العنف.. لماذا يتفشى في مجتمعات تحيتها السـلام؟ لمواجهة العنف المتمسح بالدين، انطلقت من العاصمة أبوظبي حزمة من المبادرات والمراكز التي تستهدف تكثيف الجهود محلياً وإقليمياً ودولياً لمواجهة الفكر المتطرف، وتعتمد طرق وأدوات متنوعة يساهم فيها نخبة من المختصين وعلماء الدين، وتتضمن هذه المبادرات: «هداية» لمكافحة التطرف العنيف يستهدف مركز «هداية» الذي تأسس بمدينة أبوظبي يوم 14 ديسمبر 2012، أن يكون المؤسسة الدولية الأولى للتدريب والحوار والتعاون والبحوث في مجال مكافحة التطرف العنيف بكل مظاهره وأشكاله، ودعم الجهود الدولية الساعية لمنع الإرهاب ومكافحته. كانت فكرة المركز قد انطلقت أثناء الاجتماع الوزاري لأعمال المنتدى العالمي لمكافحة التطرف بنيويورك في سبتمبر 2011، حيث عرضت دولة الإمارات استضافتها للمركز، وقدمت مساهمة مالية كبيرة لدعمه. ويضم المركز الخبرات والخبراء من أجل مكافحة التطرف العنيف بكل أشكاله ومظاهره والمساهمة في الحد من أعداد الداعمين للمجموعات الإرهابية، عبر اتباع سبل غير قسرية، إلى جانب دعمه للحكومات ومنظمات المجتمع المدني، في مجال مكافحة التطرف العنيف. تتمحور نشاطات العمل في مركز هداية- بحسب مقصود كروز المدير التنفيذي للمركز- حول ثلاثة مجالات رئيسة، هي: أولاً: الحوار المركز، وهو بمثابة منبر دولي لانعقاد مناقشات جادة وتنسيق التعاون بين الجهات الفاعلة الوطنية والمحلية ومنظمات المجتمع المدني والباحثين وقادة المجتمعات المعنيين بمجال مكافحة التطرف العنيف، وثانياً: التدريب، حيث يسعى المركز لتقديم التدريب وغيره من الأدوات العملية لتعزيز قدرات الجهات المعنية الحكومية وغير الحكومية في وضع وتطبيق برامج وسياسات فعالة لمكافحة التطرف العنيف. وثالثاً: البحوث، من خلال فهرسة الأبحاث الحالية حول مكافحة التطرف العنيف وإجراء أبحاث جديدة سعياً لفهم دوافع التطرف العنيف والطرق الفعالة في مكافحته. وقام المركز بالعديد من الأنشطة والفعاليات في هذا المجال، منها مبادرة «عقول مبدعة للخير» بالشراكة مع وزارة الخارجية الأميركية وشركة فيسبوك من أجل رفع قدرات الأصوات التي تتحلى بالمصداقية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوضع ونشر محتويات مقنعة عبر شبكة الإنترنت لا سيما مواقع التواصل الاجتماعي، والتي من شأنها التصدي للخطاب الإرهابي وتعزيز الخطاب الإيجابي البديل في المنطقة. وعمل مركز هداية على إعلاء صوت التسامح والسلام عبر شبكة الإنترنت عبر صياغة مبادرات الاتصالات الإبداعية للتصدي للدعايات الإرهابية، مثل إنشاء مكتبة مركز هداية الافتراضية للخطاب المضاد، وهي بوابة وقاعدة بيانات إلكترونية تضم مجموعة كبيرة من مصادر الخطاب المضاد للتطرف والعنف. صواب يتصدى لدعايات «داعش» تأسس مركز «صواب» كمبادرة إماراتية - أميركية مشتركة في يوليو 2015م، للتصدي لدعايات وأفكار تنظيم «داعش» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتشجيع الجماعات والأفراد على البقاء متيقظين، والمشاركة بشكل فاعل واستباقي في مكافحة التطرف عبر الإنترنت. ووفر المركز الفرصة لإسماع أصوات الملايين من الناس حول العالم ممن يعارضون تنظيم «داعش»، وممن يؤيدون ويدعمون جهود المركز في كشف الطبيعة الإجرامية والوحشية للتنظيم. ويقدم المركز مواد وفعاليات على شبكات التواصل الاجتماعي باللغتين العربية والإنجليزية لتحقيق هذا الهدف، وتمكن حسابه على «تويتر» (@SawabCenter)، خلال عام، من جذب أكثر من 68 ألف متابع، وعمل على توسيع نشاطاته عبر مواقع ومنابر التواصل الاجتماعي الأخرى، ومن ضمنها «إنستجرام»، و«يوتيوب» كما أطلق صفحة المركز على موقع الفيسبوك، ليفتح بذلك جبهة جديدة في مواجهة انتشار التطرف إلكترونياً. وحصلت الصفحة خلال الشهر الأول من إنشائها، على ردود وتفاعلات إيجابية كبيرة من أكثر من 36 ألف متابع، بحسب بيان نشره المركز. ويراقب المركز رسائل تنظيم «داعش» المتطرفة ويعمل على التصدي لها، بإنتاج مواد بصرية كأشرطة الفيديو، والرسوم البيانية، والمتحركة. مجلس حكماء المسلمين يهدف «مجلس حكماء المسلمين» الذي أنشئ في أبوظبي كهيئة دوليَّة مستقلَّة يوم 19 يوليو 2014م، إلى تحقيق السِّلم والتعايش في العالم الإسلامي، ومحاربة الطائفية، وتحديد أسس التعايش بين مواطني البلد الواحد والبلدان المسلمة المختلفة، ووضع الحلول لمعالجة الصراعات الداخلية بين المسلمين. وتعزيز روح التسامح والحوار، وإتاحة الفرصة لحكماء الأمة من خلال المشاركة في صناعة الحلول الدائمة لتعزيز السِّلم في المجتمعات الإنسانية كافة. يضم المجلس عدداً من كبار علماء المسلمين حول العالم ممن يُوصفون بالوسطية، ويرأسه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر وفضيلة العلامة عبدالله بن بيه. مركز الموطأ يسعى مركز الموطأ الذي أنشئ في أبوظبي عام 2016م، إلى تجديد الخطاب الإسلامي على قاعدة التأصيل والتصحيح للمفاهيم والمصطلحات، مستلهماً روح المقاصد وحكم الشريعة، في التعريف بالثقافة الإسلامية ونشر قيم السلم والتسامح. ووفقاً للكتاب التأسيسي للمركز، يشرف «الموطأ» على العديد من المشاريع والبرامج الثقافية، منها: «منتدى تعزيز السلم» يقوم المنتدى بمهمة تأصيل ثقافة السلم والحوار والتعايش الإنساني في الإسلام، ورفد الخطاب السلمي العالمي بقيم التعارف الإسلامية، ونبذ العنف والتطرف وإقصاء الغلاة والمتشددين، مستلهماً روح القرآن الكريم وجوهر السنة النبوية الشريفة، بالإضافة إلى جهد المنتدى في تصحيح المفاهيم الدينية الملتبسة لدى البعض. ويعمل المنتدى على مجموعة من الإصدارات العلمية، منها: موسوعة السلم في الإسلام. وسلاسل: «تصحيح المفاهيم»، و«فقه السلم»، و«ملخصات مترجمة». جائزة الإمام الحسن الدولية يمنح منتدى تعزيز السلم، جائزة الإمام الحسن بن علي الدولية للسلم سنوياً للعلماء والمفكرين من ذوي الإنجازات العلمية، والمبادرات العملية في صناعة ثقافة السلم، وتأصيل قيمها في المجتمعات المسلمة. تستلهم الجائزة الموقف العظيم الذي وقفه سبط رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين أصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين، حقناً للدماء، باعتبار أن الإمام الحسن بن علي (رضي الله عنه) يليق به أن يكون قدوة حسنة لشباب المسلمين. وتهدف الجائزة إلى نشر وتعميم ثقافة السلم والحوار والتعايش، فضلاً عن السعي إلى تحديث وسائل وآليات ومناهج مخاطبة وإقناع الشباب المسلم، كيلا ينزلق إلى العنف والتطرف. برنامج إعداد العلماء الإماراتيين يسعى البرنامج إلى تخريج نخبة من الكفاءات الإماراتية الشابة، المؤهلة علمياً وعملياً، لنشر قيم الإسلام السمحة، وتعاليمه السامية على مختلف الصعد، ويتضمن البرنامج خطة دراسية على مدى ثلاث سنوات، تجمع بين روح المقاصد وحكم التشريع، وفق منهجيات أكاديمية متخصصة في دراسة الفقه وعلوم الحديث والتفسير والفتوى، والبحث العلمي، بهدف إعداد علماء إماراتيين، يتفاعلون مع الواقع، ويستجيبون لأسئلته وتحدياته التنموية والحداثية، برؤى إسلامية معاصرة. حوار الشرق والغرب برنامج يقوم على تواصل علماء وعقلاء المسلمين مع ممثلي مختلف الطوائف والمذاهب والأديان حول العالم، بغرض بحث سبل الحوار والتفاهم «بالتي هي أحسن»، حسب نهج وروح الدين الحنيف، لنزع فتيل الخلافات حول مجمل القضايا الإنسانية، بدءاً من مواجهة الغلو والتطرف والإرهاب كيفما كان، ومن أينما جاء، وصولاً إلى إخماد الفتن ووقف الحروب، وتركيز الجهد على التعاون البناء في معالجة مشكلات الفقر والصحة ومكافحة أوبئة العصر. 10 سنوات في السجن وظفها لمراجعة فكر العنف المتمسح بالدين كمال حبيب يروي لـ «الاتحاد» رحلته من التطرف إلى الاعتدال التنظيمات العنيفة تحولت إلى مدافع في أيدي أعداء الأمة الدكتور كمال حبيب الذي جذبه الفكر المتطرف المتمسح بالدين حينما كان طالبا، وسجن 10 سنوات ثمنا لذلك مع متطرفين آخرين، استغل سنوات السجن ليراجع مقولات المتطرفين ويقرأ الفكر الإسلامي الأصيل وقبيل خروجه كان قد ايقن تماما بخطأ هذا الفكر الضال وتوصل إلى قناعة تامة بأن تنظيمات العنف ستفكك المجتمعات الإسلامية وتأكد أنهم يجتهدون في مواجهة الأمة وليس من أجلها، وأنها تحولوا إلى مدافع في أيدي أعداء الأمة دون أن يعو بذلك، لذا كان عليه ان ينبه مجتمعه ويحذره من هذا الخطر عبر محاضرات وحوارات وكتب عديدة لمراجعة هذا الفكر والرد عليه، منها «الحركة الإسلامية من المواجهة إلى المراجعة» و«تحولات الحركة الإسلامية والاستراتيجية الأميركية» و«أزمة الحركة الإسلامية في مصر.. قراءة في الأفكار والتحولات» و«هاتف الخلافة.. شهادة جديدة على أحداث الفنية العسكرية» (تحرير وتقديم) و«أزمة الإخوان» المسلمين» (مشارك). ويروي د. حبيب لـ«الاتحاد» في السطور التالي تجربته من داخل الجماعات المتطرفة حيث التحق بتنظيم الجهاد وخلاصات ما توصل اليه خلال سنوات من الاحتكاك المباشر مع ثقافة العنيف المتمسح بالدين. يقول: مع ظهور الجماعات الإسلامية في الجامعة في مطلع السبعينيات، كنت التحقت بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وكان توجهنا للإسلام فطريا، وكنا نعتبره هوية جديدة وبديلة بعد سقوط القومية وهزيمة عبد الناصر في عام 1967. وظلت الجماعة الإسلامية داخل الجامعة مستقلة عن أي نشاط إسلامي خارجها، ولكن في عام 1978 دخل الإخوان على قيادة الجماعة الإسلامية في القاهرة سراً وأقنعوهم بالانضمام إليهم باعتبارهم الجماعة الأقدم والأم فاقتنعوا ودخلوا، وهو ما قاد لانقسام الجماعة الواحدة إلى مجموعات لها ميول جهادية في الصعيد ومجموعات لها ميول سلفية في جامعة الأزهر، ومجموعات متفرقة في كليات متعددة انضمت لتنظيم الجهاد. جماعة التكفير ويضيف: لم يكن عامل العنف والتكفير شائعا، صحيح ظهرت جماعة التكفير وكان لها أنصار في الجامعة أيضا، وهزت أركان المجتمع على المستوى الفكري والاجتماعي، غير أن تيارات مستقلة ممن كانوا قريبين من التيار السلفي والجهادي دخلوا مع قائدها شكري مصطفى في نقاشات أدت إلى تدهور الجماعة وسقوط منظومتها الفكرية.يوضح أن سبعينيات القرن الماضي كان التيار الإسلامي كما لو كان خروجا من القمقم بعد أن كانوا ممنوعين بقوة الدولة الناصرية، وكان هذا الخروج في كل الاتجاهات، وبشكل غير منظم، حتى التقى إسلاميو الصعيد بمحمد عبد السلام فرج فأسسوا فرعا لتنظيم الجهاد، وكان محمد سالم الرحال وهو إسلامي أردني يدرس في الدراسات العليا بالأزهر والتقيته وتشكلت مجموعة جديدة تؤمن بالفكر الجهادي، ومع تحول السياسة المصرية نحو السلام مع الكيان الصهيوني ومعاهدة السلام وزيارة السادات للقدس، ومع استخدامه للدين في السياسة ظهرت أزمة طائفية مع غير المسلمين ثم وقعت أحداث 3 سبتمبر 1981م واعتقاله لألف وخمسمئة معارض سياسي. وهنا التقت التنظيمات الجهادية وتوحدت وقدر الله لخالد الإسلامبولي أن يكون ممن يشاركون في العرض العسكري يوم 6 أكتوبر، وتم اغتيال السادات الذي دشن لصعود الظاهرة الجهادية المواجهة للدولة المصرية. تأثره بسيد قطب وحول بدايته في هذا الطريق قال كنت شابا صغيرا في السن، وقد قرأت لسيد قطب أغلب كتابه مثل «في ظلال القرآن، و«معالم في الطريق»، وكان تأثرنا بكتابات قطب عاطفية، وفي ذلك الوقت كانت كتب ابن تيمية تطبع على نطاق واسع وبخاصة «مجموع الفتاوى» و«الفتاوى الكبرى» ، و«اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم»، كما كتب محمد عبد السلام فرج كتابه «الفريضة الغائبة» واعتبر أن الجهاد ومقاومة الدولة التي لا تحكم بالشريعة والسعي لإقامة الدولة الإسلامية المنشودة – هو السبيل الوحيد لإنجاز تطبيق دولة الإسلام والعودة مرة أخرى للحكم بشريعة الإسلام. دخول السجن ويضيف: في خضم ذلك دخلت السجن وحكم علي بعشر سنوات، وفي السجن بدأت تتفتح عيناي على الحقيقة بعد توسعت قراءاتي خارج نطاق الفكر المتطرف حيث قرأت مالك بن نبي وتعمقت أكثر في فهم الشريعة، وقرأت كتاب الموافقات للشاطبي مرات عديدة، وبدا ما كان بسيطا أمامي عميقا، فالشريعة ليست مجرد نص تأخذه وتستنتج منه خلاصات نهائية ومواقف في مواجهة المجتمع والدولة، ودارت بيني وبين قيادات في السجن نقاشات طويلة ومعمقة حول الانتخابات مثلا والنظام السياسي والديمقراطية وكيف أن هذه كلها ليست ضد الإسلام، وقبل خروجي من السجن كنت قد وصلت إلى قناعة تامة أن العنف يحمل في داخله بذور فنائه، وأن تنظيمات العنف ستفكك المجتمعات الإسلامية من دون الوصول إلى غاياتها ومن ثم فإنها تجتهد في مواجهة الأمة وليس من أجلها وأنها تحولت إلى بنادق في يد أعداء الأمة من دون أن تدري. ويرى أن التحول الكبير في ظاهرة الجماعات الجهادية كان بسب أحداث أفغانستان بشكل رئيسي والجزائر من بعدها، ثم الاحتلال الأميركي للعراق ثم عسكرة الثورة السورية. ويقول إن خلاصة تجربتي أن التنظيمات التي تجذب الشباب المسلم أيا كانت هي خطر كبير لا تذهب إليها، لديك أمتك فيها مجال واسع لتعبر عما تريد، كما أن العنف والإرهاب ليس سبيلا لتحقيق مقاصد الإسلام، لأن مقاصد الدين الحنيف هي تحقيق مصلحة الخلق والأمة واستقرارها، والحفاظ على مدنيتها وعمرانها. مرحلة التوحش ويؤكد أن العنف يبدأ صغيرا ثم يكبر حتى يبلغ مرحلة التوحش كما هو عند تنظيم داعش الآن، وحين بدأت تلك الظاهرة المتوحشة في عام 1997 بقصد السياح في الأقصر، لم أكن قادرا على الصمت لترك الإسلام توظفه تلك الجماعات لصالح مشروعها الإرهابي العدمي فكانت المراجعات، وبدأت الجماعة الإسلامية مراجعتها لهذا الفكر الضال. ويتوجه بحديثه الى الشباب قائلا: كن أيها الشاب لأمتك، واسع على قدر ما تريد لتغييرها ودفعها للتقدم، فالقدرة أصل التكليف، واجتهد لأمتك ولا تجتهد في مواجهتها، واعمل على أن يكون لك موطئ قدم في البناء والعمران وتحقيق الاستخلاف، ولا يغريك جاذب العنف فإنه يأخذك إلى عوالمه التي ستفقد فيها إنسانيتك وانتماءك وتتحول إلي وحش كاسر ضد دينه وأمته والعالم والإنسان حيث كان.