الاتحاد

تقارير

صناعة السيارات.. تنافُس التقليدية والفائقة!

منذ أن استولت على خيال الجمهور السياراتُ ذاتية القيادة وبرامج سيارات الأجرة التي ابتكرها وادي السيليكون، بات من الوارد أيضاً احتمال نشوب معركة بين قطاع صناعة السيارات التقليدية وقطاعات التكنولوجيا المتقدمة. وبعد الجولات الأولى من السجال الكلامي وضخ استثمارات بمليارات الدولارات، تظهر علامات تشير إلى أن الصراع بين صناعة السيارات المعروف تركزها عادة في ديترويت من جهة، والصناعات فائقة التقدم المتركزة هي أيضاً في وادي السيليكون من جهة أخرى، ليس أيضاً صراعاً محتوماً.
وكانت شركة «تيسلا» تعتبر ذات يوم شعاراً لطموح بلا حدود، وشركة متقدمة تكنولوجيّاً وقادرة على تعطيل صناعة السيارات التقليدية التي يمتد عمرها لقرن من الزمن، ولكن تجربة «تيسلا» أثبتت أيضاً أن صناعة السيارات ليست قطاعاً من المغفلين يمكن أن تطيح به شركة ناشئة، وعلى رغم أن أولى هجمات وادي السيليكون على صناعة السيارات التقليدية تسببت في ندوب لا يمكن محوها.. وبعد أن ثبت أن السيارات الكهربائية يمكنها أن تكون قوية ومثيرة للإلهام وقادرة على قطع رحلات على طرق طويلة، منعت الرؤية الطموح لعلامة «تيسلا» التجارية من استغلال الفرصة الحقيقية للسيارات الكهربائية، وهي إنتاج سيارات ميسورة السعر تقطع مسافات قصيرة.
والآن فالصين أكبر سوق عالمية للسيارات الكهربائية حيث معظم السيارات التي تباع فيها قليلة التكلفة وقصيرة المدى، وفي المقابل فقد كبح «إيلون ماسك»، الرئيس التنفيذي لـ«تيسلا»، تحول شركته بقيم تحفز انتقالاً لا تستطيع حالياً أن تستثمره، متعهداً بأن «تيسلا» لن تنتج أبداً سيارات بطيئة قصيرة المدى، وكانت أيضاً شركة «أوبر» في نفس القارب ولكن على النقيض، إذ يبدو أنها قد رفعت قيادتها عن كاهلها عبء الطموح غير الواقعي، وبدلاً من محاولة رفع قيمها النظرية باستمرار عن طريق التعهد بالسيطرة على سوق السيارات ذاتية القيادة والسيارات الطائرة وكل تكنولوجيا متقدمة أخرى جديدة في هذا القطاع، تركز «أوبر» الآن على استغلال عناصر قوتها الأساسية بدعوة شركاء آخرين لاستغلال منصتها الهائلة القائمة على البرامج التطبيقية.
وذكرت تقارير أن «أوبر» وافقت على الشراكة مع قسم «كروز» في شركة «جنرال موتورز» في تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة، كما أدركت «أوبر» فيما يبدو أنها لن تنفذ بنفسها مسعى التاكسي الروبوتي.. و«أوبر» لا تحتاج فحسب إلى شريك يمكنه أن يتعامل مع عملية التصنيع، وإنما تحتاج أيضاً، مثل كثير من شركات التكنولوجيا الخالصة الأخرى، إلى المساعدة في الالتزام بمعايير السلامة المعقدة، وهو تحد متزايد لا يحظى بالقدر الملائم من الاهتمام.
وفي الولايات المتحدة، هناك مستوى آخر من قصر النظر في التحليلات بشأن مستقبل عملية الانتقال بالسيارات، وهو العجز عن إدراك أن هناك في العالم أكثر من ديترويت ووادي السيليكون.. وهناك استثمارات كبيرة من اللاعبين الأساسيين في آسيا قد يعجز كثير من الأميركيين -ومن بينهم خبراء- عن رؤيتها، فهناك شركتا «فوكسكون» و«أي. دي. جي. كابيتال» اللتان تتطلعان إلى جمع 1.5 مليار دولار لصندوق لتمويل التكنولوجيات المتقدمة في هذا المجال.. وفي الوقت نفسه رأت أيضاً شركة «بايدو» الصينية للتكنولوجيا الحاجة إلى التنوع في وقت سابق، وهي تكشف عن منصة طموح لانتقال بالسيارات ذاتية القيادة مفتوحة المصدر تطمح لأن تكون أندرويد النقل في المستقبل. وتقوم شركات التكنولوجيا الصينية العملاقة الأخرى ومنها «علي بابا» و«تنسنت» بمراهنات في عدد من الشركات الناشئة، وتقيم شراكات مع صناع سيارات عالميين وصينيين كبار.
ومن الصعب ألا نرى في هذه التطورات أموراً جيدة.. والمراحل المبكرة من دورة حياة نشاط الانتقال بالسيارات المدعوم بالتكنولوجيا ركزت على هدف العثور على لاعبين محتملين -على غرار جوجل وفيسبوك- يتطلعون للاستثمار في المستقبل.
و«أوبر» و«تيسلا» مثالان كلاسيكيان لهذه النوعية من الشركات التي قد يدفعها طموحها الجامح لبلوغ إنتاجيات فائقة التقدم إلى مستويات غير واقعية في الوقت الذي يراهن فيه مضاربون جدد آخرون في صناعة النقل على المستقبل المتخيل الذي يبدو فيه العالم الحقيقي مثل العالم الافتراضي، ويبدو أن من يعتقد أن شركة واحدة أو تكنولوجيا واحدة ستتحكم في مستقبل الانتقال في قطاع صناعة السيارات فربما يكون قد وقع في فقاعة اقتصادية من المؤكد تقريباً أنها ستنفجر.. وإذا أخذ المرء خطوة للخلف ونظر حول العالم، وعبر السلسلة الهائلة من التكنولوجيات المطلوبة لصنع السيارات ذاتية القيادة والانتقال بالسيارات بناء على طلب الزبون، سيجد أن لدى معظم اللاعبين في هذا القطاع مقاربة جديدة، أول مؤشراتها التنوع والميل لتشكيل تحالفات استراتيجية.

* كاتب متخصص في اقتصاد صناعة السيارات
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا