صحيفة الاتحاد

ألوان

ابن عساكر.. ناصر السنة النبوية

القاهرة (الاتحاد)

هو علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، الملقب بـ«ابن عساكر»، والمولود في مدينة دمشق سنة 499 هجرية، نشأ في بيئة علمية، كان والده شيخاً صالحاً ومحباً للعلم والعلماء، وأخوه الأكبر صائن الدين فقيهاً مفتياً، وكان جده لأمه يحيى بن علي بن عبد العزيز قاضياً وفقيهاً كبيراً.
بدأ ابن عساكر في طلب العلم، وهو في السادسة من عمره، فأخذ يتلقى الدروس من أبيه وأخيه، وكبار علماء دمشق، كما أخذ من علماء الجامع الأموي، والذي كان أعظم مركز للعلم في ذلك الوقت.
تتلمذ ابن عساكر على أيدي الفقيه أبي الحسن علي السلمي، عمدة أهل الشام ومفتيهم، ولازم الغزالي مدة مقامه بدمشق، وعندما بلغ الحادية والعشرين من عمره، اتجه نحو رواية الحديث، حيث جمع من معرفة المتون والأسانيد، وحَفظ فأتقن، وقرأ فتثبت، وعزم على طلب المزيد والوقوف على آراء مشاهير العلماء والفقهاء، فقرر أن يرحل إلى بغداد رغبة في طلب علم الحديث، حيث كانت بغداد في ذلك الوقت المركز الأساسي الذي يجذب طلبة الحديث والفقه والعلوم.
وفي عام 521 هجرية، رحل ابن عساكر من بغداد إلى الحج، فسمع بمكة ومنى والمدينة، من عبدالله بن محمد المصري الملقب بالغزال، وعبد الخلاق بن عبد الواسع الهروي، ثم عاد إلى بغداد، وقال عنه شيخه أبو الفتح المختار بن عبد الحميد: قدم علينا هذا فلم نر مثله.
أقام ابن عساكر ببغداد خمسة أعوام، تتبع فيها كبار العلماء والفقهاء والمحدثين مستمعاً إليهم، قارئاً عليهم، مكثراً في ملازمتهم حتى سنة 525 هجرية، وقد استنفد ما عند الشيوخ من أحاديث بالغ في طلبها منهم فأتقن حفظها، وتلقى متونها وأسانيدها، فقرر العودة إلى دمشق.
بقي ابن عساكر في دمشق ملازماً علماءها وفقهاءها وكبار محدثيها، حتى أصبح حافظاً فهماً متقناً، وبقي إلى سنة 529 هجرية، حيث عزم على التوجه إلى مراكز ازدهر فيها علم الحديث وانتشر الفقهاء والعلماء والمحدثون، فكانت رحلته نحو الشرق نحو بلاد العجم، فارتحل إليها وطاف في مراكزها ومدنها وبالغ في طلب الحديث فيها على كبار شيوخها ومحدثيها.
قال عنه الإمام الذهبي في سير الأعلام: وعدد شيوخه في معجمه ألف وثلاثمائة شيخ بالسماع وستة وأربعون شيخاً أنشدوه وعن مئتين وتسعين شيخاً بالإجازة الكل في معجمه وبضع وثمانون امرأة لهن معجم صغير سمعناه. قرر ابن عساكر الاستقرار في دمشق، بعد أن حقق قدراً عالياً من بناء شخصيته العلمية والفقهية، وبعد أن ذاع صيته وانتشرت أخباره وتناقل العلماء أخبار فطنته وسعة حفظه وإتقانه وتردد اسمه في الآفاق.
اتجه ابن عساكر إلى الجمع والتصنيف والرواية والتأليف، حيث ألف ما يزيد على الستين كتاباً، وباستثناء تاريخ دمشق، فإن معظم مؤلفاته في الحديث وبعضها في الفضائل، ومنها: الاجتهاد في إقامة فرض الجهاد، الأحاديث الخماسيات وأخبار ابن أبي الدنيا، الأحاديث المتخيرة في فضائل العشرة، أمالي في الحديث، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري، ثواب الصبر على المصاب بالولد، الزهادة في بذل الشهادة في مجلد، سباعيات في الحديث - غرائب مالك عشرة أجزاء، فضل أصحاب الحديث، كتاب فضل مكة، كتاب فضل المدينة، كتاب فضل قريش والأنصار والأشعريين وذم الرافضة.
وبقي ابن عساكر منكباً على التأليف والتصنيف والتدريس، وحملت مكانته الرفيعة الملك العادل نور الدين زنكي على العناية به، فبنى له دار الحديث النورية، وانصرف ابن عساكر إلى التدريس فيها حتى وفاته سنة 571 هجرية.