الاتحاد

ثقافة

ناصر الظاهري يبرز التفاصيل الصغيرة والمشاعر الإنسانية لشخصياته

ناصر الظاهري

ناصر الظاهري

يمثل الغوص في “جوانيات” الشخصيات والأبعاد النفسية والاجتماعية لخياراتها في الحياة وتأثير الظروف المحيطة في تحديد هذه الخيارات، ملمحاً أساسياً في المجموعة القصصية الجديدة للقاص ناصر الظاهري “منتعلاً الملح.. وكفّاه رماد”.
والمجموعة الصادرة ضمن مشروع مشترك للنشر يجمع وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع واتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، تضم ست عشرة قصة قصيرة توزّعت على مائة وخمس وثلاثين صفحة من القطع المتوسط، هي شخصيات قادمة إلى واجهة الحدث من أسفل السلّم (الاجتماعي/ الاقتصادي) وأوضاعه البائسة، بالإضافة إلى أنها شخصيات قد دفعتها هذه الأوضاع إلى التواجد في المكان في زمن السرد ذاته، قادمة إما من بلاد عربية أو إسلامية، باستثناءات بسيطة لا تشكل اختراقاً في قاعدة الكتاب وتقتصر على قصتين أو ثلاث.


الواقعية

يكتب ناصر الظاهري في قصة “يمشي على أربع”: “أحمد مخلوق يعد نفسه شبه آدمي، يمشي على أربع، على رجليه، وعلى رزقه، وتحقيق حلم حياته، يسكن غرفة غير مهوّاة، لا تعرف من أين تشرق الشمس ولا تغرب، ثمة رطوبة وعفن ورائحة للنوم مميزة، جدرانها المتقشرة يغطيها بصور لفنانات فاتنات، يقطعها من المجلات الملونة، ويجعلها تستقر على الجدار، وتستر من تشققاته، مثلما تستره هو في الليالي العصية، حين يشتهي شيئاً غير الأكل، تظل عيناه تدوران على ملصقات الحائط، يتقاسم أعضاء الفنانات حتى تتكسر أضلاعه، ويهمد في نوم سيطول”.
إنها الواقعية بامتياز، وعبرها يدخل ناصر الظاهري إلى عوالم الشخصيات ليفكك مرجعياتها في كل قصص “منتعلا الملح.. وكفّاه الريح”، فيذهب مباشرة إلى إشكالية هذه الشخصية دون تعاطف معها مثلما دون أن يشعر القارئ بأن الكاتب يتقصّد القسوة عليها، كأنْ يجعلها مُدانة أو غير أخلاقية بل يُعلي من شأن هذه الواقعية بإبراز التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية للشخصيات ومشاعرها الإنسانية، مثلما يبرز من طاقتها على احتمال العيش الراكد والمستمر في نسق واحد دون اختلاف أو تغيير، في مسعى من الكاتب إلى أن يتوجه برسالة ما إلى قارئه إنما دون التنازل عن الشرط الفني للقص.


الشخصيات

في هذا السياق، لا يتناول ناصر الظاهري أية شخصيات كبرى أو فاعلة أو مؤثرة في وسطها الاجتماعي بل هي شخصيات عادية تماماً، ومع ذلك فهي كثيراً ما تحلم من فرط ما يقسو عليها الواقع الذي يستحيل بنظرها إلى جملة من الوقائع التي لا تمسّ هذه الشخصية أو تلك إلا بقدر ما يخدم توجّه الكاتب نحو هدفه من القص إجمالاً. من هنا، فإذا كان الحوار تعبيراً عن نوع من التواصل مع الوسط الذي تعيش فيه أية شخصية واقعية أو استلهامية، فإن شخصيات قصص “منتعلا الملح.. وكفّاه رماد” هي شخصيات موغلة في صمتها على نحو غريب، ما يشير إلى إحساسها العميق بالاغتراب، إلى حد يجعل القارئ يقتنع بأن ما يحدث لهذه الشخصيات يحدث لها فقط من دون سائر البشر، علما أن هناك تقاطعاً ما بين هذه الشخصيات وما يمكن أن نراه يوميا في الشارع أو العمل أو أي مجال حيوي اجتماعي نحتك به أثناء عبورنا في يومنا العادي.

الشعور بالألم

وما يلاحظه المرء هنا أن الشخصيات في مجملها تشعر بالألم إنما ليس من ذكريات تخص ماضيها أو تتألم بذكريات غامضة أحيانا، حتى أن الواقع المُعاش (الآن، وهنا) هو الذي يتحمل مسؤولية التسبب في هذا الألم، ما يجعلها شخصيات غير قادرة على التصالح مع هذا الواقع كما أنها غير قادرة على الاستمرار في وضع عالق، إذا جاز التوصيف، فتذهب بدافع من هذا وذاك نحو خيارات متطرفة على الصعيد الاجتماعي أو السياسي أو سواهما، حيث تبرز هنا مقدرة الكاتب على اختزال وتكثيف في وصف المشهد وسرد الحدث، فيشعر القارئ أن شريطا سينمائيا يمر بمخيلته دون توقف عند ما هو فائض عن حاجة لشرح أو تفسير.


الكاتب

وفي “كتابه القصصي “منتعلا الملح.. وكفّاه رماد”، فإن ناصر الظاهري بقدر ما هو كاتب محلي بامتياز، فإنه كاتب عربي منفتح على الكوني والإنساني ويدرك أسرار لغة التخاطب مع الإشكاليات التي يعاني منها الجوهر البشري بحسٍ صافٍ وراقٍ معاً، فلا يشعر القارئ بأنه مغلق على أفكار مسبقة بعينها بل يترك للمخيلة الفنية أن تقول الحالة الإنسانية كما هي دون تزويق أو تسويف.

اقرأ أيضا

أمل المهيري: كتابي الجديد عن الثمانينيات في الإمارات