الاتحاد

ثقافة

الفنون تغادر البرج العاجي!

 لا ريب أنّ الفنّ كان ولا يزال يؤثّث مساحات واسعة من الحياة الروحية والإبداعية للشعوب. ذلك أنّ شعباً بلا حياة إبداعية هو شعب بلا مستقبل. وإنّ ذاكرة أمّة ما لا يمكن كتابتها من دون حفظ ورعاية التراث الفني والحضاري الخاص بها. وهو ما أكّدته جمهرة من الفلاسفة القدامى والمحدثين من قبيل أرسطو الذي اعتبر «الشعر أسمى من التاريخ» أو هيغل الذي يذهب إلى أنّ «الشعوب القديمة قد أودعت في الأعمال الفنّية مقدّساتها»، أو من قبيل شيلينغ الذي يكتب أنّ «الفنّ هو الأورغانون الحقيقي والأبدي والوحيد، وهو الوثيقة الوحيدة للفلسفة في آن معاً»، أو من قبيل نيتشه الذي اعتبر «أنّ الحياة بلا موسيقى خطأ فادح» و«أنّنا لنا الفنّ كي لا تميتنا الحقيقة». وإضافة إلى ذلك نجد فلاسفة معاصرين من قبيل هيدغر الذي يجعل من «سكن العالم شعراً» شعاراً لفلسفته، وغادامار الذي يعتبر أنّ «الأدب يقرّب العالم منّا» ويجعلنا «في ألفة معه» بعدما اهتزّت علاقتنا بالأشياء وصار العالم في حضارة السوق إلى ركام بارد من البضاعة.

أمّا طوني نيغري فهو يعتبر أنّ «الفنّ مطالب بتحصين العالم من السقوط في الفراغ». فراغ الكينونة من المعنى بعد سقوط العالم المعاصر في وحشة الفرد الاستهلاكي وتصحّر قيم الروح في سوق معولم صار إلى ضرب من القحط الأنطولوجي المعمّم، ما جعل الإنسان اليوم مهدّداً بمجتمعات الهشاشة والاكتئاب التي وقع توصيفها تحت راية «مجتمعات المخاطر» أو «المجتمعات السائلة» بعبارة مثيرة لزيغمونت باومان. لكن من أجل أن يصير الفنّ قادراً على إنقاذ الأفراد من عصر العياء الروحي وإنهاك الذوق الجمالي، وقعت تحوّلات جمالية عميقة صلب هذا الحقل الإبداعي جعلته يتحوّل من مجال حكر على النخبة من فنانين ونبلاء وأمراء، إلى جماهير واسعة لمواطنين أحرار يشتركون جميعاً في القدرة على تذوّق الجميل وتحويله إلى حقل لاختراع القيم الجمالية والفنية المناسبة.

علاقة الفن بالجمهور
سوف يشتغل هذا المقال على التأريخ لعلاقة الفن بالجمهور وذلك من خلال معالجة السؤالين التالييين: أوّلاً ما الذي يسمح لنا بالقول بوجود تحوّل جمالي نقل الفنّ من باحة الكنائس والقصور إلى الفضاءات العمومية للحياة الحديثة؟ ثانياً ما هي التأويلات الفلسفية التي رافقت هذه التحوّلات من حيث المقولات التأسيسية والمشاكل الجديدة التي شكّلت تحدّياً أمام الفنّ والفنّانين عموماً؟
يجمع المؤرخون على أنّ عصر النهضة الإيطالية هو عصر ظهور استقلالية الفنّ وذلك بفضل الزخم الإبداعي الذي ظهر في مدن إيطاليا بخاصة فلورنسا وفينيسيا وميلان وروما، وذلك في القرن الخامس عشر الميلادي. وإنّ هذا الحدث أي استقلالية الفنّ عن الكنيسة هو الذي غيّر عميقاً من طبيعة العمل الفنّي ومن منزلة الفنّان ومن طبيعة الجمهور المتقبّل معاً، حيث وقع المرور من الحرفي إلى الفنّان، وذلك بظهور سوق الفنّ والقطع مع العمل الحرفي الذي كان فيه الفنّ صناعة لغاية منفعيّة أو دينية. وهنا نشير إلى أنّ عصر النهضة الأولى أي القرن الخامس عشر الذي ظهر في مدينة فلورنسا ثمّ في مدائن إيطاليا الأخرى وهو المسمى عصر «الكاتروسانتو»، هو العصر الذي ظهرت فيه حركة فنّية كثيفة تقطع مع الذوق البيزنطي الذي كان قد هيمن على كل أوروبا والذي عرف أوجه بإيطاليا بين سنة 527 و565 وكان يمزج بين التقليد الروماني والشرقي والمسيحي واشتهر بالفسيفساء التي استعملها الفنّ الإسلامي في تزيين المساجد والقصور.

ولقد ظهرت إذاً في عصر النهضة الأولى فكرة الفنّان الذي يوقّع أعماله الفنّية وذلك لأوّل مرّة كما كان يذكر ذلك المهندس المعماري للسور المركزي بمدينة ميلان والمنظّر لفنّ المعمار الإيطالي في عصر النهضة واسمه طونيو لو فيلراتو (1400-1469) الذي كان يطالب بضرورة أن يوقّع كل الفنّانين أعمالهم. وهو ما جعل كبار الفنّانين في ذلك العصر من قبيل ليوناردو دافنشي وميكائيل أنجلو يقتنعون بأنّهم مبدعون أحرار ولا يخضعون إلا لعبقريتهم الخاصة. تغيرت عميقاً إذاً منزلة الفنان بحيث يقبل دافنشي أن يكون المهندس الحربي الأوّل للأمير سيزار بورجيا (1475-1507)، ويلقب ميكائيل أنجلو بالإلهي، ويعامل الأمراء الفنّانين بوصفهم أسياداً ويجعلونهم يعيشون معهم في قصورهم من قبيل الرسّام المشهور رفائيل أو تيتيان. وفي هذا السياق الحضاري الزاخر بحياة إبداعية كثيفة يقع لأوّل مرّة التحوّل بالفنّ من النخبة إلى الجمهور، إذ ساعد هـذا التصوّر الجديد لماهية العمل الفني ولمنزلة الفنّان في المجتمع، على ولادة حياة فنّية جماهيرية متاحة لعموم الناس، لقد وقع تحرير الفنّ من الكنائس ومن قصور النبلاء بتأسيس قاعات للعرض وصالونات للفنّ مفتوحة لعموم الناس. وقد وقّع الأمراء الإيطاليون أنفسهم هذا التحوّل بتسمية قاعات عرض اللوحات والنحوتات الفنّية بالمتحف.
وهنا يظهر المتحف الحديث بوصفه مؤسسة مفتوحة على فكرة الجمهور بعد أن كان حكراً على النبلاء والأمراء. وفي الحقيقة أنّ تغيّراً تاريخياً عميقاً في فكرة المتحف قد ساعد كثيراً على تحوّل الفنّ إلى فضاء مباح لجميع الناس.

المتحف وتحولات التاريخ
يفيدنا تاريخ المتحف بأنّ أوّل متحف كان قد ظهر في الإسكندرية نحو 280 ق.م، وكان المتحف بمثابة المعبد المخصّص لحفظ ربّات الفنّ التسعة كما تفيد بذلك الأساطير القديمة، لكنّ ظهور قاعات العرض التي كانت في البداية حكراً على الفنانين والنبلاء، ثمّ صارت إلى معارض فنّية مفتوحة للعموم، هو الذي جعل ظهور المتحف الحديث ممكناً. وقد وقع إنجاز أوّل متحف حديث متاح للجمهور سنة 1683 وهو متحف الأشموليان بجامعة أكسفورد بلندن. وفي فرنسا ظهر أوّل متحف للعموم سنة 1694، ووقع فتح قصر لكسمبورغ في باريس للجمهور لمشاهدة التحف الفنية التي هي على ملكية ملوك فرنسا. ثمّ وقع تأسيس أوّل متحف بعد الثورة الفرنسية سنة 1793 وهو متحف اللوفر المشهور. وفي بداية القرن العشرين ظهرت متاحف الفن الحديث الخاصّة بالأعمال الفنّية لكبار الرسّامين والنحّاتين بحيث يقع تجاوز مؤسسة المتحف في طابعها التقليدي والمحافظ ويظهر متحف الفن الحديث حيث يقع عرض أعمال فنّانين أحياء من قبيل ماتيس وموني وبيكاسو. وفتح المتحف الحديث بموسكو سنة 1919 للجمهور. وفي سنة 1940 فتح متحف الفن الحديث في باريس حيث يقع عرض أعمال كاندنسكي وبيكاسو وسلفادور دالي. إنّ كلّ هذه الأحداث في تاريخ مؤسسة المتحف قد أثّرت عميقاً في تحوّل الفنّ إلى باحة مفتوحة على جماهير واسعة تجعل من الإبداع مساحة متاحة لجميع الناس بوصفهم مواطنين فاعلين يشاركون في التجارب الفنية بالتفاعل معها عبر ذوق جمالي ينمو ويتّسع لاختراع قيم جمالية مغايرة ومتجددة على الدوام.
إنّ تحوّل الفنّ من النخبة إلى الجمهور لم يولد فقط صلب مؤسسة المتحف بوصفها باحة عرض للأعمال الفنية الخاصة بفنّ الرسم والنحت والنقش.. بل امتدّت موجة هذا التحوّل إلى فنّ الموسيقى أيضاً، حيث شهد فنّ في إيطاليا في القرن السابع عشر تحوّلاً من فنّ خاص بالنبلاء والملوك إلى فنّ مفتوح على الجمهور. وقد فتح أوّل مسرح للجمهور سنة 1637 هو مسرح سان كاسيانو بمدينة فينيسيا، حيث وقع لأوّل مرّة السماح للجمهور الواسع بمشاهدة الأوبرا التي كانت حكراً على وجهاء القوم من النبلاء والأمراء.

الفن الشعبي
في هذا السياق الكبير لتحوّل الفن من النخبة إلى الجمهور ظهر أيضاً ما يسمى بالفنّ الشعبي في بريطانيا منذ 1950 ثمّ في أميركا مع نهاية خمسينيات القرن الماضي. وهو فنّ يمزج بين ثقافة الشعب والفنّ مع ضرب من التهكّم والسخرية. ويهدف هذا الفنّ الذي يعتمد على استعمال موضوعات استهلاكية يوميّة مبتذلة إلى نزع هالة القداسة عن الفنّ الذي كان حكراً على النخبة، وعلى موضوعات «نبيلة». وقد امتدّت حركة الفن الشعبي إلى الكثير من الفنون منها فن الرسم وفنّ الموسيقى أيضاً. وقد اشتغل الفيلسوف الأميركي المعاصر أرتور دانتو على هذا النوع من الفنّ تحت عنوان طريف لكتاب صدر له يجعل من الفنّ «إعادة تشكيل للمبتذل» بتاريخ (1981). ولا يخرج فنّ الشوارع وفنّ التنصيبات والفنّ الأدائي وما يسمّى بفنّ الحدث «الهابينينغ» أيضاً عن هذه الحركة الفنيّة والرمزية العميقة لتحوّل الفنّ من النخبة إلى الجمهور.
وفي هذا الأفق الجمالي الكبير يمكن اعتبار ظهور فنّ الشوارع أهمّ حدث فني بوسعه أن يمنح الجماهير فرصة المشاركة في التجارب الفنّية نفسها. وقد ظهرت فنون الشارع التي تمتدّ إلى كلّ مجالات الفنّ تقريباً من فنّ تشكيلي إلى فنّ الرقص والمسرح والموسيقى إلى الغرافيتي والرسم على الجدران.. منذ 1970 في مدينة نيويورك تحديداً حيث ظهرت أوّل رسومات الغرافيتي في الميترو وذلك تعبير على احتجاج السود على التمييز العنصري. وإنّ أهمّ مكاسب هذه الحركة الفنية هي وضع الأمكنة التقليدية للفنّ من قبيل قاعات العرض والمتاحف وركح المسارح والأغنيات موضع شكّ، بحيث يقع تحرير الفنّ ههنا من جدران قاعات العرض وجعله متاحاً للفضاء العمومي في شوارع المدن وأزقّتها. كما يحرر فنّ الشوارع الفنون من التصنيف التقليدي لها بحسب أجناسها الفنّية التي تفصل بينها ويفتح الفضاء العمومي على باحة من الفنون العابرة للاختصاصات بحيث تتداخل الموسيقى مع الرقص مع الشعر مع فنون الأداء في عمل فنّي واحد. وهذا التحول بالفن إلى الشارع حيث الجمهور واختراع المشاهد الفرجوية وتحويل الشوارع إلى فضاءات فنية للاحتفال وللتعبير ولإنجاز الفنّ صلب الحشود، يظهر أيضاً في سياق هذا الزخم الجمالي العام ما يسمى بفنّ الحدث أو التدخّل الفنّي لترجمة المفهوم الإنجليزي «هابينينغ». وهي حركة فنّية ظهرت أيضاً منذ ستينات القرن الماضي واستعملت لأوّل مرّة سنة 1964 من طرف الرسّام الأميركي ألان كابرو (1927-2006) وهو أحد أقطاب الفنّ الشعبي.

وقد أدّى هذا الفنّ إلى شطب الفاصل الكلاسيكي بين الفنّ وما ليس بفنّ. ويمتدّ إلى كل الفنون في نوع من التداخل بينها من قبيل فنون الفرجة والأداء والرقص والمسرح ويعدّ هذا الفنّ فنّاً للجماهير بامتياز لأنّه يقوم على إشراك الجمهور ضمن التجربة الفنية. وقد امتدّ هذا الفنّ بعد ظهوره بالولايات المتحدة الأميركية إلى كل أوروبا بحيث ظهر سنة 1960 بكل من ألمانيا وإيطاليا، وظهر ببريطانيا سنة 1965 وفي بولندا سنة 1980.. وأنتج الحركة الفنية المعروفة باسم فلوكسيس سنة 1967 التي جعلت من إنتاج ما ليس بفنّ شعاراً لها في ضرب من التجديد العميق لجوهر التجربة الفنية من أجل إسقاط الحاجز بين الفنانين والجماهير، بجعل جميع الناس قادرين على المشاركة في العمل الفني.

تحولات جمالية وفلسفية
أمّا عن التحولات الجمالية والفلسفية التي رافقت هذه التحولات الفنية من النخبة إلى الجمهور فيمكن تفصيلها الى اللحظات التالية:
1) كانط وفكرة الذوق الفني بوصفه أعدل الأشياء قسمة بين الناس. وهي الأطروحة الفلسفية التي يعلن عنها الفيلسوف الألماني المعروف إيمانويل كانط (1724-1804). وقد صاغ هذه الفكرة ضمن الفقرة رقم 40 من كتابه المعنون بنقد ملكة الحكم (1790). واعتبر كانط أنّ ملكة الحكم على الجميل هي قدرة يملكها جميع البشر من دون أيّ تمييز عرقي أو ديني أو طائفي.. ولأوّل مرّة في تاريخ الفلسفة الحديثة تظهر الجماليات كميدان تشريع إنساني مستقلّ عن أي سلطة دينية أو سياسية أو أخلاقية. وذلك بتأسيس الجماليات على الذائقة الفنية المتاحة لدى جميع الناس. وهنا يظهر مفهوم الكونية الجمالية التي يحققها حقل الأحكام الذوقية بوصف الذوق «حسّاً مشتركاً» بين الجميع. وهنا يقع الاعتراف لأوّل مرّة بجمهور المتذوّقين الذي يتّسع لكل البشر ما دام «الجمال هو خاصة الإنسان». ويتمّ بذلك مع كانط توقيع فكرة الجمهور توقيعاً جمالياً حاسماً.
2) شيلر وتأسيس مفهوم الإنسان الجمالي: مع الفيلسوف الألماني شيلر يتحوّل الفنّ إلى تربية جمالية للنوع البشري. بحيث يتجاوز شيلر الطابع التجريدي والمثالي لجماليات كانط ويمنح الفنّ بعداً اجتماعياً وثقافياً تربوياً. وذلك لقدرة الفنّ على إنجاز المصالحة في الإنسان بين النزوات المادية وعقله. وذلك في عصر وصّفه الفيلسوف بسيادة النزعة المنفعية من جهة واتساع العلم وتقلص منزلة الفن من جهة أخرى. وهنا دفع شيلر بالفنّ إلى مهامّ تاريخية وحضارية يصير من خلالها «الإنسان الجمالي» مواطناً حرّاً بسموّه عن فرديته المتغطرسة إلى مقام الجنس البشري برمته. ويعتبر مفهوم الإنسان الجمالي الذي يظهر تحديداً ضمن الرسالة 23 من رسائل في التربية الجمالية للإنسان، من أهمّ الأحداث الفكرية التي وقّعت إمكانية تحوّل الجماليات إلى المهمّة الأسمى للإنسان نفسه. وهو ما كتبه شيلر بعباراته «إنّما نحن نبلغ الحرية عبر الجمال» ويكتب أيضاً أنّه «ليس ثمّة من سبيل آخر يجعل من إنسان الحسّ إنسان عقل إلاّ بجعله إنسان جمال أوّلاً». وهو يعتبر أيضاً ضدّ التراتبية التقليدية التي تفصل بين النبلاء وعامّة الشعب أنّ «كلّ الناس، داخل الدولة الجمالية، مواطنون أحرار متساوون في الحقوق مع النبلاء».
3) بودلير وفكرة الحشود بما هي اكتشاف رسّام الحياة الحديثة: في سنة 1863 ظهر نص بودلير بعنوان «رسّام الحياة الحديثة» وفيه يجري توقيع ولادة براديغم الحداثة ولادة فنّية في نوع من العلاقة الطريفة مع اكتشاف فكرة الجموع بوصفها المضمون الحديث لفنّ الرسم، بحيث يعتبر بودلير أن من التقط فكرة الحداثة في الفنّ التشكيلي الحديث هو الرسّام الفرنسي كوستنتين غيوس(1802-1892). وقد اعتبر بودلير رسومات هذا الرسّام تعبيراً عن التحام الفنّ بالحشود وبالحياة اليومية للناس. وهو ما يعني أن فنّ الرسم قد كفّ معه عن رسم العذراء والصلبان والمسيح.. والملوك والنبلاء وحياة الفروسية وحياة القصور. ويكتب بودلير عن هذا الرسّام قائلاً «إنّ شغفه ومهنته هي تبنّي الحشود. وإنّها لمُتعة كبرى أن يختار الفنّان جموع الناس بيتاً له، وأن يرى العالم وأن يبقى مختبئاً فيه». وقد خرجت الجموع من رسوماته في خضمّ ما يسميه بودلير «فتنة التفاصيل وهيجان الجموع الحديثة المحبّة للمساواة». وكان هذا الرسّام يردّد عبارة تحلو لبودلير وهي: «إنّ من يشعر بالملل صلب الحشود هو شخص أبله وأنا أحتقره».
4) والتر بنيامين ونزع هالة القداسة عن الفنّ: في سنة 1935 يصدر كتاب الكاتب والمفكر الفرنسي والتر بنيامين بعنوان «العمل الفني في عصر الاستنساخ التقني»، وفيه يقع الإعلان عن فقدان الفنّ لهالته أي لأصالته وقداسته وذلك بفضل ولادة فنّ التصوير. فقد صار ممكناً استنساخ الأعمال الفنية بفضل التكنولوجيا وصار الفن بذلك متاحاً للجماهير. إنّ بنيامين هنا يوقّع دخول الفنّ عصر التقنية وفقدانه لهالته الطقوسية وانتشاره بين الجماهير. وهو بذلك قد حرّر الفنّ من الطقوس الدينية وصار طاقة ثورية جماهيرية.
5) جماليات التلقّي وفكرة الجمهور: يتعلّق الأمر هنا بلحظة أساسية لانفتاح الفنّ على الجمهور وهي من توقيع المنظّر الأدبي والكاتب الألماني هانس روبرت ياوس في كتابه «جماليات التلقي» (1978). وفيها يعلن ياوس عن دور القارئ والمتفرّج بوصفه جمهورًا نشيطاً فاعلاً في التجربة الجمالية، وذلك من خلال مديح للمتعة الجمالية ينجزه ياوس بوصف الذوق الجمالي للجمهور جزءاً من أفق المعنى الذي يمنحه لنا العمل الفني. ويعتبر ياوس أنّ المتعة الجمالية تحمل إمكانيات للتواصل الاجتماعي وقيماً جمالية متجددة على الدوام من أجل فضاءات عمومية تتّسع لجمهور أوسع.
6) هابرماس والقيمة التواصلية للفنّ : تعتبر لحظة هابرماس في الفلسفة المعاصرة لحظة حاسمة لانفتاح الفنّ على الفضاء العمومي. وذلك بوصف هابرماس هو الفيلسوف الذي اشتغل رسمياً على فكرة الفضاء العمومي بوصفه قائماً على الفعل التواصلي الذي يجد فيه الفنّ مكانة مهمة. وهنا نشير فقط إلى أنّ هابرماس ينقد نظرية أدرنو وهوركايمر حول الصناعة الثقافية وهو يثمّن دور وسائل التواصل في إثراء أشكال تداول الخطاب وآداب النقاش الذي من صلبه تولد الحقيقة على أقوى الحجج وعلى صلاحية التوافق والتفاهم وعلى عقلنة العالم المعيش.
7) جاك رنسيار وفكرة المشاركة في المحسوس: وهي من اللحظات الجمالية المعاصرة لأن يكون الفنّ متاحاً للعموم ليس بوصفهم مجرد متفرّجين أو متذوّقين سلبيين بل بوصف الفنّ إعادة توزيع للفضاءات المشتركة، أي لمناطق الكلام والصمت والضجيج، للمرئي واللامرئي.. هنا يتعلّق الأمر بفضاءات أفقية فيها نوع من المساواة الجمالية بين كل الناس بوصفهم شركاء في هذا العالم المحسوس الكبير الذي يجمعهم. وهنا تصبح مهمّة الفنّ هي «تعميم القدرة على أن يكون المرء أيّاً كان»، في أفق ضرب من الذاتية الجمالية الجديدة التي تكون فلانيّة إلى أقصى حدودها. فالفنّ متاح لأيّ كان من دون تمييز طبقي أو عرقي، وأيّ شيء يمكن أن يكون موضوعة فنّية، وأيّ كان أي الجموع ما بعد الحديثة إنّما تتدفّق من رحم الإبداع بما هي اقتدارات متعدّدة على تشكيل مغاير للحياة المشتركة. هذا المشترك يتّسع لكلّ الناس بوصفهم أصدقاء للفنّ.

خاتمة:
هذا المقال يترحّل بك بعيداً في الكواليس الغامضة لتحوّلات وانزلاقات وطفرات عاشتها الإنسانية وهي تشكّل علاقتها بالعالم، بالأشياء الجميلة والقبيحة، بالمخيّلة في أكثر رسوماتها إلغازاً.. بربّات الفنون.. بالأمم التي رحلت وتركت أصنامها ورسوماتها ومعابدها ونمنماتها ونقوشاتها وفسيفسائها.. كي تشهد أنّها مرّت من هنا يوماً يصل مقداره أحياناً إلى ألف سنة.. أرجوحة تدور بنا إلى حدّ نشرف فيه أحياناً على الهاوية ثمّ نتماسك ونعاود الكرّة من جديد.. لأنّ التماسك في الخراب أفضل من التحديق في الهاوية.. ورغم ذلك تنجح الإنسانية دوماً في التحرّر من دوائر الظلام بمبدعيها وعباقرتها، بشعرائها ومفكّريها.. بالأغنيات أدركت الإنسانية آفاقاً أجمل دوماً، بالجمال أدركت الحريّة، وبالفنون منحت للزمان شكلًا، وبالإبداع حرّرت مجال الروح غير أنّنا نشهد اليوم على منعرج جديد لا أحد يعلم إلى أيّ الطرق سيؤدّي: تحوّل عميق من الإنسان بلحمه ودمه، وآلامه وأوهامه.. إلى ما بعد الإنسان في عصر الربوتات والاستنساخ والتحويل الجيني.. وفي نفس هذا البراديغم الجديد نشهد أيضاً على تحوّل الفنّ من الجمهور الواقعي إلى الجمهور الافتراضي في أفق الثورة الرقمية.. وربّما تصير فضاءاتنا العمومية الواقعية مجرّد دائرة تقليدية ضيّقة لنقاشات مملّة بين جمهرة من المحافظين والمتعبين حول مسائل قد تصير إلى محلّ سخرية من طرف أطفال المستقبل، الذين يكونون قد اخترعوا يومئذ أشكالاً مغايرة من الإبداع والحياة والانتماء إلى العالم.

اقرأ أيضا

«نقطة لقاء 2».. يحتفي بالكتاب الفني