الاتحاد

دنيا

300 كاتب وصحيفة

قال لي صاحبي إن عدد كتاب المقالات الدوريين في الصحيفة وصل بعد إغلاق بعض الصحف في إحدى الدول العربية مؤخراً إلى نحو 300 كاتب. لقد حدثت طفرة على “صحيفتهم” وقام رئيس التحرير بتحويل كثير من المقالات اليومية إلى أسبوعية، وفتح صفحات رأي جديدة في محاولة لإرضاء طلبات الراغبين بالكتابة. وقال إن معظمهم من غير المهنيين، ومن خارج صنعة الكتابة والصحافة على حد سواء.
قال صاحبي إنه يفضل التقاعد من عمله في الصحيفة ويفكر بالتوقف عن كتابة مقاله الدوري لأسباب عديدة، فالتمييز أصبح صعباً، والكتابة لم تعد تؤدي غرضها وسط زحمة “الهواة” وكثير ممن يهمهم الإشادة بصاحب أو النيل من آخر، أو إيصال إشارات “شخصية” أو طمعاً بلقب كاتب ومثقف، أو مساع أحد جلساء المساء يقول له على مسمع الآخرين بأنه قرأ مقاله اليوم.
وصاحبي غاضب جداً فهو من القلائل الذين تفرغوا للمهنة في بلده بينما معظم “الهواة” على ما يقول ليسوا بحاجة لوجاهة ولا لمكافأة، ومنهم من يستطيع إصدار صحيفة وفتح تلفزيون وأكثر. وسبق وحصل ويحصل بالفعل، مع أن أولوية بعض “الناشرين” الجدد هي تصفية حساب، أو خلاف مع غريم له، أو “التكتكة” سعياً إلى أحد المناصب ومن غير المهم بعدها إذا أقفلت الصحيفة وسُرّح الصحفيون والعمال ولو بعد أشهر.
مثل هذا الواقع يًوجع أهل القلم والمهنة. لكني لم أتفهم غضب صاحبي إلا كحالة تعبير عن واقع عام يسود منذ سنوات طويلة، فإشكالية كتّاب “المقالات” في الصحف أكبر من موضوع طفرة الهواة (ومنهم من بز أهل الاختصاص). هي تتعلق أكثر بعوامل موضوعية نالت من سحر الكتابة الذي كان في الصحف لبعض الوقت. قال لي صاحبي إن واحداً من الكتّاب الهواة المستجدين رئيسٌ لمجلس إدارة إحدى الشركات الناجحة في السوق، وقد جاءه مؤخراً شاكياً وطالباً التوسط لأن مسؤول قسم المقالات رفض أن يتسّلم منه ظرفاً فيه مقالات لثلاثة أشهر قادمة هي مدة عطلته الصيفية التي تبدأ قريباً. وهكذا كان! لقد تراجع دور المقال وتراجع مستواه وأثره لأسباب منهجية لا تتعلق بالهواة فقط، بل بأحوال المهنة عموماً وبمعايير الكتابة التي تستحق النشر الصحفي وبأولويات دور الإعلام في السياق الاجتماعي والاقتصادي، خاصة دور الرقابة والمساهمة في تطوير الحياة العامة. لقد تراجعت وتبدّلت أحوال المهنة لأسباب تكنولوجية وثقافية واقتصادية وسياسية وغيرها، ومعها تنافست “الأسعار” نزولاً وهو أمر بدأت ألمسه قبل أن أقرر منذ أكثر من عشر سنوات هجر التفرغ للمهنة والبقاء على تخومها مفضلاً حقل الاستشارات والأبحاث والمراقبة، ومتردداً في قبول أي عرض بتفرغ جديد.
ومع هذا التبدل “العام” كان طبيعياً أن يكثر المشتغلون بالمهنة وتنخفض قيمة المهنيين لدرجة، قد يصعب على كثير منهم التمتع بعطلتهم الصيفية، ومنهم من يبقى لصيقاً بها وبأوجاعها ومتعة الكتابة حتى الإدمان حتى ولو سافر، فهؤلاء لا يفوّتون حرارة الظرف وتوقيت النشر.
كان الزميل العزيز سهيل عبود، على الرغم من مرضه، يصرّ على البقاء في مكتبه في الصحيفة، ويقضي القيلولة فيه ويؤجل أحيانا حقه في العطلة. وعندما كنت أعكف على كتابة هذه الأسطر (السبت الفائت) اتصل بي صاحبي الذي يريد التقاعد من المهنة وأبلغني بأن سهيل قد فارق الحياة وعُثر عليه صباحاً وحيداً في شقته، بعد أن طرق المُمرِّض الذي يمرّ عليه يومياً بابه ولم يجبه أحد. توفي سهيل بعيداً عن بلده وصحافة بلده الذي كان واحداً من أبنائها الملتزمين أيام “الحرب والنضال”. ولم يعد بوسعي التفكير. والتوضيح أكثر.


د. الياس البراج | Barragdr@hotmail.com

اقرأ أيضا