الاتحاد

ثقافة

«المنطقة الوسطى».. تفاعل النخبوي والشعبي

في خضم الحديث عن التداخل البديع بين ما هو نخبوي عبر الثقافة الشعبية، وكيف هو الامتداد الذي تمت صياغته في الحراك الثقافي المحلي، يجدر بنا الإطلاع أيضاً لما لتجربة الإنسانية عبر الثقافة، من مقدرة في جعل الأمور أكثر قابلية لفهم «البسيط» الناتج من نظام كوني شديد التعقيد، يقوده ذكاء إبداعي متدفق، ولاستيعاب ذلك يمكنني الاستدلال بالتعبير الروائي الذي قدمه خابير مارياس عبر رائعته «غراميات» عن وصفه التحول في إحدى الشخصيات بالرواية: «تبكي حيث يجعلونها تبكي، وتضحك عندما يجعلونها تضحك، ويمكن لأحد الأمرين أن يلي الآخر دون أن يكون مواصلة له، إنها تستجيب للدافع الذي يأتيها. البساطة ليست في نزاع مع الذكاء، إنها إضافة أخرى. لا مجال للشك في أنها تملك هذه الأخيرة»، لذا يستشعر المرء أنه في عمق الذكاء يجب عليه أن يستدعي التبسيط، ويمكن أن نعتبرها إحدى سمات «المنطقة الوسطى» الجامعة بين النخبوي والشعبي، ويمكن بذلك أن نستوعب أمراً مهماً وجوهرياً، في أن ما يحدث بعد التجربة الثقافية هو استيعاب أكبر لماهية «علم الجمال»، الذي قد يشكل قانوناً لتطور الفن، فالأخير يعكس بالضرورة شكل هذا الجمال ومستوى وعينا فيه.

في «دراسات في علم الجمال» للدكتور عدنان رشيد، يوضح الكاتب تناوله لآراء منظري علم الجمال الأوائل الذين صاغوا نظريات وقواعد مثالية أمثال: باوم كارتن وهيغل وشلر، وكانت كذلك آراء الفلاسفة الماديين أمثال كارل ماركس، وإنجلز وشيرنشفسكي، الذين وضعوا اللبنات الصلبة لأساس علم الجمال المادي الذي يعمد على مقولات إخضاع علم الجمال لخدمة الإنسان وتحرره، متوصلاً إلى أن علم الجمال «هو ذلك العلم الذي يدرس الشكل الجمالي للاستيعاب الفكري عن الواقع الذي يطفو على سطح الحياة اليومية».
في هذا الصدد، يجدر بنا تحديد (الفن) جزءاً تفصيلاً لدراسة الانتقال الثقافي بين ما هو نخبوي وبين ما هو جزء من مفهوم مبسط للثقافة الشعبية، خاصة أن «الثقافة» في عمومها تتجاوز مسألة الفنون فقط، ما يجعل دراسة الأمثلة كلها، يوحي بكثرة يصعب وضعها جميعاً في هذا المقام، إنها الكثرة المهيبة الشبيه بالتعبير الذي قدمه الكاتب إمبرتو إيكو عبر كتابه «لا نهائية القوائم: من هوميروس حتى جويس» فقذ كتب: إننا حين لا نعرف حدود ما نأمل في تصويره، ونجهل عدد الأشياء التي نتحدث عنها، فإننا نفترض أن عددها، إن لم يكن لا نهائياً، فإنه على أقل تقدير كبير بصورة فلكية، وإننا حين نعجز عن وضع تعريف جوهري لشيء ما، فإننا نعمد إلى وضع قائمه بخواصه، كي نكون قادرين على التحدث عنه، وكي نجعله معقولاً أو قابلاً للإدراك بصورة ما، وقد جرى الاعتقاد من لدن الإغريق حتى عصرنا الحاضر، أن الخواص العرضية، لشيء ما لا نهائية العدد.

حركة التجربة الثقافية المحلية
وبمجرد أن نجعل للأشياء خصائص معينة، نتعامل معها بصور هادئة وأكثر روية، كمثل معرفتنا بأن الكوريين يقدرون جودة مطعم ما بحسب عدد الأطباق الجانبية المقدمة، فكيف يُمكن تفسير كهذا. إذاً فالانتقال إلى جزئية بعينها في حركة التجربة الثقافية المحلية، طريقة مختزلة نوعاً ما لإدراك الفنون كظاهرة اجتماعية، تعكس واقعاً ما، يضع نفسه مؤشراً وأداة تقيس حساسية المجتمع نحو الجمال، الذي بطبيعته يغير واقع الحياة إلى مستويات وعي أفضل، مشكلاً الجزء الطبيعي لقوانين النمو والتطور الإنساني، فكل خطوة تنويرية لمجموعة ما في مكان معين في العالم تلقي بضلالها على الوعي الجمعي في العالم، ومنه تتولد المخاوف في حالة ما انحرف الفن عن فعله الطبيعي، فهو بذلك يفقد تدريجياً تماسكه وبتالي تفككه، وفقدان أصالته.
في «بينالي الشارقة» يمكن التمعن بنموذجين، ذات أبعاد في التجربة الثقافية الأولى: مصنع الثلج بمنطقة كلباء في الشارقة، ومشروع «الطائرة المهجورة» في إمارة أم القيوين، في الحالة الأولى فإن للمكان ميزة شعبية كونه، اختار المنطقة الشرقية، في رغبة لتوجيه الناس للحركة الطوعية من قلب المدينة، إلى مناطق الأطراف، كونها تتيح مجالاً أكبر لمزاولة تأمل التجربة الثقافية، عبر عروض لأعمال فنية، فأنت لا تذهب لمشاهدة عمل فني وكفى، فإن الهالة الشعبية التي تحيط المكان في كلباء، هو التمازج الفذ الذي يبقيك في استشعار مختلف عما إذا كان في وسط المدينة، بالمقابل فإن حضور الفعل النخبوي نفسه عبر اسقاطات الأعمال الفنية الفكرية والفلسفية، وتأثيرها في التمازج مع الحيز الثقافي لأهالي كلباء، بالتأكيد فإن الأمر شبيه بقيام معرض فني تشكيلي للفن المفاهيمي في وسط الأسواق الشعبية، هل يمكن تخيل تأثير ذلك على الذاكرة الجمالية، في الفنون لا يتطلب الأمر أن نقدم شروحات تفصيلية لكل ما يقدم، سواء لوحة فنية أو منحوتة أو حتى عمل تركيبي، فإنه بمجرد تمركز المنتج الثقافي، نحصل على تداخل لا واعي يُسهم بكل روية على الوعي العام في المكان، إنها الدهشة المفرطة التي تحدثها الفنون أينما حلت.

الطائرة المهجورة
ما حدث في أم القيوين، كان مختلفاً تماماً، مشروع «الطائرة المهجورة»، قبالة البحر الممتد على الخليج العربي، كان بمثابة دعوة استثنائية، للجميع، الكل يُجب أن يصعد على متن الطائرة عبر مخيلته، دون حاجة ضرورية للعملية الفكرية، بل إثارة تامة للشعور، أوضحها الكاتب د. عدنان رشيد عبر تعريف لـ« تولستوي» للفن، بأنه يثير شعوراً معيناً ويعبر عن حركات ووسائل وخطوط وأصوات وينعكس في الشخصيات التي تستخدم الكلمات، وهنا يكمن نشاط الفن، وهو نفسه من أوضح الاستيعاب الجمالي للواقع في الحياة، في كتابه «دراسات في علم الجمال» وكيف أنه يظهر عبر 3 مراحل أولها: مرحلة الانعكاس الجمالي لشروط العمل ومنتجات العمل في الإنتاج المادي وثانيها: مرحلة خلق الأشياء التي تخدم حاجات معينه لنوع مادي ولكنها في نفس الوقت تصاغ بوعي نحو هدف ومضمون الأفكار والمشاعر، وثالثها: وجود الفن كظاهرة اجتماعية فالأعمال الفنية والتفاعلات في المجتمع حقائق جمالية وعاطفية وفكرية.
كانت الطائرة وحيدة هذه المرة، بعيداً عن تصورات متقاربة في أنها تسعى لتأثير على تشكيل هالة مجتمعية ما، كانت بحد ذاتها شخصية معتدة بنفسها رغم كم التهالك فيها، وقتها عمل الفنانون على أجنحتها أقمشة مشكلين عبرها بوابات، تمثل عبوراً إلى اللاشيء، إلا أنه يضفي جمالاً معبراً عن الإنسان وتحولاته، فالألم واللذة في بعدهما الفني، يعدان تمثيلاً بديعاً للجمال، فكيف أراني أرى في كل هذا التهالك جمالاً لا يوصف. في تلك اللحظة فقط، أتذكر ما قرأته عن ما نشره الكاتب عز الدين بوركة، في مضمون حديثه عن تطور مفهوم الجميل في الفن من الكلاسيكية إلى ما بعد الحداثة، ونُشر عبر منصة معنى الاكترونية، وتحديداً عند كتابته: «لقد صارت يد الإنسان قادرة على تجاوز الطبيعة بالتدخل فيها، إنه لأمر يشبه ما يصوره هيغل قائلًا بأن الطبيعة تصير أكثر جمالًا حينما تتدخل فيها يد الفنان. فالطبيعة تحوي جمالًا غير مدرك لجماله، بينما الإنسان يصنع جمالًا عن وعي وإدراك. فيصير الفعل الجمالي الإنساني هو جمال «قصدي» أي فعل فردي واعي، حيث إن «الطبيعة لا تعد مثالًا، بل غدت مسوغاً، وتحوّلت إلى «مخزن من صور وعلامات» وهي «مجرد قاموس» في نظر دولاكروا، يختار منه الفنان ما يشاء ليصوغه حسب أسلوبه وما تمليه أحاسيسه وخيلاته».
ما يعيدنا إلى نفس الملاحظة التي كتبها الدكتور عمر فروّخ حول الفنان اللبناني مصطفى فروخ، مبيناً أنه لا يفضل أن يرسم وبجانبه أحد ما، إلا أن توضح المعالم العامة للوحة، بعدها يحدثه الفنان مصطفى فروخ ويقول: «انظر هذا البيت الجميل، أنه بعيد عن كتف الجبل، وها أنا قد قربته من كتف الجبل وجعلته يطل على الوادي، انظر هذه الشجيرات المتجمعة في الجانب الأيمن، لقد نقلت منها شجرتين إلى الجانب الأيسر، انظر هذا البيت القروي الصغير الجميل: إن أمامه، وفي وسطه تماماً، خيمة عليها عريشة. إن وجود الخيمة وسط الجدار لا تضفي على البيت جمالاً كما لو كانت متطرفة قليلاً أو كثيراً، ولذلك تراني قد حركتها من موضعها إلى هذا الحد الذي تراه»، وهو الفنان الذي كان يرى من البساطة نهاية للنضج وتمامه، خاصة أنها تبنى على أسس متينة وقوة التركيز والعلم الصحيح القائم على الإدراك الكامل والفهم العميق لحقائق الأشياء.

تفاعل واستحضار
في «المنطقة الوسطى» هناك إمكانية تفاعلية بين النخبوية واستحضارها لما هو شعبي في الثقافة، من خلال إدراك واعي للذات، يرى الفيلسوف كانت بأن الفن والجميل هو نتاج الذات والوعي، فلما لا يتحول هذا الفضاء فضاء واضحا لاكتشاف الذات، وبالتالي لا تُرى للثقافة على أنها بيانات/‏‏ معلومات، بل تجربة حسية وشعورية تشكل الوعي ومنها يتمدد إلى مستويات أكثر إدراكاً ووعياً بالمحيط، ومنها يحتاج هذا الحيز التفاعلي المتقبل لعدة أوجه لمسألة اكتشاف سيرورة عمله الداخلية، بأنه عند حدوث اللقاء بين ما هو شعبي ونخبوي، يتولد من الفن ما يمكن تسميته ب «المعنى».
حول موضوع «خلق المعنى» تحديداً في الحياة، أتذكر تلك الشاعرية القريبة لطريقة الكاتب الكويتي فيصل الحبيني وهو يتكلم عن كافكا، وكأنهما أصدقاء من الطفولة.. سألته بعد أن قرأت كتابه «كائن يمرح بالعدم»، هل ترى أن المعنى أقوى من أن يسقط، وأن كل الموت الذي تغنيت به في كتابك، ما هو إلا صراع بين المعنى في الحياة واللامعنى؟ ماذا إذا قبلنا بحضور الاثنين، بحضورهما فقط، لماذا هذه الرغبة الإقصائية فينا، نصنف الأشياء من ثم نبحث في وسيلة لإقصاء تصنيف على الآخر، اعتماداً على دوافعنا الداخلية المتشكلة بين اللذة أو الألم؟ أجابني: «أعتقد أن غريزة الإنسان للنجاة في عالمٍ ملغّز تدفعه دائمًا إلى خلق المعنى، وهذا ما أكسب هذا المفهوم قدسيةً هائلة على مر الزمن، لدرجة أضحت معها القيمة - قيمة الحياة - مرادفة لوجود هذا المعنى. نعم، أتفق معك بأن ثمة إقصائية في النص، وتحيزٌ لللامعنى، ولكن لم يأت ذلك إلا من باب الموازنة مع فرط التقديس الذي اكتسبه مفهوم المعنى. يجب أن نتعامل مع هذا المفهوم كأداة اختيارية، لا ضرورية لكي توجد السعادة أو القيمة. فمفهومًا هلاميًّا وشخصيًّا ونسبيًّا كالمعنى يجب ألا يكون مطلقًا أبدًا، وإلا سيخلق ذلك استخفافًا بمفهوم الحياة الهائل، الأكبر من أن يخضع لأمورٍ كهذه».
ما جعلني استمر في البحث عن تخفيف لوطأة الحس الفلسفي والفكري وثقله على المفاهيم التي نتناولها في هذا المقال، ومنها أن أسأله عن وصفه للألم، كونه جزء من التجربة الإنسانية والثقافية ككل: وبالنسبة لك كم من الفائض الحسي والفكري والجسدي يقدمه الألم لعالم الخلق في حياتنا، يعني إذا تخيلنا أنه شيء يشبه دفق النافورة، في أوج تعبيرها عن الرقصة الأبدية، وكلما زاد حجم طاقة الماء/‏‏ الألم، كلما كانت الرقصة خالدة والموت فيها أسرع. أجاب بروية: الألم تجربة عالمية. لحظات الألم كاشفة وفاضحة وتعري كل من العالم والإنسان. كيف سيصف المتألم العالم مثلًا؟ وما هي الصفات إلى ستطفح على سطح تصرفاته؟ تجربة الألم، برأيي، تجربة نافذة وثاقبة في تكوين رأيٍ ما. قد يقول البعض إنه من الجدير أن نبني آراءنا في لحظات السلم، وأقول أن السلم مخادع، وسيجمّل العالم والإنسان معًا، وبالتالي لن يكون الرأي المتكوّن صافيًا، بل أنانيًا ورفاهيًا وساذجًا. فكرتُ قليلاً بتعبير الكاتب فيصل «سيجمّل العالم»، وكيف يُمكن في تلك «المنطقة الوسطى» القابلة للتداول بين ما هو نخبوي وما هو دارج في الثقافة الشعبية، أن نتفاهم مع تعبير إضفاء المعنى للأشياء في الحياة، كأداة اختيارية، فكلما تعددت الأوجه التي يعبر عنها الفن، أتاح ذلك متسعا أكبر من حرية الانكشاف على الحياة، بدل الغرق في معترك المعنى. وهو أيضاً ينقلنا إلى تلك المتاهة التي عشناها مع الفنانين في الفن التشكيلي والخط العربي، فالجدل الواسع حول ما يعرف بقواعد الخط، وما يواجهه من مغالطات كما يرى الخطاطون الكلاسيكيون، من موجة لكسر بعض القواعد بشكل ما، هنا يلحظ المتابع كيف أن للخط العربي معنى يحول أحياناً دون وصول اتفاق بين الخطاطين والفن التشكيلي، إلا أن الخطاطين يوضحون الجمال التشكيلي أحياناً عبر الخطوط، كما عبرت مرة الخطاطة الإماراتية مريم البلوشي: «بالإمكان أن نكسر حرف بعينه، ولكن يجب أن يكون لدوافع جمالية». فاليوم وصل الحرف العربي إلى جدران المباني، مشكلاً تحولاً بصرياً عبر اتخاذه شكلاً وتعبيراً للمعنى مغاير عما كان يتخذه عندما كان في لوحة مؤطرة بمعرض فني.
ويمكننا أن نتفق على التسلل النخبوي إلى الحيز العام، من خلال أن يتحول الحرف العربي، إلى شيء قابل للتداول والتأمل في الطرقات العامة، والعمق محرك ساحر لماهية هوية المكان، وهو جزء من العملية الدائمة لتعزيز باللغة العربية، كلغة التواصل وخلق المعنى في مجتمعاتنا المحلية، وأشهر الأعمال الفنية الآنية، هي العمارة البديعة لمتحف المستقبل في مدينة دبي، الواقعة على شارع الشيخ زايد، حضور بهي وواضح للحرف العربي الذي يلف مستقبل العلوم في عوالم المنطقة المحلية والعوالم المحيطة من حولها، والتي بالضرورة ستتأثر بالمضمون الجمالي الذي يعكس القيمة الفنية للعمل. إذاً فإن الاتيان بالحرف العربي إلى الساحات العامة في الثقافي الشعبية، سيعمد إلى تحرك شعبي نحو معارض الخط العربي النخبوية، في موجة جديدة نحو سعي الناس لتذوق الفنون.

فضاء مشترك
هناك دائماً طريقة في التحول داخل المجتمعات، ولكل مجتمع طريقته والشكل الخاص فيه، الذي هو يختاره، ولا يمكن حدوث ذلك دونما العمل على تقليص الفجوة والفاصل غير المرئي أحياناً بين ما هو نخبوي وبين الثقافة الشعبية عموماً، وهو بكل الحالات ليس مفصولاً بالمعنى الفعلي للكلمة، فنحن نتأثر بمجرد رؤية الأشياء والتفكير بها، حتى وإنها لم تقدم لنا إجابات واضحة، يبقى السؤال حولها مطروحاً، حول كيفية الاتفاق على فضاء مشترك، أمام التزام كل جهة في عمقها بأنها نخبوية بصورة ما، فمنهم من يرون من الحداثة نخبوية، وآخرون يعتبرون الأصالة هي ركيزة الفعل النخبوي، إلا أن في الرؤية الجمالية للأشياء فإننا نتطلع إلى الاثنين.
مع حضور مواقع التواصل الاجتماعي، يتجلى السؤال عن المقدرة الكبيرة التي شكلتها تلك المنصات في أنها تجعل من الناس يضعون صورة مسبقة لـ ذواتهم، ما يعني أن صورة ما هو نخبوي وشعبي، تدخل في تحدي، يكاد لا يمكن ملاحظة الخط الرفيع بينهما، بسبب أن منصات التواصل الاجتماعي ساهمت في استمرارية حالة التبدل اللحظي لتصوراتنا حول المثل الأسمى للجمال، وهو ما يصعب تحديد القيمة الجمالية، ليس فقط على مستوى عمل فني معين، ولكن على مستوى الجمالي الذاتي في الإنسان، الذي هو من يصنع العمل الفني ويتذوقه.

العبور المتسامي
القدرة على قراءة جذور التحولات الفنية في الإمارات، تجعلنا أمام تصورات أوضح لما يمكن إدراكه فنياً، قراءة المخيال لدى الناس عموماً حول الفن، واستيعاب الطاقة الفنية من قبل الفنانين في قدرتهم على إحداث التحول، وبالنسبة للمجتمع المحلي، فإن طبيعته التكوينية المبنية في جوهرها على الانفتاح على الآخر، تمثل مسألة على مستوى الدراس لها أبعاد مختلفة لأي مجتمع آخر.
كأن تحضر مهرجان طيران الإمارات للآداب، وتشهد فعالية كبرى لها تُنظم في دبي أوبرا، يشارك فيها نخبة من شعراء الإمارات مع شعراء عالميين، فأنت بذلك تتيح لنفسك فرصة الاكتشاف وسط جمهور متعدد التوجهات والآراء، ما يهديك متسع أكبر لتوسيع نطاقات الفضاءات المشتركة في داخلك كإنسان، وما الفنون هنا إلا تلك الوسيلة عبر المخيال لهذا العبور المتسامي نحو الأشياء، وكما يقول جبران خليل جبران، «والخيال يتعذر عليه أن ينقل ذاته إلى الحواس ما لم يتخذ لذاته جسماً محسوساً».

«آلات حادة».. نموذج مفصلي
في فيلم «آلات حادة» للمخرجة الإماراتية نجوم الغانم، يعرض نموذج مفصلي للصراع المحتدم بين ما هو نخبوي ، وآثاره على الثقافة الشعبية.
عندما عرض الفنان الراحل حسن شريف أعماله في «الثمانينيات»، كونه رائداً في مجال الفن المفاهمي، في الإمارات، لم تكن هناك مواقع لتواصل الاجتماعي وقتها، فإن الاحتدام وقتها رغم موقف الحالة الشعبية عموماً من الفن التشكيلي، إلا أن الجدل الأبرز كان قائماً بين الفنانين أنفسهم حول أعمال الفنان حسن شريف، لا يمكن نسيان ما ذكر الفنان الراحل عن اعتراض الناس الحاد على أعماله، وهو يسألهم عن سبب انزعاجهم أليس ما يعرضه يشكل جزءاً من ثقافتهم المادية الاستهلاكية اليومية، أعتقد كان من الصعب جداً أن يخبرك فنان بأنك متعلق جداً بهوس اقتناء المستلزمات المنزلية بداعي وبدون داعي، حتى أصبحت تشكل وعيك بشكل ما، ومنه ساهم ذلك الجدل وعلى سنوات طويلة منذ ذلك الوقت، في بناء رؤية نقدية في المفهوم الفني عبر المجتمعات الفنية، وبتالي برزت فضاءات تجمع ما هو مفاهيمي وواقعي وتعبيري وتجريدي وغيره في فضاء مشترك، ولا يمكن اعتبار أن تأسيس فعاليات ثقافية مهمة من مثل «فن أبوظبي» و«آرت دبي» جاء بمحض توجه عام، بل هو نابع من الدافع نحو التحول والتطور المجتمعي، إنه المؤشر الطبيعي لمتغيرات أي مجتمع، كون الفعالية الثقافية تلعب دوراً في تأسيس محاور ومسارات أوسع وجديدة لجمهور من متذوقي الفنون.

تحولات مجتمعية بديعة
معمار منزل عبدالرحمن، القائم في دبي، يشكل هندسية بديعة، شارك في تقديم تجلياته التصميمة الداخلية الفنانين عبدالله الملا وخالد الشعفار.
قدمت فيه وزارة الثقافة وتنمية المعرفة العديد من اللقاءات والأنشطة الثقافية. ما يجعلك تبحث عن ميزة أن تدخل فضاء معماري، قرر أصحابه أن يبقى مرجعاً معمارياً للمجتمعات الفنية المحلية، وتفكر به كمستوى من التحولات المجتمعية البديعة، ووعي الأفراد الذي عادةً يمثل المحرك الأساسي لتحول المجتمعي، حتى أننا نتأمل ما أنجزته الفنانة نجاة مكي على إحدى مباني مؤسسة رسمية، وخاصةً الشكل المثلث ممشوق الحواف، وقتها قالت بأن لحساسية اللون قدرة بديعة في التأثير على الوعي البصري للأشياء من حولنا، ومدى ما يمكن أن يلتقي ذلك البعد بأعمال الفنانين العالميين، من مثل عمل للفنان غاي فيري في أبوظبي، أو منحوتة النحات البريطاني ريتشارد هادسن باستخدام الصلب العاكس المصقول، في دبي مول.
وترى أن جميعه لا يقل أهمية عن تجمع مجموعة من الشباب المصورين الفوتوغرافيين في حي الفهيدي وبالأخص بمقر عكاس للفنون البصرية، ولا عن فراديس للإنتاج الفني، ذلك التجمع السينمائي الرفيع لمجموعة من الشباب في رأس الخيمة، الذي تحول بعده إلى حالة سينمائية، لتصورات الحياة اليومية في المجتمع المحلي، بأن تكون لك القدرة الساحرة على أن تصنع مشهداً يجعل من المشاهد يتصور حياة كاملة عبر صورة متحركة، وهي حالة شبيه بأثر مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، أو حضور جلسة نقاشية يقيمها متخصصون في الفن في بيوتهم، من مثل «مجلس دبي الثقافي» الذي يقيمه الشيخ سلطان سُعود القاسمي، مؤسس مؤسسة بارجيل للفنون، أو المحاولات الأولى للكتابة والإخراج السينمائي التي جمعت بين الكاتب إبراهيم الملا والسينمائي مسعود أمر الله.

اقرأ أيضا

شعرية الإيجاز.. وفتنة تنهشها الكوابيس