الاتحاد

ثقافة

أندريه ريو.. فانتازيا الكلاسيكية الشعبية!

هل يكفي أن نؤلف بالكلمات والألحان والألوان والسلطة والمعرفة والثقافة لنجذب العالم تفاعلياً إلى إبداعاتنا؟ أم علينا أن نغير في كيفية الأداء، وكيفية الوظيفة التوصيلية للغة واللحن واللون، وكيفية التعامل مع المتلقي كشريك فاعل في أي عمل إبداعي؟
للمتأمل أن يرى الإجابة في العديد من الأعمال الإبداعية، وفي شخصيات العديد من المبدعين الإماراتيين والعرب والعالميين، وقد مرت الموسيقى الكلاسيكية العالمية بتحولات جمالية وحياتية وتاريخية متنوعة، وانطلقت من جذورها، من الإرث الإنساني الذي مهّد لها من خلال التراتيل والترانيم والأناشيد والموروث الإنساني الشعبي، وتخبرنا المكتشفات الأثرية الحديثة عن أول موسيقى عالمية (أوغاريت) و(نينوى) و(الفراعنة)، وغيرها، لكنها كموسيقى كلاسيكية لها قواعدها وحركاتها ورياضاتها الموسيقية وعلاماتها اللغوية، تأسست في القرن السابع عشر، وأشرقت في القرن الثامن عشر، وأزهرت في القرن التاسع عشر، مع أرواح عمالقتها، أمثال باخ، فيفالدي، بيتهوفن، شتراوس، تشايكوفسكي، شوبان، موزارت، شوستاكوفيتش، وغيرهم.
ورغم أن منصاتها كانت قصور الحكام والبرجوازيين ورجال الأعمال الأثرياء، فإنها انتشرت بين الناس، وبدأت ستائرها الافتتاحية ترفرف في دُور الأوبرا، وترافقها سيناريوهات خاصة، وسيناريوهات مستمدة من القصائد والروايات والأساطير والملاحم والخرافات العالمية، لتتحول من طقوسها الأولى، إلى عروض فنية راقية، ومتنوعة الأشكال وليس آخرها عروض «الباليه».
كما تنوعت فرق الأوركسترا المختصة بهذا اللون الثقافي، وتعددت أساليب الكتّاب الموسيقيين في كتابة هذه الألحان وعلاماتها الموسيقية، وبرزت الحالات الحزينة والسعيدة والتأملية والصوفية والروحية، وتعالت السيمفونيات، والكونشرتوهات، والسوناتات، والأوبريتات، والكونتانات، لتصدح في الفضاء الكوني.
ولم تقتصر التشكلات الفلسفية للموسيقى على جدلية القدر لبيتهوفن، ولم تتوقف عند بحيرة بجع تشايكوفسكي، لكنها تحركت مع فيفالدي وفصوله الأربعة، وسبحت مع أغاني شوبان الراقصة، وابتهلت مع كارل أورف وتحليقات كارمينا بورانا، وسافرت مع إيفانجيلوس لتخوض معارك أوديسيوس بين الإلياذة والأوديسا، وبكت مع دي أرانجوز خواكين رودريغو، ورقصت مع الجاز والروك والفالس، وتنوعت مع الموسيقى التصويرية والتأملية والرمزية والديجيتالية والتجريدية.

إيقاعات الأجيال
ولأن الموسيقى لن تقتنع إلاّ باللامتناهيات والماورائيات، فإنها لم تختزل ذاتها بالأسلوب الجدي الصارم في عالمنا المعاصر، لأنها تحولت مع إيقاعات الأجيال والأزمنة والتطورات الإلكترونية، إلى حالة تناسب اليوميات الحياتية، لتجذب الفئات المتنوعة والمختلفة من الأجيال، وهذا ما فعله العديد من الموسيقيين والعازفين والمؤلفين في زماننا التكنولوجي، ليبرع الموسيقار اليوناني ياني كريسماليس في تحويل الموسيقى الكلاسيكية إلى تشكيلات لونية وضوئية وفنية، ويتخذ من الأماكن والمعابد والمسارح والهواء الطلق، منصات لعروضه الموسيقية، كما فعل في حفلته في داون تاون دبي ـ برج خليفة، وفي تاج محل في الهند، وغيرهما.
ويبرز في هذا الفضاء الفني المبدع الموسيقار وعازف الكمان الهولندي أندريه ليون ماريا نيكولاس ريو، 1949، المتقن لست لغات (الهولندية ـ لغته الأم، الإنجليزية، الإسبانية، الفرنسية، الألمانية، الإيطالية)، المولود لعائلة موسيقية، والده قائد أوركسترا للسيمفونيات في ماسترخت، وهذه البيئة، جعلته يعزف على آلة الكمان وهو في الخامسة، ونذكر أن كمانه من النوع النادر (ستراديفاريوس) العائد للقرن السادس عشر، ثم تخرج في المعهد الموسيقي الملكي في مدينة لييج، وتابع دراسته في أكاديمية الموسيقى في بروكسل، ونال الدرجة الأولى في المعهد الموسيقي الملكي، ثم قرر ريو الاستمرار مع (الفالس/‏‏‏‏ Waltz)، وتواصلت شهرته مع الفالس الروسي (الفالس2) للموسيقار شوستاكوفيتش، ثم أسس أوركسترا الصالون ماسترخت، وعمل كعازف كمان مع أوركسترا ليمبرغ السيمفونية، وفي عام 1987 أسس ريو الملقب بملك الفالس العالمي أوركسترا باسم الموسيقار النمساوي «يوهان شتراوس» المشهور بمعزوفة الفالس «الدانوب الأزرق»، وكان أن أطلق فرقته بـ(12) موسيقياً، وبدأت أداؤها عام 1988، واتسعت لتشمل ما بين 80 و150 عازفاً وعازفة، وهي أكبر فرقة موسيقية خاصة، تتمتع بأصوات قوية ومميزة، وتشكّل حالة متناغمة بين الموسيقيين والموسيقيات، وهذه جملة فنية خاصة أضافها ريو، منجزاً من خلال هذا التوازن إضافة فعلية للموسيقى صوتاً وعزفاً ورقصاً وحضوراً.

الحلم كحركة ثانية
لقد سبح العالم بموسيقى ريو كما سبحت موسيقاهُ في العالم، وتنقلت معه بين أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية واليابان وأستراليا وغيرها، وحاز على العديد من الجوائز والتكريمات الفخرية، منها جائزة «الموسيقى العالمية» مرتين، وحصلت أعماله على الأسطوانة الذهبية والبلاتينيوم في عدد من البلدان، بينما منحته هولندا 8 أسطوانات فضية ووسام الأسد، واستحق وسام الفنون والآداب من فرنسا، وميدالية الشرف من سكان ليمبرغ التي نشأ فيها، ويعيش مع أسرته في ماسترخت ـ مسقط رأسه، في قصر يعود للقرن الخامس عشر، كان يدرس فيه العزف على البيانو في طفولته، وهو حلمه الذي حققه، مؤكداً كعادته حكمة أزلية: «على كل إنسان أن يعمل لتحقيق حلمه»، وقد يستغرب القارئ إذا عرف أن ريو أصيب بالإفلاس عام 2008 بعدما تكلف بالحجم الكامل لديكور قصر شونبزون الإمبراطوري في فيينا ليكون مسرحاً لأمسيته الموسيقية هناك، لكن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في تحقيق أحلامه الموسيقية والحياتية، حيث تجاوزت مبيعات أسطواناته الموسيقية (40) مليون نسخة، وبرنامج أعماله مكتمل دائماً، وحالياً برنامجه ممتد لعام 2020 في جولة موسيقية حول العالم.

الأسرار العشرة
لو تساءلنا عن أسرار موسيقى أندريه ريو، وفانتازيا الموسيقى الكلاسيكية المعاصرة اليومية، بين الروك والجاز والبوب، وخصوصاً الفالس، وانجذاب الشباب إلى هذه الموسيقى، لوجدنا أسراراً لا تحصى تشكّل اللوحة الكلية للنص الموسيقي الأشمل لأعمال ريو وإبداعاته، وأهمها، وطبعاً جميعها متداخل بشكل مجمل: (الأداء، المكان، السينوغرافيا، المؤثرات الديجيتالية، الاستعراض، تداخل الصوائت والصوامت، الحوار الحضاري بين الشرق والغرب)، بإمكاننا تسميتها الحركة الثالثة مجازياً، بينما الحركة الخامسة المجازية فهي (المتلقي)، ولذلك سنفكك معاً الشيفرة السرية الأخيرة لتحولات اللغة السمعية البصرية الماورائية لموسيقى أندريه ريو الفردية، وعروضه الجماعية الميلودرامية:
1ـ الفضاء الأدائي المبدع وإتقان وظيفة التفاعل والتوصيل من خلال طريقة العرض الجاذبة في أحوالها المختلفة، التي يعكسها أندريه ريو بروحه الذاتية، والروح الجمعية.
2 ـ الفضاء المكاني وخروج الموسيقى الكلاسيكية عن محدودية المكان، ودخولها في المكان اللانهائي، أياً كان هذا المكان: (منصات الأوبرا والمسارح، الفضاء الرحب، الأماكن العامة من حدائق وملاعب ومناطق طبيعية، ومواقع أثرية، وساحات عامة)، إضافة إلى المكانية الرمزية وهي نفوس الناس كمنصات معنوية.
3 ـ الفضاء السينوغرافي وفخامته بثنائية الواقعية والأسطورية، وديناميكيته المتشكلة من الملابس والإضاءة والديكورات والكتلة والفراغ، وإيقاعية الانسجام بين هذه العوامل وتفاصيلها الدقيقة، مع التركيز على الألوان لتكوين لوحات وصور ومشاهد تندغم فيها ألوان الملابس مع ألوان الإضاءة مما يضفي على الموسيقى ألواناً أيضاً، ويبدو أن ريو يفضلها (قزحية)، يتسرب منها الأحمر بتدرجاته، ورموزه، لاسيما وأنه لون من ألوان علم هولندا، وكذلك تحلق تدرجات الأزرق كناية عن الصفاء الخالد، إلى جانب الأبيض المطمئن.
4 ـ الخلفيات المشهدية المتعددة، المتناغمة بين حركة تشكلات شاشات العرض الإلكترونية، وحركة الخلفيات الطبيعية من أشجار، ومياه، وسماء، وقمر، وشمس، وغروب، وشروق، والخلفية التشكيلية الخاصة بالموسيقار ريو وفرقته شتراوس، والبنية اللونية العامة المتكاملة مع العناصر.
5 ـ الطريقة الفنية المميزة للتصوير والإخراج الحي والمسجل، والكليبات وسواها على الشبكة العنكبوتية.
6 ـ تحويل العروض الموسيقية إلى عروض مسرحية تفاعلية، تستقطب فئات الناس جميعاً، كباراً، صغاراً، شباباً.
7 ـ فضاء التداخلات الصوتية، والتوزيعات الموسيقية المناسبة، وأداءات الصمت والصوت والصدى والفراغ وما بينها، والتحكّم بمداخل الدينامية ومخارجها لتعبّر عن التراجيدي الغنائي، والكوميدي الراقي، وحالات أخرى مختلفة للروح والوجدان والضمير ومرايا موسيقى الما وراء.
8 ـ إضافة الآلات الموسيقية المناسبة، مثل الآلات الوترية، والنفخية، والنحاسية، والإيقاعية، وإنجاز شبكة صوتية باطنية ناتجة عن تركيبية صمتها وصوتها وصداها وسكونها ونبراتها التأويلية.
9 ـ الحوار الحضاري بين الشرق والغرب، وانصهار ثقافتيهما بتكوينات إنسانية عالمية، تتفتح فيها ذاكرة التراث مع ذاكرة اللحظة المعاصرة وذاكرة الآتي، وكأن الأزمنة اجتمعت في لحظة موسيقية أبدية.
10ـ استضافة ريو للموهوبين على المنصة من أطفال وشباب وصبايا، وفائزين ضمن برامج موسيقية عالمية، مثل استضافته للسبرانو أميرة فيليغهاغن الفائزة ببرنامج تالنت الهولندي وكان عمرها (9) سنوات، واستضافته لموسيقيين عالميين أمثال جورج زامفير، السوبرانو الأسترالية موريسيا لاورس، والفنان الألماني دايفيد لوبيغا، والبرازيلية كارمن مونارشا، وعازف الغيتار والمغني الأميركي تريني لوبيز، وفريق بلاتين تينورز، وغيرهم، إضافة لترحيبه بشخصيات فنية ثقافية عالمية، أمثال الممثل والمخرج الويلزي أنتوني هوبكنز المؤلف الموسيقي لمقطوعة فالس (Goes On) حين كان عمره 19 سنة، لكنه بعد 50 سنة يكتشف أن ريو يفاجئه بعزف تلك المقطوعة أثناء حضوره، احتفاء وتكريماً ولفتة إنسانية معهودة لريو.
ويعمل «ريو» على احترام المتلقي وإشراكه تفاعلياً مع العرض الموسيقي أداء ورقصاً وغناء وبكاء وفرحاً وتأملاً، وهذا محور أساسي من المحاور الرئيسة التي شكّلتْ طاقة كهرومغناطيسية موسيقية جاذبة، نتجت عن هذه الجماليات في طريقة الأداء، والتقديم الفني الباذخ للفرقة والحضور الذي شعر بالمشاركة الجوهرية، وكأنه الحركة الخامسة المجازية في السيمفونيات وهي حركة غير موجودة في السيمفونيات، وهنا، نلاحظ أن الموسيقار ريو لم يضع حجاباً لامرئياً بينه والحضور، كما كان ذلك واضحاً في أداء الموسيقى الكلاسيكية، بل، إن ريو أبدع مجالاً نشطاً تفاعلياً بينه وفرقته العازفة والحضور، معتبراً المتلقي شريكاً فعلياً، وعنصراً أساسياً، وبطلاً رئيسياً، على المنصة، في الحكاية، في الفضاء، وفي هذه الموسيقى، وشعريتها، وحكاياتها، وقصصها، وآلامها، وسعادتها، وصورها، ومشاهدها، وأصواتها، وصمتها، وحركاتها، ووضوحها، وغموضها، ومتغيراتها، وتحولاتها الواضحة، وهذا ما دفعه في كثير من الأحيان إلى التعبير عن حالته العفوية، من سعادة وفرح، وأحياناً البكاء الذي لم يستطع مقاومته، كما حدث معه في حفلة الكريسمس في أستراليا.

حالة متألقة
ومن أهم أسرار هذه التحولات التي أطلقت الموسيقى الكلاسيكية من قوالبها المعتادة إلى حداثتها الحيوية، توظيف ريو لعدة فنون أدبية وتشكيلية معاً، توظيفاً تداخلياً جمالياً مع جميع التأثيرات والمؤثرات المعاصرة الحديثة، وهذا يشمل عدة محاور، منها: توظيف طاقات العازفين ومهاراتهم الموسيقية والجسدية توظيفاً فنياً متناسباً مع كل أداء، الاعتماد على حاسة البصر إضافة لحاسة السمع، ما أنتج موسيقى كلاسيكية بلغة بصرية سمعية، خلفيتها الموسيقية لدى المتلقي وجداناته ومخيلته أيضاً، التركيز على عدة نصوص تشاركية في التقديم، السيناريو المسرحي، الاستعراضي، الحكائي، السينمائي، الروائي، الخرافي، الأسطوري، الواقعي، الرومانسي، الدعابي المشغول بصرامة ودقة واضحين، ولا يخفى دور إنجاز المشاهد الدرامية والحوارية والكوميدية من خلال لوحات تشكيلية، وألبسة زاهية فاخرة الألوان، وديكورات خاصة مميزة من إنتاج شركته، ليمنح السعادة من خلال الموسيقى للجميع.
ولذلك، فإن تجربة أندريه ريو الموسيقية تعتبر حالة متألقة خاصة، تشبه حالة الإحياء للتراث الموسيقي الإنساني، على كافة الصعد الموضوعية والفنية، لأنه استطاع أن يبدع في أداء ما يعزفه، ويعيد تشكيله من جديد، من خلال إضافته للمتغيرات على كيفية الأداء الكلاسيكي، ليحول الموسيقى إلى حالة خاصة تقبل كل نبضة وكل صورة، من خلال التشاكُل بين الأجناس الأدبية، والفنون التشكيلية والتصويرية والإخراجية، والمؤثرات التكنولوجية، والاستفادة لأقصى إمكانية من العناصر والعوامل والمكونات الأخرى المعنوية والمادية، لتنتج هذه العروض الموسيقية الإبداعية بدلالاتها الأسطورية الملحمية الخرافية الشعرية السردية والحوارية بين الآلات والأدوات والعازفين والحضور، وبين الفضاء الناتج عن هذه الحركية الواقعية الطبيعية والمخيلتية في آنٍ معاً، ما يجعلنا نعتبر أندريه ريو الموسيقار الحداثي وما بعد الحداثي الذي حوّل الموسيقى الكلاسيكية إلى حالة شعبية فانتازية فلسفية ميثيولوجية.

فانتازيا الأوديسة
يلتقي التراث الإنساني في هذه السيمفونية التي تبدو وكأنها تعود بجذورها الأولى إلى ترتيلة معبدية قديمة، إغريقية، فينيقية، كنعانية، فرعونية، لها طقوسها التي تطورت مع الزمان لتتحول من أنشودة موسمية إلى موسيقى سيمفونية يونانية للموسيقار اليوناني العالمي (إيفانجيلوس) أحد أهم رموز موسيقى العصر الجديد والموسيقى الإلكترونية، وتبدو هذه السيمفونية مبنية على مخيلة إرث أدبي شرقي وغربي، يجمع المتخيل من ملحمة (الإلياذة والأوديسا/‏‏‏‏ هوميروس) مع (رسالة الغفران/‏‏‏‏ أبو العلاء المعري) و(جحيم دانتي)، والملحمة الهندية (المهابهارتا)، وغيرها من الموروث الإنساني الذي تفاعل مع ثيمة الفردوس والجنة.
يبدأ ريو هذه المعزوفة بملامح مترقبة لحدث عظيم، ثم يعطي إشارة البدء الموجهة منه كقائد أوركسترا إلى فرقته التي تبدأ العزف على آلات نفخية معلنة عن حدث عظيم، ثم تظهر في المشهد أمواج من المشاعل المضاءة، يتخلل حاملوها المسرح، مشكلين مع ثيابهم البيضاء حالة تشبه خروج الموتى من المدافن والأكفان، ويحتشدون متداخلين مع دخول الصوت البشري الموسيقي، ليشكلوا حالة متماوجة، ترسم بحراً من الظلال والنور والمخيلة، تعبر بين الحضور، وتصعد الأدراج من جانبي المنصة، لتشكل خلفية دائرية مضاءة بين الدرج والمنصة والطابق العلوي، بينما تستمر المنصة في العزف بحماس وقوة وتصاعدية، ويساهم الحضور والشاشات العارضة والديكور في إضفاء الفخامة والهالة التأملية التي يختتمها ريو كما البرق بإشارة واحدة، متناغمة بين الصوت الإنساني وصوت الآلات والإضاءة الكاملة للمكان بحضوره المتألق وكأنه معبد في أثينا الأسطورية، أو كأنه سفينة من سفن أوديسيوس وآخيل وهي تموج في البحر البعيد. وتشترك بعض مفردات اللغة البصرية لهذه المعزوفة بين إيفانجيلوس وريو، كمفردة المشاعل الضرورية، مفردة الترقب والانتظار والمغامرة والمجهول، والزخم البشري، بينما يستعيض ريو عن سفينة وأشرعة وأمواج إيفانجيلوس بتشكيل السفينة والأمواج بهيكل بشري عكسه حاملو المشاعل.

موسيقى ملونة بالأسئلة
استطاع ريو التأثير بالحياة من خلال الموت وهو يعزف وفرقته معزوفة دي أرانجوز، تلك التي ارتجلها الموسيقار الإسباني خواكين رودريغو حالما وصله نبأ وفاة ابنه، ليعبر من خلال المشهد المتكامل للجنازة والتشييع تصويرياً وإخراجياً وديكورياً وإضاءة خافتة، بنفسجية، زرقاء، صفراء، بيضاء موحية، ورمادية متحركة، فتبدو خلفية الأوركسترا مجموعة من الكنائس، وتضاف إلى الأدوات الموسيقية الأجراس، والبوق، والبان فلوت، والكمان، والقيثارة، وأصوات الفرقة المتصاعدة بآهات متألمة، حالمة، راجية، متناغمة، فترتفع وكأن هناك حواراً متواصلاً بين أعماق الذات وأعماق السماء وأزمنتها بين الليل والنهار والشروق والغروب والضباب والغيوم والصفاء، وبين التساؤلات السرمدية من زاوية إبصارية أخرى، فتبدو الموسيقى الغامضة بين الحِداد والأمل، سوداء، رمادية، بيضاء، صفراء، خضراء، وردية، بنفسجية، تفتح أشرعتها على هدوء استفهاميّ لا يغيب كما يغيب الإنسان لحظة الموت.

معزوفة أنا الــ نحنُ
لا يظل الراعي الوحيد وحيداً، لأن الموسيقار جورج زامفير الروماني المولود عام 1941، يقف على المنصة مع أندريه ريو وفرقته، وحشد كثيف من الحضور، في أجواء سينوغرافية، تعيدنا إلى معبد زيوس، بديكوراته وإضاءته وصوره الفنية المشكلة لحالة تمازج الطبيعة مع الإنسان، لتبدو معزوفة زامفير البطلة الرئيسة في هذا العرض الموسيقي المونودرامي، التي جعلت الضوء وريو والعازفين والمتلقين يذرفون دموعهم بعفوية أنيقة، تترجم التراجيدي مع الدرامي، وتجذب معها حكايات البراري وذاكرة زامفير العجوز مع آلته النفخية (الفلوت المصنوعة من خشب الأبنوس)، لتنقلنا مع رائحة الطبيعة والشجر والأعشاب، وألوان السماء الافتراضية، ليس إلى الفضاء الخارجي، فقط، بل إلى الفضاء الداخلي المجسد بأعماقنا، وذكرياتنا، وما تستخرجه من أرواحنا، خصوصاً عندما تتداخل أنامل ريو على الكمان مع كمان العازفين والبان فلوت والأبواق النحاسية، ثم تنسحب بهدوء هرمينوطيقي، لتترك فلوت زامفير وحيداً يشكو شجنه للكون، ما يجعل العناصر المتعددة في حالة «يوغا موسيقية»، تؤكد على اشتراك الإحساس الفني الجمالي بين الناس مهما اختلفت لغاتهم وألسنتهم وأعمارهم، وهذا ما تؤكده هذه المعزوفة القادمة من الفلكلور الروماني.

بانوراما الفالس وزوربا وفيروز
يمزج ريو في معزوفة فالس 2 لشوستاكوفيتش أمواج الأداء بأمواج الحضور، فترقص الموسيقى برومانسية، وتزداد حيويتها مع أصوات المتلقين ورقصهم واندماجهم بحيث لا فرق بين منصة العازفين ومكان الحضور الذي يصفق دائماً لريو، وهذا ما ينعكس بتماوج مرتفع الإيقاع مع «زوربا»، التي يبدأها ريو بقفزة في الهواء مع كمانه، لينتشر الحماس بين الجميع، فيرقصون على إيقاع البحر والخيل وما يحضر من مخيلة رواية زوربا لليوناني نيكوس كازانتزاكيس، كما يحضر طيف أنتوني كوين في رقصته في فيلم زوربا مع الأمواج والذات والحياة.
ويتألق الحماس الملائكي في معزوفة النصر، وإيقاعها المتسارع، لتشكّل طاقة إيجابية، قابضة على اللحظة قبل الأخيرة من التحليق مع ريو وفرقة بوند الأنثوية، التي مزجت الرقص بالباليه والعزف، عاكسة بملامحها السعيدة حالة من النصر الدائم.
وتبدأ «حكايات من غابات فيينا» باستعراض كوميدي مع ريو، ليتحول الموسيقار يوهان شتراوس إلى واقع معاصر، وبالمقابل، ينقلنا إلى الضفة النقيضة لنكون في المجال لتراجيدي مع معزوفة «كانوا يا حبيبي/‏‏‏ فيروز» ليشعرنا باحتدام الذاكرة والذكريات بهيئة أصوات إنسانية حزينة تتحدى العاصفة والبحر البعيد، لكنها مشرقة من الأعماق، تظللها الموسيقى الطالعة من الآلات المختلفة كخلفية لأصوات الفرقة.
ثم تأخذنا معزوفة فالس «الدانوب الأزرق» إلى نهر يتألف من موجات راقصات شكلها الراقصون، كما أسهم فيها رقصاً بعض الحضور أيضاً، ويوقف ريو موسيقى الدانوب الأزرق لثوان، ليغافل الراقصين من الحضور باستدارة سريعة وابتسامة رشيقة، وكأنه يفاجئهم قائلاً: أنا أراكم سعداء معنا، وتشاركونا، فشكراً لكم.

اقرأ أيضا

قراءة في شروط تملّكها عربياً.. أشواك الحداثة