الاتحاد

ثقافة

كيف تضع العالم أجمع في أغنية ؟!

كيف تضع العالم أجمع في أغنية ؟!

كيف تضع العالم أجمع في أغنية ؟!

نوف الموسى (دبي)

يختلفُ الكتّاب وأصحاب دور النشر وجمهور القُراء، في المفارقة الشاسعة بين مفهوم «معرض الكتاب» ومعنى أن تجلس في «مكتبة»، إنه الاختلاف في التجربة بالتأكيد، ولكن بالتأمل اللطيف بينهما يكاد يشعر المرء بأن المسألة محض امتداد بين حالة وأخرى. بين أن تشتري كتاباً، وأن تقبع في هدوء تام لقراءته. ولكن ماذا لو أصبحت مأسوراً بجمال فعل القراءة عليك، فلا يُصبح هناك فرق أو حتى مسافة بينك وبين الرحلة في أرجاء «معرض الشارقة الدولي للكتاب»؟ ماذا لو فتحت الكتب وسمعت صوتاً يهمس بموسيقى قادمة من أفق شاسع، هل كنت ستعتقد بأنك قارئ مجنون، بدأت أذنه بالهذيان من فرط صمت القراءة وتأثيرها على الحس، أم ستصدق ما أشار إليه الموسيقي العالمي بوب ديلان، الحائز جائزة نوبل للآداب 2016، حول أنه لا يذكر متى خطر له أن يكتب أغنياته الخاصة، قائلاً: «ترغب أحياناً في القيام بأمرٍ ما على طريقتك الخاصة، تريد أن ترى بنفسك ما يقبع وراء الستارة الضبابية». جميعنا نتذكر الجدل الهائل الذي أحدثه اختيار شخصية موسيقية لجائزة أدبية، هل لأنه أصدر أسطوانة كاملة مستوحاة من قصص تشيخوف، وهو بنفسه من سأل عن الرابط بين الأغاني والأدب، عندما وصله خبر نيله للجائزة.

أخبار الأيام
كان كتاب «أخبار الأيّام» لـ«بوب ديلان»، القادم بدعم من مبادرة 1001 عنوان، ضمن إصدارات «روايات» وهي إحدى شركات مجموعة «كلمات» في إمارة الشارقة، طريقاً لتعميق الاكتشاف عن سبب اختياره ربما، كونه كتاب مذكرات يوحي بسيرة ذاتية، بالنسبة للقارئ فإن الأمر يتعدى المغزى الفكري أحياناً، بحثاً عن التقرب بتجاه النظرية الموسيقية، أي أن يسأل عن الإمكانية الوجودية في أنها جعلت من الوعي الإنساني قادراً على تجسيد الجمال بكل تناقضاته، يقول ديلان: «الأغاني الشعبيّة، هي وسيلتي لاستكشاف الكون، إنها صور، والصور تساوي أكثر من أي أمرٍ يمكنني قوله، كنت أعرف المكوّن الداخلي لذلك الشيء، كنت أستطيع الربط بين الأجزاء بسهولة»، وأضاف: «معظم الفنانين الآخرين كانوا يحاولون أن يقدموا أنفسهم هُم، أكثر من الأغنية، لكنني لم آبه لفعل ذلك. بالنسبة لي، كان جوهر الأمر يتمثل في تقديم الأغنية».
الأمر لدى ديلان يجعلك تُفكر في كيف يمكن أن تضع العالم في أغنية، أن تحول مسألة معرض الشارقة الدولي للكتاب، إلى حالة من الاستمرارية الأخاذة، أن تختزلها بمشهد شخص يقرأ في إحدى دور النشر، واقفاً على قدميه، ويناقش فعل أثر الكتاب على أنماط التفكير، وهو ما تحدثت عنه الناشرة الإماراتية إيمان بن شبية، مؤسسة دار سيل للنشر، إبان إطلاقها لعناوين جديدة لكتب الأطفال في المعرض: «بالنسبة لي هو عالم جديد، تسمع فيه حضوراً لعدة أصوات في الفضاء العام، صوت الوالدين يكاد يكون أوضح، فهم من يطلعونك بمسألة أن تكون القصة بخط سليم مع المحافظة على التشكيل الخاص بكل حرف»، بالنسبة لإيمان، إنه الوعي الذي لا يستلزم التهاون في التعاطي معه، كانت تجلس إيمان في وسط جناح الدار، أمامها كمبيوتر شخصي، حولها شابان صغيران، ينظمان الكتب ويرتبانها، وكأنهما ذرة في محيط ممتد على قاعات ضخمة، يتخلله صوت حركة الناس، تلك التي لولاها لما قُدر للقصيدة أن تتجلى، بأبعاد زمنية مختلفة، مستمرة إيمان في تأكيدها بأن هناك سوقاً ضخماً لأدب الطفل، تستطيع الجزم بأن الإقبال الأكثر سيكون عليه.
الحديث عن المكون الداخلي للأشياء والذي تحدث عنه بوب ديلان مسبقاً في كتابه، اتخذ قاعدة رئيسية للبحث عندما لفتت إيمان بن شيبة، أن إنتاجها لكتب الطفل جاء بالشراكة مع شركة إماراتية ناشئة تسمى «sxill Lab»، لا أدري كم المعرفة المجتمعية بجهود هذه المجموعة، التي تتبنى العمل التجريبي والمهني، وسط أمواج عاتية من التحولات المهولة في عالم الإبداع الأدبي، تقول إيمان بأنهم نشطون في إنتاج مجموعة متنوعة من المنتجات عبر ورش عمل مختلفة، من بينها كتب الأطفال، والعملية بالنسبة لهم مرتبطة بخلق منصة تربط الكاتب بالرسام، وأغلبهم إماراتيون، وتشعر بأنهم أقرب إلى الحس الداخلي للأشياء القريبة من المجتمع المحلي. والأمر برمته يتعلق بموضوع التحرك المجتمعي بنفسه، وهو دائماً يكون محط اهتمام، لأن العملية ذاتية وتحتمل دافعاً مرتبطاً بالأشخاص، لذلك فإن استمراريته لن ترتبط بأمور خارجية مثل الدعم المادي أو التوجه المؤسسي، وإنما بمدى رغبة هؤلاء الأشخاص في إحداث التأثير.

أسنان بيضاء
رواية «أسنان بيضاء» للروائية البريطانية زيدي سميث، كانت تتمطى بجسدها على منصة الكتب، بجانب كتاب «أخبار الأيام بوب ديلان»، في معرض الشارقة الدولي للكتاب، والتفكير في أن تفتح كتاباً معيناً قبل الآخر، مسألة قدرية فيها تبعات قائمة في بعض الأحيان على دعوات التحميص لكل ما هو غريب ويحاول الاقتراب، ويحدث هذا الأمر مع الأصدقاء واختيار الكتب كذلك. لذلك فإن الأشياء تحتاج عادة إلى وقت طويل، ويمكن إرجاع الأمر إلى التشبيه الذي قدمه بوب في كتابه عندما لمح حول ما قاله علماء الاجتماع عن التأثير السلبي للتلفزيون وقتها على مخيلة الصغار، هو كان يرى أنه حتى الأغنية القصيرة التي مدتها ثلاث دقائق لها نفس التأثير، ما جعله يقرأ الشعر بمغزى جوهري، كتب حول ذلك: «شرعت في ملء دماغي بكل أنواع القصائد العميقة».

المسرحية المشتهاة
في تلك اللحظة، جاءت فكرة أن السرعة في التجوال في معرض الكتب، لا تهدي ذلك القادم من بعيد هدأة النظر إلى الأشياء بعين ذاتها، وهو ما قد يجعل الكتاب أحياناً ينظرون للمعرض بشيء من الريبة، بأنه مكان لا يقدم تجربة كاملة لمعنى القراءة، ومنه جاءت المصادفة النوعية بالالتقاء مع الناقد المسرحي محمد سيد أحمد، في مقهى داخلي لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، جلسنا على طاولة جانبية، نشرب عصير برتقال، ونتساءل عن الجمهور النوعي في المعرض، وهل يمكن أن يُقدم المسرحيون الإماراتيون مسرحية نوعية ضمن البرنامج الثقافي، ألسنا نتحدث في نهاية الأمر عن البحث عن جمهور مختلف؟ أليس المعرض فرصة مهمة لذلك؟ كما أنها ستضفي لحظة الهدوء المرتكز على خلق علاقة دائمة بين الحالة الثقافية والمكان، بالمختصر أليس للعرض المسرحي تأثير في تجميد وهم الزمن، وتخفيف وطأة السرعة في المعرض؟
- «بالطبع بالطبع»، قالها محمد وهو ينظر إلى مجموعة روايات أدبية يتجهز لقراءاتها، مضيفاً: من المهم جداً الوعي بأن للمسرح تلك القدرة البديعة في جعل الحياة هادئة جداً، بحسب مفهومنا للزمن، عبر تمرير المشاهد بعمق عليك، وأنت جالس أمامها، قد لا تكون هادئة في ما تطرحه من موضوعات، ولكنها تمثل السكون في أن تجعلك تتوقف وتخفف من اللهاث السريع وتنظر للأشياء عبر سينوغرافيا وحس الممثل ورؤية مخرج.

اقرأ أيضا

فضاءات وأبعاد وأسئلة تحت سقف التجريب.. «فن أبوظبي» جدلية الحياة