الاتحاد

ثقافة

سطوع الفن الأسود

ازدهر مفهوم الشتات الإفريقي (Diaspora) في أوائل القرن العشرين، عندما استهلّ عالم الاجتماع دو بويز والصحفي ماركوس غارفي عملهما لاستكشاف التراث الإفريقي لمجتمعات السّود في أميركا ومنطقة الكاريبي، واتّسعت ميادينه مع فرانز فانون، الذي ناضلَ ضد إقصاء الرجل الأسود من شتى مجالات الحياة، لتشمل الفلسفة والتحرر الفكري والفني. حينها، سطعت شمس الفن مع (نهضة هارلم)؛ وهي حركة فنية ظهرت مع الشاعر لانغستون هيوز، ووقفت لعقود كرمز للإبداع الأميركي من أصل إفريقي، فاسحةً المجال لحركات فنية تدعو إلى تحرير إبداعات السود في شتّى بقاع العالم. فبدا الفنُّ سلاحا فعالاً للمّ الشتات ووقف التعسف الاجتماعي والسياسي ضد السود.
لقد كانت النهضة الأولى جزيرة للتعبير عن الذات في أماكن تمّ فيها عزل السّود. وتقوّت الحركة مع التحاق فنانين آخرين، خصوصاً المغنيين والراقصين، لتنجح في نشر أفضل صورها عن الروح والفكر الإفريقي. واشتهرت أكثر مع عازف الجاز كاب كالوي ببذلته البيضاء، والراقصة والممثلة جوزفين بيكر التي تميّزت بهروبها إلى أوروبا من الميْز العنصري، حيثُ ناضلت مع حركة الحريات المدنية بتنانيرها المرصّعة بصور فاكهة الموز.
خلال أواخر الستينيات، نهجَ السود أسلوبهم في النضال، حين رفعت الحركات المطالبة بالحقوق المدنية صوتها عالياً إلى جانب استقلال العديد من البلدان من الاستعمار، والرغبة في بناء الأمم في المستعمرات الخرِبة، ووقف فيضان المهاجرين خارج منطقة البحر الكاريبي وإفريقيا، وبروز أصوات سياسية كاريزمية مؤثرة بين السود، مثل مالكوم إكس ومارتن لوثر. حينها، كان التركيز على الفن وتيرة هامة مع انتشار لا يقاوم لجميع أنواع الموسيقا السوداء وظهور موجات مختلفة من الفن والإبداع مثل الفن التشكيلي والأدب والسينما. فكدَّ الشعراء السود والروائيون والنحاتون والرسامون والمصورون لتوحيد صوتهم إبداعياً وتزيين صورتهم ضد الاضطهاد.

حركة الفنون السوداء
لطالما قدّم الأفارقة مساهمات فنية قيّمة في الثقافة. ومع ذلك، وبسبب وحشية الرّق والعنصرية النظامية لقانون «جيم كرو»، لم يُعترفُ بتلك المساهمات لزمن طويل. وعلى الرغم من استمرار القمع، واصل الفنانون خلق أدب وفن يعكس تجاربهم وحياتهم الخاصة. إلى أن جاء عصر أدبي خاص يسلط الضوء على ثقافة وتاريخ السود؛ وكانت «حركة الفنون السّوداء» أو باختصار (BAM) من أهم نقط التّحوّل التي ساعدت على بروز ونمو الفن الأسود في أميركا. ويشار إليها كحركة جمالية وروحية سوداء طبّقت أفكاراً سياسية في الفن والأدب، وقاومت التأثيرات الغربية التقليدية، مستنبطة طرقاً جديدة، بناءً على إرث الأجداد، لتقديم تجربة جمالية فارقة.
وبعد بزوغ مجموعة «شعراء سويداء الظل (Umbra Poets)» في الشرق مع ستيف كانون وتوماس دنت وإسماعيل ريد ولورينزو توماس عام 1962 و«الحلف اللولبي للفنون (Spiral Arts Alliance)» عام 1963 مع كل من نورمان لويس ورومار بيردن وشارلز أستون، عُرف الشاعر أميري بركة على نطاق واسع بأنه مؤسس (BAM) في عام 1965، وقد وقف إلى جانبه الفنان إموري دوغلاس من حزب «الفهود السود». فأسّسَا مدرسة «مسرح الفنون السوداء»، التي رعت حركة الفنون السوداء. مِثال بركة ألهم العديد من الآخرين لإنشاء مؤسسات وحركات في مناطق أخرى، ولو أنّ بعض هذه المنظمات لم تدم طويلاً، فإن عملها كان له تأثير دائمٌ.

الأفريكوبرا
لا يزال العالم يحتفل بصور المناضلين السود بالألوان الزاهية والشعارات السياسية كل عام، وذلك من خلال حركات فنية دعت فيما مضى إلى الإبقاء على ذكريات معاناة السود، عبر العالم، مع العنصرية ونضالهم ضدها فنياً، ونذكر على الخصوص حركة الفن «أفريكوبرا» (AfriCOBRA)، التي تأسّست عام 1968 من قبل خمسة فنانين وهم جيف دونالدسون وباربرا جونس وجاي وردسوورت جاريل، امتداداً للحركة الشعرية السوداء. وقالت الغارديان في مقالتها المطوّلة عن نهضة السود: «إنهم ناشطون في مجال الحقوق المدنية وجزءاً لا يتجزأ من حركة القوة السوداء، لا تزال هذه المجموعة الفنية حاضرة بقوة. إن الحركة الآن ليست حفرية باهظة الثمن، إنها تتشكل بمجموعة من الفنانين المؤثرين والمفعمين بالحيوية ولا يزالون يعملون حتى اليوم». وكل عام تحتفي الحركة بمعارض عبر العالم، تحت شعار: (روح الأمة: الفن في عصر القوّة السوداء). في العام 1969، أصدرت الحركة بيانها الأول بعنوان «بحثاً عن أمة»، وهدفها إعادة تشكيل عقلية مجتمعات الفن الأسود وتوحيد الكلمة. فكتب العضو المؤسس دونالدسون، أن الهدف كان «تبشير الناس بإيجابية التحرُّك إبداعياً مع الجمع بين التجريد الهندسي والصور الواقعية». ولم يكن الغرض من عملهم الفني إنشاء أمة مستقلة، بل سعوا إلى بث حياة جديدة في العالم؛ حياة من دون عنصرية. كتبت جونز في عام 2008 لجريدة نيويورك تايمز: «كنا على دراية بالتجارب السلبية في حاضرنا وماضينا، لكننا أردنا إبراز النمط الإيجابي للفن من خلال التعبير عن وجودنا كشعب أسود». ويقول فنان الأفريكوبرا هاريس: «كان رفع الإيقاع عنصراً أساسياً في الفن كما في السياسة، ولكن عن طريق الاحتفاء باللون والحياة، وصولاً إلى عين المشاهد وكشف النتائج المقيتة للعنصرية».
كان عددٌ من أعضاء المجموعة جزءاً من منظمة «شيكاغو للثقافة السوداء»، التي ساعدت في إنشاء لوحة جدارية شهيرة عام 1967 بعنوان «جدار الاحترام»، وهو عمل فني سياسي ثوري لتحرير السود أشاد بخمسين بطلاً، بمن فيهم مارتن لوثر وأريثا فرانكلين وويب دي بوا. ولطالما تجاهل رعاة الفن والثقافة هؤلاء الفنانين؛ فلم يتم الاحتفاء بهم في معرض أو متحف أو عرض لأعمالهم للمزاد العلني. لكن، ومع ظهور اللوحة الضخمة في الشارع وانتشار خبر الحركات الفنية السوداء، صارت الناس تتساءل عن سبب نبذهم! «فقط بعدما أدرك الجميع أن هذا جزء من تاريخ الفن وتاريخ الصراع من أجل الحقوق المدنية للسود عبر العالم، بدأت عمليات تسليط الضوء على فنهم،» كما يقول الباحث الجمالي جيري سالتز.
إن «أفريكوبرا» امتدادٌ للحركة السياسية «الفهود السود»؛ فتحمل هذه الحركة نفس الأفكار، إلا أنها تطبقها فنياً. وللحركة دور تاريخي مهم، لأنها مهّدت الطريق للفنانين من أصل أفريقي للسطوع، وأعطتهم صوتاً للحديث عن الاختلاف والقضايا الاجتماعية والسياسية إبداعياً.

«العمّة جيميما»
في عام 1972، وجّه مركزٌ ثقافي خاص بالسود دعوةً للفنانين للمساعدة في إنشاء معرض حول الأشاوس السود. فاستجابت الفنانة بيتي سار، وابتكرت عملاً فنياً عبارةٌ عن دمية معبّرة لأم زنجية تتسلّحُ ببندقيةٍ في يد وتحمل مكنسة في اليد الأخرى. بعد شهور قليلة، صارت قطعة سار التي تحمل عنوان «تحرير العمة جيميما» رمزاً عالمياً يدعو إلى إشعال فتيل الحركة النسائية السوداء.
ولدت سار، البالغة من العمر 92 عاماً، في لوس أنجلوس وتحوّلت إلى صناعة الفن السياسي بعد اغتيال مارتن لوثر. عندها بدأت في إبداع رسوم كاريكاتورية ضد قانون جيم كرو العنصري ومذكرة العالم بحلم مارتن.
كانت سار جزءاً من حركة الفنون السوداء. ولو أن الذكور قد هيمنوا على حركة الفنون السوداء، وكانت الحركة النسوية شبه مختفية. ومع دخول سار عالم النضال السياسي فنياً، أصبح للمرأة صوت كذلك؛ فباتت واحدة من أبرز الفنانات السود اللائي اعتَرف العالم بهن كمقاتلات صامدات ضد تركة العبودية؛ إنها تعتبر الأم الروحية لبقية الفنانات.
تعالجُ العديد من أعمال سار الأخرى القضية العريضة، المتمثلة في إعادة النظر في الصور النمطية المهينة على السود في كل بقعة من العالم، بسبب التاريخ الكالح والسلطة المتسلطة. وتضم العديد من أعمالها الفنية بمسمى «أحفاد العمة جيميما» شخصيات مختلفة للأم الزنجية المسلحة لمواجهة التاريخ العنصري. إنها تخرجُ تضحيات السود الهائلة في سبيل الحرية من الخفاء إلى العلن، لتخلد كل لحظة مدى الحياة في عمل فني ملموسٍ، ولو أن كل عمل فني مليء بألغاز يُرادُ فكّ شيفراته المليئة بالتفاصيل الصغيرة التي تشير إلى تاريخ السود المهمشين، ووحشية النظام. فنجدُ مثلاً إشارات إلى «ممفيس»، المدينة التي اغتيل فيها مارتن لوثر، وإلى العبيد الذين هجّروا عنوة من أفريقيا إلى أميركا، والذين قتلوا في بلدانهم بسبب وقوفهم ضد المستعمر الأوروبي. فتقول سار: «يشجع الفن على الحوار حول التاريخ وأمتنا اليوم، والعلاقات العرقية، والمشاكل التي لا يزال علينا مواجهتها». إن معظم أعمال سار الفنية، وهي عبارة عن أشكال ومنحوتات وتماثيل ولوحات، مصنوعة من مواد أعيد تدويرها أو تم التخلي عنها. فتقول: «الفكرة هي استخدام مواد معادٌ تدويرها أو شبه منسية، بغية العثور على أشياء من الماضي».

السّطوع
عقِبَ هدم جدار العزل، سطعَ وجود الإنسان الأسود في شتّى مجالات الفن. بدأ ذلك، بالخصوص، في سبعينيات القرن الماضي، عندما تعرّفَ العالم على فنانين وروائيين ومغنيين وممثلين ومسرحيين سود مؤثرين بأسلوب حياة وتقنيات إبداع منفردة، حتى أن بعضهم صار أسطورة خالدة.
آنذاك، تولّد وانتشرَ مصطلح (Blaxploitation)؛ وهو نوع فرعي من الأفلام التي تهتمُّ بالاستغلال والتفرقة العرقية. وقد تعرف العالم على هذا المصطلح مع ممثلين كبار -بصموا على اسم لا يُنسى مِثل ماريو فان بيبلز وسبايك لي ودينزل واشنطن ومورغان فريمان. وكذلك انجلى الظلام على اسم أليس والكر وتوني موريسون وجيمس بالدوين في الرواية، وأريتا فرانكلين ومايكل جاكسون وويتني هوستن وتينا تورنر في الموسيقا.
وعلى غرار البقية، ظلّ الفن التشكيلي من أهم الفنون التي طالبت بالتغيير والاعتراف بأحقية السود في التعبير الإبداعي مع بزوغ فجر الاعتراف. فظهر اسم الرسام البرمودي نورمان ويلفريد، الذي ارتبط اسمه بالتعبير التجريدي عن طريق استخدام استراتيجيات تمثيلية للكشف عن الحياة الآنية للسود والنضال من أجل الحياة. أما الفنانة التعبيرية ألما وودسي فقد اشتهرت بلوحات تجريدية وأعمال غزيرة جعلتها أقوى امرأة في مدرسة «واشنطن للون». كما تعرّف العالم على الرسام يعقوب لورانس الذي اشتهر بتصويره للحياة الإفريقية في أرض المهجر، وسمي أسلوبه «بالتكعيبية الديناميكية» مستخدماً الأسود والبني إلى جانب القليل من الألوان الزاهية. فيما عُرفت الرسامة المعاصرة كارا إليزابيث بصورها الظلية وامتياز خاص في فن التركيب. ونجحَ رائد الكولاجات الزيتية وفن الكاريكاتير روماري بيردن في بسط تاريخ وفن جذوره الإفريقية، وعرفت فيث رينجولد بأنها واحدة من أنجح النحاتات وصانعات الألحفة القصصية بألوان مشرقة ومعبرة.

اقرأ أيضا