الاتحاد

عربي ودولي

شرق ليبيا يئن من العوز لكنه مستعد للصبر حتى رحيل القذافي

بنغازي (رويترز) - يبحث محمد إبراهيم بين أكوام القمامة على أطراف مدينة بنغازي، معقل المعارضة الليبية، عن أي شيء ذي قيمة، غير عابئ بجحافل الذباب التي تحوم في المكان، ويقول “أحياناً أجد حطباً .. وأحياناً أخرى أكون محظوظاً وأجد قطعة سلك نحاسي .. أي شيء يمكن أن أبيعه .. أعرف أن نهاية الحياة الصعبة قريبة .. معمر القذافي سيغادر قريباً .. كل شيء سيتغير، وسأحصل على وظيفة ومنزل لأسرتي”.
ويرى إبراهيم وهو جندي سابق في قوات القذافي في الخمسينات من عمره شأنه شأن الكثيرين في الشرق الذي تسيطر عليه المعارضة أن الإطاحة المتوقعة بالقذافي حل فوري لكثير من مشكلاته في منطقة تعاني البطالة وتردي الخدمات الاجتماعية والبنية الأساسية. لكن مع دخول الحرب شهرها الخامس وعدم إظهار القذافي أي إشارة على التنحي، فلن يكون هناك أي حل سريع على ما يبدو.
فمشكلات عهد القذافي القديمة فاقمتها موجة من المشكلات المستجدة، الأمر الذي أربك قيادة المعارضة في بنغازي التي تعاني ضائقة مالية. ويؤدي غلاء المواد الغذائية والانقطاع المستمر للكهرباء بسبب نقص الديزل في المحطات إلى إضعاف ثقة الناس وإن كان على نحو بطيء. كما أن المدارس لا تزال مغلقة ويسود إحساس بعدم وضوح الرؤية في منطقة تعج بالسلاح والألغام الأرضية.
وقال عادل التاجوري وهو طبيب أطفال في مستشفى بنغازي الرئيسي “لم أعد أفكر متى ستنتهي الأزمة .. ما أفعله هو التخطيط للغد فحسب، هذا كل ما في الأمر .. المستشفى لا يوجد به عدد كاف من الممرضات ولا تزال عنابر كثيرة مغلقة .. وفي المنزل لا توجد كهرباء إلا لأربعين في المئة من الوقت .. من الصعب شراء طعام الأطفال والأسعار ترتفع، لكن الناس يتذرعون بالصبر، فالأزمة ستنتهي في مرحلة ما”.
وفي ظل هذه الأوضاع تتناثر أكوام القمامة في الشوارع وتفوح رائحة الصرف الصحي الكريهة في أجواء بعض المناطق. ولا يزال كثير من المنازل يحمل آثاراً ناجمة عن إطلاق الرصاص من قتال سابق. وبالطبع العمل متوقف في مواقع الإنشاء.
ودائماً ما تعول ليبيا على استيراد الغذاء، لكن انخفاض قيمة عملتها بصورة سريعة يجعله أغلى سعراً. فالدينار الليبي يجري تداوله حالياً بنحو 1,80 دولار في السوق السوداء مقارنة بنحو 1,25 دولار قبل الحرب.
ومع استمرار فقد كثير من الأشخاص أو ذهابهم إلى جبهة القتال يعاني كثير من الأسر من أوضاع نفسية صعبة. ويجري اكتشاف المقابر الجماعية بانتظام حول الشرق. ولا يزال أشخاص كثيرون محاصرين في المناطق الغربية التي تسيطر عليها الحكومة ولا يستطيعون الوصول إلى أسرهم في الشرق.
وتلاقي القيادة في بنغازي وهي المدينة التي تفجرت فيها الانتفاضة ضد القذافي في فبراير الماضي ويسكنها 700 ألف نسمة، صعوبة في تلبية احتياجات السكان وتعتمد كلية على المعونات الأجنبية لدفع الرواتب وتمويل العمليات العسكرية المكلفة على جبهات عدة. ولديها ما يكفي بالكاد من الأموال لمواصلة العمليات اليومية.
وغرقت المدينة الساحلية الأسبوع الماضي في الظلام بعد انقطاع الكهرباء قرابة يومين قبل وصول 100 مليون دولار من قطر في اللحظة الأخيرة. وقال مسؤولو المعارضة “إنهم يدركون أن الإطاحة بالقذافي وحدها لن تكون حلاً سريعاً وإن العمل الشاق والتنمية على مدى سنوات لازمة لاستعادة الحياة الطبيعية”.
وقال وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو الذي زار بنغازي في الثالث من يوليو ليتعهد بتقديم معونة قدرها 200 مليون دولار للمجلس الوطني الانتقالي “لقد شاهدت الأوضاع في بنغازي .. إنها بحاجة لإعادة إعمار حقيقية .. ليبيا بلد غني ولن تحتاج لأموال إضافية عندما تستقر الأوضاع فيها”. وكانت ليبيا مصدراً كبيراً للنفط بمنظمة أوبك قبل الصراع، لكنها الآن لا تنتج الخام فعلياً بسبب الدمار الذي لحق بمنشآتها النفطية.
وفي الشرق تلاقي المعارضة صعوبة أيضاً في دفع رواتب القطاع العام، وهي مشكلة كبرى في بلد تعتمد شريحة ضخمة من المجتمع فيه على الرواتب الحكومية بسبب عقود من الحكم المركزي للقذافي. وقال مازن رمضان المسؤول المالي والنفطي الكبير بالمعارضة “نحن في حرب ونتوقع أن يضحي الناس .. من الواضح أننا نفعل ما في استطاعتنا”.
وأنحى كثيرون باللائمة على القذافي شخصياً في مشكلاتهم ولا يحملون ضغينة للمجلس الانتقالي الذي يحكم الآن ليبيا من الحدود المصرية إلى مدينة أجدابيا، بالإضافة إلى جيوب تسيطر عليها المعارضة في غرب ليبيا. وقال مواطن يدعى عبد الرحيم عمره 57 عاماً ولا يعمل منذ صادر مسؤولو القذافي كشكه قبل سنوات “بعض الناس غاضبون بالطبع وآخرون قلقون فحسب .. الحياة ليست سهلة والأمور أكثر صعوبة الآن .. إنها حرب والناس مستعدون للانتظار .. أنا صابر أيضاً”.
ومع غياب التخطيط المركزي هبت القواعد الشعبية لتشغل الفراغ في جميع مناحي الحياة وتجلب قدراً من النظام والقانون. فجامعو القمامة ينزلون إلى الشوارع يومياً ويساعد الشبان الشرطة في توجيه حركة المرور. وتسير مجموعات الحراسة دوريات في المناطق وترابط عند نقاط التفتيش. ويجمع المتطوعون الأطفال ليعلموهم في ظل غياب أشكال التعليم الأخرى.
وقال آخرون إنهم خائفون من أن ينتهز الموالون للقذافي والمعروفون بـ”الطابور الخامس” فرصة غياب القانون إذا طال أمد الصراع. وقال سعد فرحاني وهو مهندس طيران سابق “المدارس مغلقة والمجاري تغرق الشوارع والأمن متراخ والطابور الخامس في كل مكان .. سنبني كل هذا في المستقبل”.
وفي بنغازي تبدو الحياة مختلفة قليلاً في السوق. وقال خالد نجار بينما كان يجلس تحت السقف الخشبي لمتجره الذي يرجع لعصر الملكية ويبيع فيه الأعشاب الطبية إن نشاط أسرته التجاري اجتاز حروباً وغزوات عدة وسيصمد مرة أخرى. وقال وهو يبتسم وينفض التراب برفق عن مرطبانات زيوت عشبية بقطعة من القماش “لا أعرف كيف تمكن القذافي من البقاء كل هذه الفترة .. ربما يستخدم السحر الأسود .. لكننا نستطيع أن ننتظر رحيله مهما استغرق ذلك من وقت .. لقد انتظرنا 42 عاماً وبوسعنا الانتظار أكثر قليلاً”.

اقرأ أيضا

واشنطن ستسمح بالاحتجاز غير المحدد بوقت لأطفال المهاجرين