صحيفة الاتحاد

ألوان

إنما ?الأعمال ?بالنيات

أخرج الشيخان في صحيحيهما عن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ- رَضِيَ ?اللَّهُ ?عَنْهُ- ?قَالَ : ?سَمِعْتُ ?رَسُولَ ?اللَّهِ- صَلَّى ?اللَّهُ ?عَلَيْهِ ?وَسَلَّمَ- ?يَقُولُ : (?إِنَّمَا ?الأَعْمَالُ ?بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا ?لِكُلِّ ?امْرِئٍ ?مَا ?نَوَى، ?فَمَنْ ?كَانَتْ ?هِجْرَتُهُ ?إِلَى ?اللَّهِ ?وَرَسُولِهِ ?فَهِجْرَتُهُ ?إِلَى ?اللَّهِ ?وَرَسُولِهِ، ?وَمَنْ ?كَانَتْ ?هِجْرَتُهُ ?لدُنْيَا ?يُصِيبُهَا، ?أَوْ ?امْرَأَةٍ ?يَنْكِحُهَا، ?فَهِجْرَتُهُ ?إِلَى ?مَا
?هَاجَرَ ?إِلَيْهِ)، وهذا حديث صحيح أخرجه الشيخان «البخاري ومسلم» في صحيحيهما.
إن هذا الحديث الشريف المتفق عليه قدْ حظيَ باهتمام كبير من علماء الحديث، حيث اشتمل على قواعد أساسية من قواعد ديننا الإسلامي الحنيف، فقد ذكر الإمام ابن حجر في كتابه «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» قال: (وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث: قال أبو ?عبد ?الله: ليس ?في ?أخبار ?النبي?- ?صلى ?الله ?عليه ?وسلم?- ?شيء ?أجمع ?وأغنى ?وأكثر ?فائدة ?من ?هذا ?الحديث?، ?واتفق عبد ?الرحمن ?بن ?مهدي والشافعي فيما ?نقله البويطي عنه، وأحمد? ?بن? ?حنبل وعلي? ?بن? ?المديني وأبو ?داود والترمذي والدارقطني وحمزة ?الكناني على ?أنه ?ثلث ?الإسلام?، ?ومنهم ?من ?قال ?ربعه?، ?واختلفوا ?في ?تعيين ?الباقي. ?وقال ابن ?مهدي ?أيضاً?: ?يدخل ?في ?ثلاثين ?باباً ?من ?العلم، ?وقال الشافعي: يدخل ?في ?سبعين ?باباً، ?... ?وكلام ?الإمام أحمد يدُلُّ ?على ?أنه ?بكونه ?ثلث ?العلم ?أنه ?أراد ?أحد ?القواعد ?الثلاث ?التي ?تُرَدُّ ?إليها ?جميع ?الأحكام ?عنده?، ?وهي ?هذا ?الحديث ?و«?مَنْ ?عَمِلَ ?عَمَلاً ?لَيْسَ ?عَلَيْهِ ?أَمْرُنَا ?فَهُوَ ?رَدٌّ» ?و«?الْحَلالُ? ?بَيِّنٌ? ?وَالْحَرَامُ? ?بَيِّنٌ»،? (فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني 1/‏17).

الأعمال بحسب النيات
من المعلوم أن النية المخلصة ترفع صاحبها إلى أعلى الدرجات، كما أن النية السيئة تهوي بصاحبها إلى أسفل الدركات، ومن فضل الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين أنه يُجرى الثواب ويمنح الحسنات والدرجات لأناسٍ لم يستطيعوا المشاركة في أعمال الخير والبر، لأن الأعذار منعتهم، وكان في نياتهم لو استطاعوا ذلك لفعلوا، وقد ورد ذلك في أحاديث عديدة، منها:
* عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري- رضي الله عنهما- قال: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي غَزَاةٍ، ?فَقَالَ: ?إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً ?مَا ?سِرْتُمْ ?مَسِيرًا، ?وَلا ?قَطَعْتُمْ ?وَادِيًا ?إِلا ?كَانُوا ?مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ ?الْمَرَضُ) ?وفي ?رواية ?: (?إِلا شَركُوكُمْ ?فِي ?الأَجْرِ) (أخرجه مسلم)?.
* وعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا ?مِنْ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: ?إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا ?مَا ?سِرْتُمْ ?مَسِيرًا ?وَلا ?قَطَعْتُمْ ?وَادِيًا ?إلا ?كَانُوا ?مَعَكُمْ، ?قَالُوا: ?يَا ?رَسُولَ ?اللَّهِ، ?وَهُمْ ?بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: ?وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمْ ?الْعُذْرُ) (?أخرجه البخاري)?.

الإخلاص لله أساس قبول الأعمال
إن الواجب علينا أن نخلص النية في أعمالنا لوجه الله الكريم حتى يرضى الله عنا، ولنكون من الفائزين في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، كما في قوله تعالى: «فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا» (سورة الكهف الآية: 110)، والنية بهذا المعنى- معنى الإخلاص وابتغاء وجه الله- هي روح العمل وجوهر الطاعة، لأن الأعمال تعتمد على نية مَنْ يقوم بها بالنسبة للثواب والعقاب، فإنْ خيراً فخير وإنْ شراً فشر، كما جاء في الحديث: (عَنْ ابْنِ ?عَبَّاسٍ - ?رضي ?الله ?عنهما- ? عَنْ ?رَسُولِ اللَّهِ- ?صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ?وَسَلَّمَ- ?فِيمَا ?يَرْوِي ?عَنْ ?رَبِّهِ ?عَزَّ ?وَجَلَّ، ?قَالَ: ?إِنَّ ?اللَّهَ ?كَتَبَ ?الْحَسَنَاتِ ?وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ ?بَيَّنَ ?ذَلِكَ : ?فَمَنْ ?هَمَّ ?بِحَسَنَةٍ ?فَلَمْ ?يَعْمَلْهَا ?كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ ?حَسَنَةً ?كَامِلَةً، ?وَإِنْ ?هَمَّ ?بِهَا ?فَعَمِلَهَا ?كَتَبَهَا اللَّهُ عَزَّ ?وَجَلَّ ?عِنْدَهُ ?عَشْرَ ?حَسَنَاتٍ ?إِلَى ?سَبْعِمِائَةِ ?ضِعْفٍ ?إِلَى ?أَضْعَافٍ ?كَثِيرَةٍ، ?وَإِنْ ?هَمَّ ?بِسَيِّئَةٍ ?فَلَمْ ?يَعْمَلْهَا ?كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ ?حَسَنَةً ?كَامِلَةً، ?وَإِنْ ?هَمَّ ?بِهَا ?فَعَمِلَهَا ?كَتَبَهَا اللَّهُ ?سَيِّئَةً ?وَاحِدَةً) (أخرجه مسلم)?، ?فالإخلاص ?لله ?تعالى ?أساس ?قبول ?الأعمال، ?والله ?سبحانه ?وتعالى ?لا ?يقبل ?من ?العمل ?إلاَّ ?ما ?كان ?خالصاً ?له?، ?لقوله ?تعالى: «?وَاعْبُدُوا ?اللَّهَ ?وَلا ?تُشْرِكُوا ?بِهِ ?شَيْئاً» (?سورة النساء الآية: 36)?، ?فلا ?ينبغي ?لك ?أخي ?القارئ ?وأنتَ ?تمتثل ?أَمْرَ ?ربك ?وتحرص ?على ?طاعته، ?أن ?يكون ?عملك ?لغرض ?الدنيا، ?بل ?اجعله ?خالصاً ?لوجهه ?الكريم، ?امتثالاً ?لقوله ?تعالى: «?فَاعْبُدِ ?اللَّهَ ?مُخْلِصاً ?لَهُ ?الدِّينَ»(?سورة الزمر الآية: 2) ?.
وخلاصة الأمر، أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، فقد يقبل الله منك نصف العمل، إذا فترت الهِمَّة، أو تقاعس الجهد، ولكنه لا يقبل نصف النية إذا تسللت الشوائب إلى المقاصد، فالعمل المرتبط بالنية إما أن يُقبل كلّه أو يُرفض كلّه.
إن المخلصين هم أعظم الناس قَدْراً وأرفعهم عند الله منزلة، ولن يستقيم أمر الحياة ولن يعتدل ميزانها، إلا إذا كانت أعمال الناس نابعة من نوايا خالصة وتحركها بواعث طيبة، فقد جاء في الحديث أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ ?وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى ?قُلُوبِكُمْ) ?وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ (?أخرجه مسلم)?.

بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة
خطيب المسجد الأقصى المبارك
www.yousefsalama.com