د. العادل خضر في سلسلة أفلام «حرب النّجوم» الّتي بلغت حلقاتها ستّاً إلى حدّ الآن، وابتدعها جميعاً المخرج (جورج لوكاس Georges Lucas) سنة 1977، كانت الحرب دائرة في مجرّة بين فرسان جادي وأسياد السّيث السّود، وكلاهما كان منجذباً إلى قوّة، أو حقل طاقة عجيب، بواسطته يتمتّع كلّ فريق منهم بقوى نفسيّة خارقة، إلاّ أنّ فرسان الجادي كانوا يتحكّمون في الجانب النّورانيّ من تلك القوّة، ويستخدمون فضائلها لخدمة السّلم داخل المجرّة. أمّا السّادة السّيث فكانوا يستخدمون جانبها المظلم وما يحويه من قوى مدمّرة لمصلحتهم الخاصّة قصد الهيمنة على المجرّة. وقد استمرّت هذه الحرب طوال أجيال متلاحقة محافظة في كلّ حلقة من حلقات «حرب النّجوم» على نفس العالم العجائبي الممتزج بالكثير من الخيال العلميّ، امتزاجاً نهض على خلفيّة التّصوّر الإمبريالي الحديث للحرب. فلم يعد رهان الحروب اليوم هو الانتصار على العدوّ واحتلاله، وإنّما أصبح رهانُها اكتساحَ العالم، وتدميرَ أسباب وجوده بأسلحة الدّمار الشّامل، باسم سلم دائمة مستحيلة. بريد السماء مثل هذه الحرب الّتي تدور رحاها في السّماوات البعيدة لا يشعر إزاءها المتفرّج المسلم بأنّها غريبة عنه، ففي موسوعته الثّقافيّة الثّريّة بما يعرف من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» يجد في مخياله القديم والجديد ما يوازي الكائنات الموجودة في عوالم «حرب النّجوم» ويفوقها كثرة وعدداً. فالسّماوات في ثقافة المسلم ما زالت إلى اليوم عامرة بسكّان من الجنّ والمردة والشّياطين والملائكة، في حرب لا تكاد رحاها تتوقّف. يكفي أن نلمح في اللّيل النيازك الحارقة وهي تمرّ في الظّلام بسرعة فائقة حتّى نؤوّل ما رأته عيوننا المنبهرة بأنّها شهب قد أصابت مقتلاً من جنّيّ أو مارد كان يسترق السّمع ويتنسّم أخبار السّماء ويحاول الاطّلاع على أسرار الغيب. ذلك أنّ قطب النّزاع و«الصّراع الطّبقيّ» بين طبقات الجنّ ومراتب الملائكة إنّما هو دائر منذ خلق الكون على السّيطرة الكاملة والهيمنة المطلقة على طرق النّقل والتّنقّل، وقنوات الاتّصال، وإدارة الرّسائل ومصادر الأخبار، فالملائكة ليست مجرّد كائنات سماويّة، فهي تتحدّد قبل كلّ شيء بوظائفها المتعدّدة الّتي ضبطت في علوم الملائكة angélologie. ولعلّ أبرز هذه الوظائف هي نقل الرّسائل. فلفظ «الملاك» يعني في اللّسان العربي حامل الرّسالة، وأحياناً يكون الرّسالة ذاتها. فالملاك هو الرّسول الّذي يحمل الرّسائل وينقلها. فهو الشّكل السّماوي للبريد. ولكن ما البريد؟ يكفي أن نفتح لسان العرب، ونقرأ بعض ما جاء في لفظ «البريد» حتّى نقف على حقيقة تبدو من تحصيل الحاصل، أو من البديهيّات، وهي أنّ الرّسائل لا تُرسِل نفسها بنفسها، فهي تحتاج دائماً إلى من ينقلها، لأنّها لا تبلغ مقصدها دون حامل يحملها، يقطع بها الطّريق، ويطويها طيّاً، إلى أن تبلغ صاحبها أو صاحبتها. فبين كاتب الرّسالة وقارئها، وبين «من أَرْسَل» و«من أُرْسِل إليه» سلسلة من الوساطات والوسائط تؤكّد لنا ما ذهب إليه أبو الميديولوجيا (مارشال ماك لوان Marshall Mc Luhan) لمّا قال: «الرّسالة الحقّ، إنّما هي الوسيط ذاته»، وليس وسيط الرّسالة سوى بريدِها. فعمل الإرسال ذاته يعبّر عنه بفعل «بَرَدَ». فـ«بَرَدَ بَرِيداً أَرسله». وما بريد الرّسالة إلاّ «الرُّسُل على دوابِّ البريد». فـ«البَرِيد الرّسول»، أي حامل الرّسالة. والبريد أيضاً «سِكَكُ البرِيد، كلّ سكّة منها اثنا عشر ميلاً». فالبريد بهذا المعنى هو اسم الطّريق بما هو فضاء التّنقّل والنّقل، بل هو المسافة الّتي تقطعها الدّوابّ الّتي يمتطيها الرّسول، وتسمّى أيضاً «البرِيد». فقد سُمِّيَت «المسافة الّتي بين السّكّتين بريداً». أمّا الدّابّة الّتي يمتطيها الرّسول فيطلق عليها اسم البريد أيضاً: «وقيل لدابّة البريد بَريدٌ، لسيره في البريد». وأصل الكلمة فارسيّة «أَصلها «بريده دم»، أَي محذوف الذَّنَب، لأَنّ بغال البريد كانت محذوفة الأَذناب كالعلامة لها». فلفظ «البريد» اسم جامع يطلق على الرّسول، حامل الرّسالة، ويطلق أيضاً على الدّابة الّتي تحمل الرّسول، ويجري على الطّريق الّتي كانت الدّوابّ تسير فيها، وتُسمّى سكك البريد، وكانت تُقاس بالفراسخ والأميال. ويمكن أن نعتبر البريد حلقة وسطى من تطوّر شبكات التّواصل، بها أصبح التّواصل أرضيّاً خفيفاً سريعاً عابراً للأمكنة بعد أن كان في الأصل سماويّاً في سياق اللاّهوت التّوحيديّ. فإن استحضرنا لفظ «الملاك» في اللّسانين العربيّ والإغريقيّ وجدنا أنّه ليس ببعيد عن سياق البريد والرّسائل. فالبريد هو الرّسول، حامل الرّسائل، تماماً كالملاك، فهو بدوره حامل الرّسالة وأحياناً يكون الرّسالة ذاتها. فأصل مَلَك هو «مَأْلَك»، وقد أُخذ من لفظ «الألوكة»، وهي الرّسالة، بينما تعني كلمة Ange، المنحدرة من اللّفظ الإغريقيّ angelos، الرّسولَ أو حاملَ الرّسالة messager. ويبدو من تقارب معاني لفظي «الرّسول» و«الملاك» أنّ جسد البريد وحامله المادّيّ قد تغيّر. فبعد أن كان في سياق التّوحيد كائناً سماويّاً مفارقاً للحسّ، آتياً من فوق العالم، ينزل بألواح القانون والكتاب المبين والآيات البيّنات، صار في زمن «المسالك والممالك» والإمبراطوريات، جسداً بشريّاً، يطوي الأرض بسرعة الدّوابّ الّتي كان يمتطيها، قبل أن يستبدل في زمن المطابع بطابع البريد، بقطعة من ورق، صغيرة الحجم، خفيفة الوزن، لا تعترف بالحدود الجغرافية ولا بالمسافات، ولا بالأزمنة، ولا بالحيطان والأسوار المنيعة، ولا بالأبواب والبوّابات. إنّه يمرّ دائماً، كمفتاح سحريّ يفتح كلّ المغاليق ولا تقاومه أبداً المراتيج. فمجرّد ظهور طابع البريد يعني أنّ جسد «الملاك» و«الرّسول» قد تغيّر، مذكّراً إيّانا بأنّ الملائكة ما انفكّت منذ غابر الدّهور ترسم خرائط سكننا، وشبكات كوننا الجديد. حرب رسائل أمّا الشّيطان فهو نقيض الملاك، يمنع الرّسائل من بلوغ مقصدها إمّا بتحريفها أو جعلها تصل على نحو مشوّه. فالحرب بين الملائكة والشّياطين موضوعها رسائل السّماء الموجّهة إلى الأرض وضمان وصولها بالهيمنة على قنوات الاتصال ومسالك الأخبار. هذه الهيمنة تتوسّل بفنّ الحرب، حتّى لا يَفتح أختامَ الرّسائل أحد. ولأجل ذلك كانت مسالك السّماء محروسة مرصودة كلّ من حاول من الجنّ أو المردة والشّياطين أن يسترق السّمع، أو يختطف رسالة من الرّسالة، أصابه شهاب ثاقب من الشّهب، ونجد في سورة الصّافات بعض الآيات الّتي تصوّر صرامة الرّقابة المشدّدة على كلّ من رام أن يتسمّع. فقد جاء فيها: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ، وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ، لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ، إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ»، (سورة الصّافات، 6-10). وعلى هذا النّحو يتّضح الفرق بين كائنات «حرب النّجوم» الّتي ابتدعها الخيال الفنّيّ المعاصر، وكائنات «عوالم السّماء» الّتي صُوّرت في آيات عديدة من القرآن، فالحرب الحديثة إمبريالية توسّعيّة أصبحت فيها المعرفة العلميّة سلاحاً فتّاكاً مستخدماً لغايات التّوسّع المستمرّ. وهو توسّع واسع النّطاق يتحقّق دائما بوساطة حرب إبادة شاملة ما فتئت تتكرّر بنفس الطّريقة والأسلوب كلّما تنقّلت آلتها الرّهيبة واكتشفت مكاناً جديداً من كوكبنا الأرضيّ تكمن فيه الطّاقة. وإذا علمنا أنّ الحرب الحديثة تستعمل أعظم وسائل التقاط الرّسائل بالرّادارات، خاصّة شبكة «إيشلون»، «Echelon»، للتّجسّس (وقد تأسّست سنة 1947، في سياق الحرب الباردة بمشاركة بعض الدّول كالولايات المتّحدة وبريطانيا وأستراليا، بغاية رصد كلّ الإرساليات الّتي تبثّ وتتنقّل على كامل كوكب الأرض)، وجب أن نفهم من هذه المعطيات أنّه كلّما اتّسعت رقعة الحرب، فأصبحت كوكبيّة مُعَوْلمة، تغيّرت آلتها الحربيّة ووسائلها القتاليّة، غير أنّ رهانها الأكبر يظلّ دائماً الهيمنة المطلقة على كوكب الأرض بكلّ ما فيه. إنّ الحرب القديمة سواء أكانت تدور رحاها في الأرض أم في السّماء، إنّما هي حرب من أجل السّيطرة على الطّرقات ووسائل الاتّصال ومنابع الرّسائل والأخبار، ولذلك كلّما كانت المعرفة بـ«المسالك والممالك» وبشعابها وجغرافيتها دقيقة كانت أجهزة الدّولة تعمل على نحو ناجع، وكلّما ضعفت سيطرتها المعرفيّة بالمكان تهافتت سيطرتها السّياسيّة أيضاً. ولا تعوزنا الأمثلة التّاريخيّة. فقد بيّن مارشال ماك لوان أنّ ازدهار المدينة الأقصى كان يُرافقه إِحكام عظيم لجهاز الكتابة، والكتابة الصّوتيّة بصفة خاصّة، وبفضل هذه الوسيلة تمكّنت روما من أن تفرض على مناطق قبليّة كثيرة ضرباً من النّظام البصريّ الموحّد. وقد ساهمت الطّريق الرّومانيّة وسبلها ذات الشّكل الواحد المتكرّر في كلّ نواحي الإمبراطوريّة وأصقاعها من إحكام تلك الهيمنة. ولمّا خسرت روما مصر نضبت المصادر الّتي كانت تزوّدها بورق البرديّ، فانقطعت في الآن نفسه الطّرق الّتي كانت تفضي إليها، ومن جرّاء ذلك تهافتت البيروقراطيّة الرّومانيّة وتهاوى معها تنظيمها العسكريّ. تأويل... إذا اتّضح الفرق بين «حرب النّجوم» الحديثة و«حرب البريد» القديمة أمكننا أن نتأوّل مسألة «استراق السّمع» الّتي ورد ذكرها في القرآن الكريم على نحو وسائطيّ ميديولوجيّ، واعتبارها مسألة تتعلّق بالهيمنة على وسائل الاتّصال ومصادر البثّ وإرسال الرّسائل، ولكن قبل أن نتقدّم قليلا في هذه القراءة الميديولوجيّة وجب أن نتساءل: هل يجوز لنا تخريج مسألة «استراق السّمع» على أنّها حرب شبيهة إلى حدّ مّا بحرب النّجوم؟ لفهم هذه المسألة بعمق ينبغي أن نستحضر خلفيتها التّاريخيّة، فجذورها ترجع إلى بدايات الدّعوة المحمّديّة لمّا واجه الرّسول قضيّة شائكة جدّاً، في المرحلة المكيّة من دعوته، تعلّقت بأصل رسالته وفصلها، أي بجنيالوجيا الوحي: أهو وحي شيطانيّ أم ملائكيّ؟ ونجد آثار هذه القضيّة في الكثير من آيات هذه المرحلة من الإسلام المبكّر. وهي آيات قد وُسمت ببعد احتجاجيّ سجاليّ عنيف (بالمعنى الحربيّ للفظ السّجال)، فكلّما كان التّكذيب حادّاً حين يُرجِع «الكفّار» أصل الوحي القرآنيّ إلى مصدر شيطانيّ، كان الرّدّ عنيفاً، وكان تكذيب التّكذيب أعنف وأشدّ. وتظهر هذه الحرب السّجاليّة في الكثير من الآيات القرآنيّة في الفترة المكّيّة كلّما فقدت الرّسالة المحمّديّة عند خصومها مصداقيتها وصدقها. وتدل على ذلك الآيات الّتي كُذِّب فيها الرّسول، واعتبرت أقواله مستمدّة من صحف قديمة تُتْلى عليه، فرُمي تارة بالسّحر: «وَقَالَ اَلْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ» (سورة ص، الآية4)، وطوراً بالجنون: «إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِين»، (المؤمنون، 25)، «وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلْجِنَّةِ نَسَبًا»، (الصّافات، 158)، فكان الرّدّ القرآنيّ حاسماً في هذه المسألة مذكّراً بأنّ الرّسول ليس بمجنون: «مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ» (القلم، 2)، ولا بكاهن: «فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ»، (الطّور، 29)، ولا بشاعر: «بَلْ قَالُوا أَضْغَاثَ أَحْلاَمٍ بَل افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ»، (الأنبياء، 21)، «وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ»، (الحاقة، 69)، معتبرا تكذيب القرشيّين كتكذيب الأمم الغابرة لمّا «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ»، (القمر، 9). ولم يحظ الوحي القرآنيّ وآياته بإيمان النّاس في صدقه وتضمّنه للحقّ والحقيقة، في تلك الفترة البعيدة من الإسلام المبكّر، إلاّ لمّا توفّرت شروط الاعتقاد، أو الشّروط الضّروريّة المحقّقة للاعتقاد، لعلّ أهمّها اعتراف الجماعة الإسلاميّة الأولى (من المهاجرين والأنصار) بفحوى الخطاب وسماعها له. فأن تكون الكلمة مسموعة يعني اكتسابَ الخطاب، أيّ خطابٍ، التّسويغَ الشّرعيَّ المستمدّ من اعتراف الجماعة به، وإصغائها إليه وإيمانها بمضمونه. ولم يتحقّق هذا الاعترافُ بمضمون القرآن الكريم الجذّاب وببيانه السّاحر فحسب، وإنّما بوسائل متنوّعة لعلّ أبرزها انتقال الحرب الّتي دارت بين الرّسول ومكذّبي الرّسالة من الأرض إلى السّماء، ويعني هذا الانتقال أنّ مجال الحرب قد تغيّر، وتغيّرت وسائله أيضاً، فالسّجال السّياسيّ الّذي كان يتوسّل بالبيان وإعجاز آيات القرآن قد تواصل في السّماء بوسائل حربيّة. ويذكّرنا هذا الانتقال بقول (كارل فون كلاوزفيتس Carl Von Clausevitz)، أحد كبار المنظّرين لفنّ الحرب، لمّا عرّفها، بهذه العبارة الشّهيرة: «الحرب هي مواصلة للسّياسة بوسائل أخرى». إنّ هذا الانتقال من الأرض إلى السّماء كان حاسماً، بل كان رائعاً من منظور حربيّ، لأنّه بيّن أنّ القوى الّتي تسيطر على رسائل السّماء هي قوى ملائكيّة لا شيطانيّة، وهي تستمدّ هيمنتها من قربها الشّديد من مصدرها الرّبّانيّ. وقد صوّرت هذه الهيمنة على قنوات الاتّصال وإدارة الرّسائل بوسائل حربيّة. في هذا السّياق الحربيّ يمدّنا القرآن الكريم ببعض التّفاصيل، فقد جاء في بعض الآيات من سورة الجنّ «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا» (سورة الجنّ، 8-9). أمّا في سورة الحجر فنقرأ «لَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ، وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ، إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ» (سورة الحجر، 16-18). وفي تفسير هذه الآية يورد الطبري الرّواية التّالية: «تصعد الشّياطين أفواجاً تسترق السّمع، قال: فينفرد المارد منها فيعلو، فيُرمى بالشّهاب، فيصيب جبهته أو جنبه، أو حيث شاء الله منه، فيلتهب، فيأتي أصحابه وهو يلتهب، فيقول: إنّه كان من الأمر كذا وكذا، قال: فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة، فيزيدون عليه أضعافه من الكذب، فيخبرونهم به، فإذا رأوا شيئاً ممّا قالوا قد كان صدّقوهم بما جاؤوهم به من الكذب». الحُكْم.. علَّة الحرب ما الّذي ينبغي أن يستخلص من هذه الآيات وما جاء في تفسيرها؟ من منظور ميديولوجيّ، نقول: كلّما صعدنا إلى أعالي السّماوات امتنع الكلام واستحال. لا أحد يتكلّم في السّماء، فسكّان السّماء رسل وملائكة وُجدوا فقط لحمل الرّسائل لا لصنعها وابتداع خطابها. وبسبب ذلك لا تُفضّ أختام الرّسائل في السّماء. وكلّ من يسترق السّمع، فيسرق الرّسائل بالسّماع، أي بالتّصنّت والتّخبّر، إنّما يحاول فضّ ختم الرّسالة السّماويّة بوسائل أرضيّة. وكلّ من يحاول فضّ رسالة السّماء يُرجم كما جاء في القرآن الكريم، فالشّهب الّتي ترجم سرّاق الرّسائل باستراق السّمع دليل على استحالة التّخاطب. فالشّيطان، وهو في الأصل ملاك ملعون قد جرّد باللّعنة من وظائف النّقل وحمل الرّسائل، قد أصبح خارج النّظام الملائكيّ الّذي فصّلت علوم الملائكة القول في مراتبه ووظائفه. وهو بهذا اللّعن أصبح طفيليّاً (بالمعنى التّواصليّ للكلمة لا الأدبيّ)، أي ذاك الّذي يسعى إلى أن ينقلب إلى رسالة بعد أن كان وسيطها ورسولها. يطلق ميشال سير Michel Serres على الوسيط بصفة عامّة اسم «الطّفيليّ». وهو أنواع، ولكنّه يمثّل عنده هذا الثّالث Le tiers، أو الطّرف الثّالث، أو الثّالث المرفوع Le tiers exclu الّذي يمكن رفعه أو إقصاؤه دون أن يحدث في الوسيط تغيّراً جوهريّاً في طرق اشتغاله. ولكن لماذا كان رهان الصّراع بين سكّان السّماوات من ملائكة وشياطين هو الهيمنة على وسيط الإبلاغ والنّقل والإخبار وتقنياته؟ يعلّمنا ريجيس دوبريه أنْ ليست الغاية من الهيمنة على هذا الوسيط أو ذاك سوى إدارة الحكم، ذلك أنّ إحكام القبضة على «عصا الملك» يحتاج إلى «الحمل على الاعتقاد» بما أنّ الحكم، كما حدّده (هوبس Hobbes) هو: «الحمل على الاعتقاد، وأنّ الحمل على الاعتقاد يحتاج بدوره إلى «عصا البيان» ما دام الآخر لا يمكنه أن يؤمن، أو نحمله على الاعتقاد في ما نريد حمله على الاعتقاد فيه، إن لم ننقل إليه خبراً من الأخبار، وأنّ نقل الأخبار يحتاج إلى الإمساك بعصا أخرى هي «عصا التّرحال». فمن يحذق كيف تشقّ الطّريق يعرف جيّداً السّكك الّتي سيسلكها الحرف في رحيله السّماويّ والأرضيّ. تكوّن هذه العِصِيُّ الثّلاثة معاً مثلّثاً يعرف في مصطلحات الميديولوجيا بالمثلّث الوسائطيّ. وهو مثلّث ثابت الأضلاع لا تتغيّر منه سوى الصّور والأدوار الّتي جسّمته في التّاريخ كلّما أبدلت الثّقافة من ركائزها التّقنيّة، فسواء أكانت «عصا الملك» صولجاناً أم برلماناً فإنّ هذا الضّلع تشغله الدّولة بوصفها وسيط السّلطان، المهيمن الوحيد على قطب العنف وميتافيزيقا العنف. أمّا «عصا البيان» فهي الضّلع الّذي تشغله (الأنتلجنسيا - Intelligentsia بما هي المؤسّسة الّتي كان أفرادها يهيمنون دائماً بأسماء مختلفة (الكتّاب، رجال الدّين، المثقّفون...) على وسيط الإبلاغ والنّقل والإخبار. وأمّا «عصا التّرحال» فهي الطّريق. وقد وصفت بكونها وسيطاً غامضاً يصعب تحديدها، ولكنّها في كلّ الأحوال هي الفضاء الّذي تنتقل فيه البضائع وتعبره الرّسل والرّسائل. فهي باختصار وسيط الاتّصال. من ذلك أنّ الأفكار والرّسائل تحتاج قبل أن تستقرّ في الرّأس إلى أن تحمل على الظّهر، وهي إن كانت تقطع أميالاً وأميالاً قبل أن يكون لها أنصار وشيعة وأتباع فإنّها تحتاج إلى عُدّة تقنيّة من كتب وكتّاب، ووراقة وورّاقين، وأمكنة للتّدوين والتّوثيق والأرشفة والصّيانة والإيداع والتّخزين، وجماعات بشريّة تتنقّل بها أو تتّبع استراتيجيّات مخصوصة في الدّعاية والتّرويج، فمن السّاذج أن نتصوّر الأفكار تنتقل كالعدوى بين الأفراد، أو بالتّخاطر La télépathie، أو بأشكال أخرى من النّقل، لأنّ من شروط انتقالها من مكان إلى آخر هو أن تسمح الطّريق بحمل تلك الأفكار ونقلها، وبالطّريق تكتمل أضلاع المثلّث الوسائطيّ الثّابتة، وهي: الدّولة والأنتلجنسيا ووسائل الاتّصال. ولا تتغيّر صور هذا المثلّث في التّاريخ إلاّ إذا تغيّرت طرق اشتغاله. آية ذلك أنّ أدنى تحوير يطرأ على ضلع من أضلاع هذا المثلّث ينعكس تأثيره حتماً على الضّلعيْن الآخرين. فإذا ما حدثت على سبيل المثال ثورة في تقنيات النّقل كالانتقال من النّقل الشّفويّ الحيّ إلى النّقل الكتابي فإنّ ذلك يحدث ثورة في تاريخ أنتلجنسيا مّا وتحويراً عميقاً في طرائق اشتغال الدّولة. ويبدو أنّ المثلّث الوسائطيّ قد تغيّرت طرائق اشتغاله منذ الإسلام المبكّر لمّا انقلب السّجال العنيف بين الرّسول وخصومه في الأرض إلى حرب في السّماء بين الملائكة والشّياطين على تملّك وسائط النّقل إمّا بالوحي، أي بنقل رسالة السّماء إلى الأرض على نحو ملائكيّ، أو باستراق السّمع، أي بالتّجسّس وسرقة الرّسائل وخطفها على نحو شيطانيّ، غير أنّ الحاسم في «حرب البريد» هذه ليس ما جرى في السّماء بل ما وقع في الأرض وحدث. فمُستقبِل الرّسالة الأوّل، وهو نبيّ الإسلام، قد سجّل على نحو مبكّر وحي الإله في كتاب. ومعنى ذلك أنّ إله التّوحيد الإسلاميّ لم يمثّل في الصّنم على غرار آلهة العرب، وإنّما ظهر في حرف المصاحف المكتوب بفضل تقنيات الكتابة والكتاب، وبهذا الظّهور برزت حرب جديدة نسمّيها «حرب الخفيف والثّقيل»، فالكتابة وهي تقطع الإله عن الصّورة وتفصله عن الوثن، إنّما تُجرّد بذاك الفصل «الإلهي» من كلّ تجسّد فتصنع تعاليه، وتنتزعه في الآن نفسه من مجاله انتزاعاً، وتقلبه إلى إله بعيد وغير مرئيّ لا تدركه الأبصار، وعابر للأمكنة والأزمنة. تصور إمبريالي استمرّت هذه الحرب طوال أجيال متلاحقة محافظة في كلّ حلقة من حلقات «حرب النّجوم» على نفس العالم العجائبي الممتزج بالكثير من الخيال العلميّ، امتزاجاً نهض على خلفيّة التّصوّر الإمبريالي الحديث للحرب. فلم يعد رهان الحروب اليوم هو الانتصار على العدوّ واحتلاله، وإنّما أصبح رهانُها اكتساحَ العالم، وتدميرَ أسباب وجوده بأسلحة الدّمار الشّامل، باسم سلم دائم مستحيل. سجال لم يتحقّق هذا الاعترافُ بمضمون القرآن الكريم الجذّاب وببيانه السّاحر فحسب، وإنّما بوسائل متنوّعة لعلّ أبرزها انتقال الحرب الّتي دارت بين الرّسول ومكذّبي الرّسالة من الأرض إلى السّماء. ويعني هذا الانتقال أنّ مجال الحرب قد تغيّر، وتغيّرت وسائله أيضاً. فالسّجال السّياسيّ الّذي كان يتوسّل بالبيان وإعجاز آيات القرآن قد تواصل في السّماء بوسائل حربيّة. ويذكّرنا هذا الانتقال بقول (كارل فون كلاوزفيتس Carl Von Clausevitz)، أحد كبار المنظّرين لفنّ الحرب، لمّا عرّفها، بهذه العبارة الشّهيرة: «الحرب هي مواصلة للسّياسة بوسائل أخرى».