان يريد أن يصبح ملكاً، ألغى كوروساوا كلّ الشّخصيّات الثّانويّة تقريباً، وبخاصّة (مَكْدافْ). وتتمحور أحداث الشّريط في ثلاثة أماكن دقيقة: القلعة، قصر العنكبوت والغابة. أمّا الساحرات الثّلاث الغريبات في المسرحيّة، فقد تمّ تعويضهن بسجينة ناحلة وغامضة، بينما تمّ إلغاءٌ كليٌّ للمناجاة الشّهيرة لبطل المسرحيّة، فكان هذا الشّريط مشبعاً خصوصاً بروح مسرح نو: لقد تمّ تبسيط الدّيكورات إلى أقصى حدّ (حواجز عارية، رسومات هندسيّة..)، كما أُنجزت المؤثّرات الصوتيّة بأدوات مسرح نو، فيما كانت التصاميم العامّة صارمة وثابتة. ويعرّف إخصّائيو شكسبير مسرحيّة «ماكْبثْ» بأنّها حكاية رمزيّة تعرض الانحلال الأخلاقي لرجلٍ أقدمَ -بتواطؤ وميل إلى اللا وعي (السّاحرات في المسرحيّة والسّجينة في الشّريط) ومع حليفته (الليدي ماكبث في المسرحيّة، والسيّدة آساجي في الشّريط) ودون رجعة- على المضيّ في طريق الشرّ. وحتّى تكون هذه الحكاية الرّمزيّة أكثر عمقاً، جعل كوروساوا من (واشيزو)، بطل قصّته، في البداية، كائناً عاديّاً ليس بالجَسُور حقيقةً ولا بالطَّموح، وهو فضلاً عن ذلك سريع التأثّر (ككلّ الأحياء). يُقدَّم لنا في البداية كساموراي وفيّ ومخلص، إذ سوف يمكّن سيّده من السّيطرة على قصر العنكبوت، الذي لطالما كان يتطاول إليه، ويخلّصه من أعدائه. وما إن انتهى الاستهلال، سيقدِّم كوروساوا بشكل تدريجيّ وصفاً دقيقاً لتطوّر وضعيّة هذا البطل، معدِّلا في الأثناء النصّ الأصليّ.. ويبدأ هكذا كابوس لا نهائيّ. في مشهد مذهل للغاية، ومرفوقاً بصديقه ورفيقه في السّلاح، التقى واشيزو مع السّجينة، فأخبرته أنّه سيكون يوماً ما سيّد قصر العنكبوت، فلا يصدّقها هذا الأخير ويخبرها أنّه يؤْثِر الوضعيّة التي هو عليها، غير أن الفكرة استقرّت في ذهنه.. وحينها تقتحم المشهد السيّدة (آساجي) مثيرة بذكاء ماكر مبدأ الدّفاع عن النّفس: فما الذي قد يحدث إن أخبر ميكي السيّد «تسوزوكي» (ولا شكّ أنّه سيفعل ذلك) بما أسرّت به السّجينة؟ وحتّى يتّخلّص من منافس خطير، قد لا يتردّد تسوزوكي (الذي رفعته الجريمة إلى سدّة الحكم) في قتل واشيزو. وكما يقول كوراساوا «وفي هذا العالم الفاسد ينبغي أن نكون أوّل من يضرب، حتّى لا نتحوّل إلى ضحايا..». مدفوعاً بالخوف سيفعل واشيزُو ما لم يكن ليفعله على سبيل الطّموح: أن يقتل السيّد تسوزوكي، سيّد قصر العنكبوت. وما إن أصبح سيّد القصر، لم يعد لدى لواشيزو غير همّ أوحد، النّسيان والتخلّص من ذلك الكابوس. ثمّ حدث ما كان يعدّ مستحيلاً، إذ سيُقدِم، مُوجَّهاً مرّة أخرى من السيّدة آساجي، على إراقة الدّماء من جديد، ولكنّها ليست أيّ دماء، إنّه دم صديقه ميكي. على أنّ تمنّي جريمة أخيرة، تكسر السّلسلة اللا متناهية من الجرائم، ليس بالأمر الممكن، والموتى يعودون، ومتى بدأت آلة القتل بالاشتغال، فهي كالمدحاة، تنتهي لا محالة بسحق المجرم. فماكبث كان لا ينفكّ ينغمر في ظلام اللّيل، بينما انغمر واشيزو في ليل لا نهائيّ، والجانب الشرّير حين استيقظ في واشيزو، أصاب في الصّميم جسارته وقدرته على الحسم، وبالتّالي لن يعود واشيزو في نهاية الشّريط غير ظلّ رجل البطولات الذي كان في ما مضى من الأيّام. وتجسّم اللّقطة الأخير في الشّريط ذلك: عاجز عن التحرّك، كان واشيزو يحاول دون جدوى التقهقر إلى الوراء تحت وابل من سهام كانت تخترقه من كلّ جانب، ليغدو مسمّراً في الجدار كحشرة كريهة، وبسهم مميت اخترق عنقه، تهاوى على مهل، ثمّ.. انهار على الأرض. يعتبر قصر العنكبوت رائعة كوراساوا الشّكسبيريّة. إنّها تحدّثنا عن الانحدار الأخلاقي لإنسان اختار عنوةً طريق الشرّ. أمّا السيّدة آساجي فهي تجسيد للظّلمات، وهي التي حقنت عقل زوجها بذلك السمّ الزّعاف.. سمّ الجريمة، لتنفّذ بأيدي زوجها، وفي الخفاء، الجريمتين البغيضتين. ويحسّم مشهد مقتل سيّد قصر العنكبوت على نحو رائع الطّبيعة (الظّلاميّة) لآساجي التي ما إنْ توارت في ظلمة اللّيل لتسقي شراب السّاكي المخدّر لحرّاس سيّد القصر، حتّى تلاشت في الظّلام الدّامس. كاغاموشا.. الصّنو يتَّحد بصنوه في إحدى المعارك، قُتل السيّد شنغان، الذي كان يحلم بتوحيد البلاد، فقرّر قادة جيشه تنفيذ وصيّته الأخيرة: إخفاء موته لثلاث سنوات متتالية. ولا بدّ أن نعرف أنّ أعداءه من عشيرة تاكيدا كانوا يهابونه، وما داموا عرفوا أنّه على قيد الحياة، فلسوف تظلّ المملكة محفوظة ومصونة. وقد عَثَر أولو العزم في العشيرة على صنوٍ لشينغان في شخص (كاغاموشا)، واستطاعوا بذلك البديل خداع الجميع. وكاغاموشا هذا الإنسان الفظّ، الذي نجا من الصَّلْب بفضل الشّبه الذي كان بينه والسيّد شنغان، سوف يدرك مدى أهمّية دوره، رغم تردّده في البداية، ليصبح بذلك شنغان، ويستأثر بشخصيّة السيّد الرّاحل.. متماهياً مع روحه. وسوف يتوقّف هذا التّماهي في المشهد الحربيّ، حيث تبدّى لنا في لقطة ثابتة، ولحين، كاغاموشا المبهرج: لقد غدا صنو شنغان، وفقد بذلك هويّته الخاصّة. وكانت تلك مفارقة محزنة ومدمّرة، إذ ارتفعت مكانة كاغاموشا، وحاز النّبالة التي تمنحه إيّاها المرتبة الرّفيعة للسيّد شنغان. ولكنّه فقد هويّته الحقيقيّة، ولم يكن ليحظى بالاحترام والتّبجيل إلاّ بفضل الاحتيال والغشّ: لقد غدا مجرّد طيف وخيال ميّتٍ. أمّا نابوكادو شقيق شنغان، ومُبْتدع تلك الخدعة المدهشة التي أنقذت العشيرة لسنتين، فإنّه بدأ يتساءل عن مصير ذلك الصّنو. فماذا لو اكتشفت حقيقة مصير شنغان، فأيّ مصير قد ينتظر كاغاموشا؟ ولا وُجودَ للِطَّيفِ من دون الأصْل. ثمّ كانت اللّحظة المحتومة: لقد انكشف سرّ كاغاموشا، وطُرد رمياً بالحجارة. لقد أضحى لا أحد.. ومحض خيال للرّاحل شنغان. واعتزم هذا الصّنو القيام بحملة أخيرة، ولكن سرعان ما انسحق جنده، ومروَّعاً أمام المشهد الفاجع لانهيار عشيرة تاكيدا، قبض كاغوموشا على حراب، وفي اندفاعة جنونيّة، بل انتحاريّة، انطلق نحو جيش الأعداء، فأصيب إصابة قاتلة. حينها اتّجه نحو جدول قريب، حيث كان بيْرقُ عشيرة تاكيدا الملوّث بالدّماء يتلألأ في الماء. وفيما كان يحاول الإمساك به اختطفته المياه المتدفّقة وجرفته. وتلك كانت خاتمة الأسطورة عن موضوع الصّنويّة، وعن الخيال والوهم. وشريط رانْ الذي أُنجز بعد ثلاث سنوات، والذي يروي هو الآخر إبادة عشيرة مقاتلة، لا يبدو أنّه قد تناول موضوع الصّنويّة، ولكن.. كان جُوَالْ مانِيي قد أدّى دوْرَ رانْ على ضوء مفهومي (التنافس المُحاكي) و(العنف المتبادل) التي تناولها رينيه جيرار في (العنف والمقدّس)، ويفتتح هذا الفيلم على مشهد صيد مثير: خنزير برّيّ يقتل بوحشيّة ولا يستهلك رغم بشاعة القتل. ويذكّر جيرار أنّ الحيوانات تضع بشكل غريزيّ حدّاً لعنفها، وتلك المنتمية إلى نفس الجنس لا يأكل بعضها بعضاً، وبالتّالي فهي غير معنيّة بـ(العنف المتبادل). وفي الحقيقة أنّه ليس التّنافس وحده، ولا الغيرة التّافهة، هي التي كانت تدفع بالإخوة في عشيرة إيشيمونجى إلى التّناحر، وإنّما هي الرّغبة الجامحة في السّطو على ما يمتلكه الآخر، وأن يصير بشكل من أشكال هذه المحاكاة.. صنو هذا الآخر. فالخصم حينئذ ليس بالإنسان الآخر وإنّما صنو الذّات. ومفهوم (الصّنو المحاكي) هذا، نراه مجسّدا تجسيداً كاملاً في شريطي (رانْ) و(كاغاموشا). ليس شريط كاغاموشا بالنّهاية سوى قصّة إنسان ساذج دُعِي إلى الجلوس على سدّة الحكم. وسوف تجعله ميكانيزمات «الصّنو المُحاكي» يطمح ببالغ الحماس إلى الانصهار كليّة في صورة صنوه.. السيّد شنغان، وحين حلّ مكانه، حظي بالاعتراف الذي كان يحظى به هذا الأخير. وقد ذكرنا سابقاً أنّ كاغاموشا كان معجباً بالسيّد شنغان حين كان هذا الأخير لا يزال على قيد الحياة، وبالتّالي.. حين غدا كاغاموشا تجسيداً حيّاً له، لم يكن ذلك بسبب الظّروف الطّارئة فحسب: لقد حكمت ذلك الانصهار اندفاعة جسديّة.. غريزيّة. وما لا يذكره كوراساوا بشكل مباشر هو لعبة الجذب والتنافر التي كانت تعتمل في وعي كاغاموشا. لقد كان كاغاموشا يغار من شينغان، وربّما كان يكرهه ويهابه. ندرك حينئذ تماماً حجم الحلم أو الكابوس الذي غدا ينتهب كاغاموشا. وذات ليلة انتابه كابوس فظيع: لقد تجلّى شينغان في الظّلمة بسترته العسكريّة وبملامح مُخضرَّة، فيما كان هو في خرقة من ثياب، وغدا فجأة، ومن جديد، ذلك الرّيفيّ السّاذج الذي كان. وفي الكابوس كان شينغان يطارد كاغاموشا، بينما كان هذا الأخير يلوذ بالفرار (تنافر وخوف). وحين توقّف شينغان وعاد أدراجه، غدا مطارَداً من قِبل منافسه (انجذاب وتوق). والتفَتَ شينغان، وعلامات الفزع بادية على محيّا الصّنو. وحين استيقظ كاغاموشا قال موضّحاً: «لقد كان كابوساً، وكان الأعداء يحاصرونني». شخصيات تشبه صانعها ليست لكوروساوا كما السّينمائيّين الكبار، رؤية مغلقة أو محدّدة مسبقاً لشخصيّاته، وكم كان كوروساوا محقّا حين اعتبر أنّ معرفة السّينمائيّ تمرّ حتماً عبر معرفة الشّخصيّات التي يكون هذا السّينمائيّ قد حدّد ملامحها ومسارها في أفلامه. والحال أنّ شخصيّات كوروساوا تشبه صانعها: مجبولة من ضياء وظلمة، تكون هذه الشّخصيّات قادرة على الأفضل وعلى الأسوأ في آن. وحتّى الشّخصيّات الأكثر «سلبيّة».. لا يدينها المخرج، وإنّما يمنحها الفرصة كي تكشف عن الجانب الإنسانيّ فيها، وكذلك كان حرصه على عدم إخفاء الجانب اللا إنسانيّ المنطمر في أعماق الشّخصيّات المُعتَبَرةِ «إيجابيّة»، فتسوغاتا سنشيرو يفقد أحياناً توازنه، وأحياناً ما يغدو الدّكتور سانادا في منتهى السّاديّة، وقبل أن يستعيد بطل، «أن نعيش».. الأمل، أمضى ليلة كاملة يعاقر الخمرة كيما يخفّف من وطأة الإرباك الذي كان يتملّكه، فيما أنّ كاهاي، المتسكّع في «أحياء المعدمين» يخفي وراء سكينة مزعومة.. ماضٍ مُلوّثٍ، وجميع هؤّلاء هم بالنّهاية.. بشر. وعلى العكس من ذلك هي شخصيّات مثل كاغاموشا حين استحوذ على شخصيّة السيّد «شنغان»، والصّناعي «غندو» حين قَبِل التّضحية بحياته المهنيّة لإنقاذ طفل صغير.. شخصيّات تبدو غاية في البهاء والرّوعة. وفي النّهاية فإن بعض شخصيّات أفلام كوروساوا، بتعقيداتها وتميّز الممثّلين المنتخبين فيها، ستظلّ مندمغة في ذاكرتنا متى ألقينا السّمع والبصر ونحن نرافقها: الدّكتور في «الملاك النّشوان»، وقاطع الطّريق في «راشومون»، وكاميدا في «الأحمق»، والدّيوانيّ في «أن نعيش»، والجنرال الذي غدا سيّداً في «قصر العنكبوت»، والسّنساي (المعلّم) في «ماداديو». وإنّنا لسعداء في النّهاية أن نرى مسيرة هذا السّينمائيّ الفذّ تُختم بشخصيّة السّنساي في «ماداديو». ذلك أنّنا نؤثر الاحتفاظ في ذاكرتنا بصورة ذلك السّنساي (المعلّم) التّواصلي.. الصّريح والمفضال. وكوروساوا الذي سنذكره لا محالة، هو ليس المخرج المتحفّظ والمتبجّح لشريط «دوتس كادان»، وليس ذلك الرّجل الذي حاول الانتحار، إنّه «السنساي» إمبراطور السّينما اليابانيّة، الذي جعل العالم بأكمله واليابانيّين أنفسهم، يكتشفون ثراء الثّقافة اليابانيّة. إنّه سينمائيّ التنوّع.. تنوّع نبرات الخطاب، وتنوّع الشّخصيّات وأساليب البناء الدرامي في إنتاجه السّينمائي. إنّه من أولئك السّينمائيّين الذين وفّقوا في الجمع بين السّرد البطولي والتفكّر العميق فيه. وإن كانت أفلامه يسيرة التناول، فينبغي أن لا ننسى أنّها تعكس صورة كائن بالغ الحساسيّة والشّفافيّة.. إنسان مشرق ومثاليّ في آن. ولكلّ هذا.. يجمل بنا إسداء تحيّة امتنان إلى هذا «السّنساي»، تحيّةً تليق بكبار النّفوس. كوروساوا والجريمة أفلام عديدة لكوروساوا تتمفصل حول الجريمة، أو أنّها تُختَتَمُ بجريمة. فأحداث شريط راشومون تدور كما أسلفنا حول مقتل ساموراي، وفي «الكلب المسعور»، سرعان ما تحوّل السّارق إلى قاتل. أمّا بطل «الملاك النّشوان»، فقد قتل في المشهد الختاميّ. وثمّة في هذا الشّريط شخصيّتان رئيسيّتان، ماتسوناغا والدّكتور سانادا. كان ماتسوناغا رئيس عصابة من المتشرّدين، وذات يوم طفا غريمه أوكادا على السّطح. ويروي الشّريط كيف فقد ماتسوناغا شيئا فشيئا كلّ العلامات الظّاهرة لسلطته لصالح أوكادا. ولم يقبل ماتسوناغا بالطّبع هذا الامتهان لشخصه، وبدأ يفكّر في طريقة للتخلّص من خصمه، فكانت المواجهة التي طالما كانت منتظرة بين قاطعيْ الطّريق في اللّقطة الختاميّة. لقد مضى ماتسوناغا لقتل أوكادا، ومستفيدا من عامل المفاجأة كاد يقتله، حين انتابته فجأة نوبة سعال، وترنّح لحين، والدّم يتدفّق من فمه. هكذا.. غدا أوكادا متمكّنا من خصمه وأجهز عليه دون شفقة. وفي محاولة أخيرة.. زحف ماتسوناغا نحو الباب، ثمّ.. إنهار. لقد استعاد أوكادا نفوذه، ولكن كان عليه أن يقتل من أجل ذلك. و لا بدّ من الإشارة إلى أنّ أبطال أفلام كوروساوا يكون مآلهم دوما القتل، ولنا أن تتساءل إن لم يكن مردّ ذلك، أنّ الأمل قد غدا مستحيلا في عالمنا الرّاهن، هذا العالم الذي لا تني تستشري فيه الجريمة. ففي «السّفلة يرقدون بسلام» و«قصر العنكبوت» و«كاغاموشا» و«رانْ»، يتبيّن أنّ الجريمة والحرب هي التي تسمح في كلّ الحالات، إمّا بفتح الطّريق إلى السّلطة، أو لضمان دوامها. معلّم كبير «غالباً ما ينتج كبار السّينمائيّين رائعة كبرى تضمن لهم الصّيت والانتشار، أمّا كوروساوا فقد أنتج ثمانية أو تسعة من تلك الرّوائع. إنّه بحقّ واحد من الاثنين أو الثلاثة المعلّمين الكبار في تاريخ السّينما المعاصرة». فرانسيس فورد كوبّولا شخصياتي تتحدّث عني أنا صانع أفلام، والأفلام هي وسيلتي الوحيدة للتّعبير، فكيف يعرفني الآخرون، لا أرى وسيلة أخرى متاحة لهم، غير ترصّد شخصيّات الأفلام التي أصنعها. وإن كان من الصّعب على الإنسان التحدّث عن نفسه بكامل الصّدق والأمانة، فستكون الصّعوبة مضاعفة للإفلات من الحقيقة، حين يتقمّص هذا الإنسان شخصيّة غير شخصيّته. هكذا سيكون أقدر، وبشكل مباشر، على الإفصاح عن حقيقة كينونته. كوروساوا تراجيدية القدر الإنساني الزّيف والمراوغة، الجريمة والفساد، التفسّخ الجسدي والانحدار الأخلاقي: لا يحمل كوروساوا أيّة أوهام عن عاهات المجتمع الحديث، وهو الذي يعرف كيف يكشف عمّا يسهم في بؤس الإنسان وتعاسته. وما يشكّل في نظره تراجيديّة القدر الإنسانيّ في زمننا الرّاهن.