الاتحاد

ثقافة

اسألوا أبوظبي عن سرها


تلك النظرة العالقة بين الهدب والهدب، سوف تمعن كثيراً في استقراء صفحات الكتاب. تشبه النظرة الأخيرة المحمّلة بالذكريات والوعود. فعلامات الوقف الختامية تنهي النصّ لكنها لا تنهي مكنون من كتبه.
لا يمكن أن تدمج سيرة مدينة بأخرى. فالمدن كما البشر آحاد، يلتئمون لحظة، أو يحتشدون وراء موقف لكنهم يبقون أفراداً يميزهم لون البشرة، وبصمة الصوت، ونظرة العينين، وما وقر في القلوب.
أبوظبي تتفرد بين المدن، بأنها تروي حكاية منسوجة بالخيال والذاكرة.. كأنها مدينة نسجت وهجها ووجهها بمداد الحرف والرؤية والرؤيا.
تدخل إلى أبوظبي من أبوابها الرحبة، تحف بك غابات (المنغروف)، فتمنحك منذ اللحظة الأولى جزءاً من هويتها: فهذه المدينة الصحراوية خرجت من امتدادات الرمال وجعلت من حضورها أيقونة حياة متجددة.
تستشف حضور أبوظبي فيما كتبه أرسطو: «لا يجب الخلط بين المدينة العظيمة والمدينة العامرة بالسكان». لا تحسب أبوظبي بين العواصم والمدن المليونية: القاهرة، بومباي، طوكيو وغيرها، لكن إشعاعها مثير للدهشة.
في أبوظبي تسترجع القيمة الإنسانية أبلغ معانيها. تلقي تحية الصباح على عامل النظافة في الشارع فيتلقفها الطبيب وهو في طريقه إلى عيادته.

***
هل هي نظرة أخيرة على أبوظبي، المدينة التي صاغت ربعاً من أرباع العمر؟ لا، ليست أبوظبي، من تنتهي سيرتها بنظرة أخيرة، لكنها المدينة الحافز لكل ما كان وكل ما هو آت. في أبوظبي تنتمي إلى نسيج المدينة، عن غير قصد، فتصبح بعضاً منها وتصبح هي بعضاً منك.
وهو ما يعبر عنه فيكتور هيجو بقوله «كل صخرة هي حرف، وكل بحيرة هي عبارة، وكل مدينة هي وقفة، فوق كل مقطع وفوق كل صفحة لي هناك دائما شيء من ظلال السحب أو زبد البحر».
ليست زبداً أبوظبي، هي بحر، أزرقه تميمة عشق.
ليست خريطة هذه المدينة، هي حبر، يتوهج في العروق ويحترق على الورق.
ليست سماء هذه المدينة، هي مساءات، تحضن السائل والمحروم وأبناء السبيل.
لا ألقي نظرة أخيرة على هذه المدينة، ولكني عنها أكتب. عن شوارعها التي عرفتها رصيفاً رصيفاً، عن أشجار الشوارع والنخلات الرزينات، عن النوافير التي تشبه دعوة مجانية للمتعة الحلال.. وعن نجوم كانت أقرب إليك من حبل الوريد.
عن هذه المدينة أكتب، المدينة التي لا تمل من سرد تاريخها، منذ أن قدم إليها صيادو اللؤلؤ من العين وليوا، ورموا مضاربهم على شواطئها، وولجوا البحر يصارعونه، فينتصرون عليه حيناً ويصرعهم أحياناً. هذه المدينة التي صاغت تاريخها بمرارة العيش، وإرادة الحياة، تستحق أن تستمع إليها، وأن تكتب من أجلها أنشودة فرح.
***
كثيرة هي المدن التي فقدت خاصياتها التاريخية. نعيش في زمن المدن الطاردة. تواطأ على أغلب المدن العربية، قهر وحرمان، حتى كادت كل مدينة تحتضن بين جنباتها مجزرة ناجزة، أو مجزرة في طور التكوين. قد يستعين الدارسون بخلاصات ابن خلدون المبكرة في تحليل الظاهرة، وربما يلجأون إلى استقراء دلالات العلوم السياسية والاجتماعية المعاصرة، وهذه وتلك تقدم معايير جامدة تضيء ـ على أهميتها ـ جانباً واحداً من جوانب سقوط المدن أو اضمحلال دورها.
تستحق المسألة أن تقرأ من باب المدن الجاذبة أو الحاضنة، وهي مع الأسف ليست كثيرة. فهلا سألتم أبوظبي عن سرّها؟ كيف تشرّع أحضانها لكل باحث عن أمن واطمئنان، وساع إلى عيش كريم؟ كيف باتت هذه العاصمة عاصمة من شرور النفس وانحرافات السلوك؟ كيف اتسعت رحابها لقيم التسامح، وقوانينها الناظمة، ووثيقتها التاريخية «وثيقة الأخوة الإنسانية»، التي تشكل مرجعية لكل مؤمن بحق الإنسان في الحرية والكرامة والمساواة؟
اعرفوا سرّ أبوظبي، تدركون عمق ما أحدثته في الكينونة الإنسانية، وتجترحون الدواء للأدواء التي تعصف بالمدن.

***
لا ألقي نظرة أخيرة على أبوظبي، ولكني أقرأ في كتابها المفتوح أبداً.
ففي هذه المدينة:
كتبت وأمسكت
كبوت وانطلقت
قرأت وقُرِئت
في أبوظبي، ابتهلت، فانفرجت طاقة نور في أوانها.
***
بعد سنوات طوال أطوي صفحة دشنتها في «الاتحاد الثقافي» (صدر عدده الأول في 29 نوفمبر 2007)، لكني لن أطوي نظرتي القارئة في صفحاته.
كان صدور هذا الملحق عن جريدة «الاتحاد» يمثل تحدياً وفرصة في آن، فقد جاء في زمن نعت فيه تقارير مرموقة سلوك القراءة بين العرب. لذلك كان همّ «الاتحاد الثقافي» أن يسترجع القارئ العام وأن يلبي احتياجات القارئ المحترف، بدون ادعاء إحداث انقلابات معرفية. لكنه استطاع أن يكشف عن مكامن المعضلة، فحددها في العدد الأول على هذا النحو: «يقف النص الإبداعي العربي، في أغلبه الأعم، على الحافة الخطرة: يشي ولا يقول، يومئ ولا يدل، يوغل في الحواشي ويرتبك أمام المتن. وذلك ليس عيباً تكوينياً، بقدر ما هو استغراق في المواءمة والمحاباة وإتقان مفرط للعبة الكراسي الموسيقية.
وهو يشبه بالضبط، الصورة السالبة لأصل كان طاغياً طيلة عقود، اتصف بالتمرد والمشاكسة والخروج على المألوف، حتى أصيب بالعقم.
هتف المثقف العربي كثيراً ـ حتى لا نقول صرخ ـ بكلمة «لا» الحاسمة، الرافضة، غير القابلة بالمساءلة والمناقشة.. وحينما أزاحت كلمة «نعم» سابقتها، بدت متلاشية تماماً كتلاشي زمنها.
لا يحتاج السياسي إلى المثقف، لكي يكون مرآة يرى فيها وجهه، فمراياه كثيرة، لكنه يحتاجه لكي يدله على انزلاقاته وانغلاقاته. هكذا كان حال الجنرال ديغول ـ على سبيل المثال ـ مع أندريه مالرو. انتخب بطل التحرير الفرنسي وزير ثقافته لأنه قال كفى، في زمن كانت تعني سلوك الطريق السريع نحو الموت.
وقف مالرو على الحافة وهو يخاطب ضابط جهاز الغستابو، في زمن الاحتلال النازي قائلاً: «ربما أحضرت إلى هنا لكي أعدم بالرصاص، لكنني لم أحضر لكي ترفع صوتك عليّ! كفى!».
هذه الـ«كفى» لا تشبه الـ«لا» المطلقة، وتناقض تلاشيات الـ«نعم»، لأنها تشق سياقاتها بوعي، فأوصلت قائلها على الطريق السريع لاستعادة وهج ووجه فرنسا الثقافي بعد تشويهات الحرب العالمية الثانية.
هناك تشويه كثير أصاب الوجه الثقافي العربي، فقد مرت عليه حروب وصراعات مدمرة. هشمته الـ«لا» ومسخته الـ«نعم»، وهو يحتاج إلى أن يقول لنفسه أولا«كفى».. ربما تنقله على الطريق السريع من الحافة إلى ما بعدها أو ما قبلها».
***
أطوي صفحة في «الاتحاد الثقافي»، كمشروع عُمّر بجهد كوكبة رائعة من العاملين، صحافيون وكتّاب، بذلوا أقصى طاقاتهم واستخرجوا أفضل ما عندهم. كان «الاتحاد الثقافي» من صنع كل واحد منهم ومنهن، ويستحقون جميعاً التنويه بأسمائهم، فإن لم أذكرها في هذا المقام فإنها ستبقى قارّة في ضميري ووجداني، ويبقى من بين الجميع موقع خاص للأستاذ عبد العزيز جاسم، الذي طبع بصمة خاصة على صفحات الملحق طوال فترة توليه مسؤوليته.
ومع هؤلاء أضافت ثلّة من كبار الكتّاب والمثقفين من مختلف أنحاء العالم العربي، إضافات وازنة لصفحات الملحق بدراسات ومقالات رؤيوية تؤسس في مجموعها لمشروع ثقافي يستحق الدراسة.
ولم يكن هذا المشروع ليتحقق لولا احتضانه من قبل إدارة «الاتحاد» الجريدة الأم بروح رؤيوية، تنبع أصلاً من استراتيجية دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعتبر إن الثقافة هي أساس ومضمون قوتها الناعمة.
تلك ليست نظرة أخيرة على المدينة، ولا على الكتاب الذي يحمل اسم «الاتحاد الثقافي»، ولكنها قراءة أخيرة فيه مقرونة بالعرفان والتقدير للمكان وللسنوات وللوجوه، لأولئك الذين أتعبتهم، ولغيرهم الذين عوّضوا نقصي بكمالهم.

اقرأ أيضا

شعرية الإيجاز.. وفتنة تنهشها الكوابيس