الاتحاد

تقارير

واقع التعددية الثقافية

كانت التعددية الثقافية في أوروبا في السنوات الأخيرة تؤطر على أنها صورة سلبية وسبباً للمشاكل ومؤشراً على مجتمعات تعاني من أزمة في الهوية. لكن التعددية الثقافية، ونتيجة للهجرة، يجب أن يُنظر إليها كقيمة مرغوب بها في أي مجتمع.
في 26 يونيو المنصرم، وخلال المهرجان العربي في المملكة المتحدة في مدينة كامدن، سنحت الفرصة لجاليات عربية مختلفة للتجمع وعرض عناصر من ثقافاتها في حفلات موسيقية حيّة ومعارض وعروض أزياء. شكل ذلك فرصة للبريطانيين من كافة الخلفيات للاحتفال بالتنوع الفريد لهذه المدينة وفرصة للتفكير بما تعنيه التعددية الثقافية حقاً.
يعكس اسم المهرجان نفسه الهويات المتعددة للعديدين من الذين حضروا المهرجان. قضيت معظم وقتي هناك أتحدث إلى الناس الذين ترتبط هويات بعض منهم بأكثر من دولتين: فلسطينيون مولودون في دبي يحملون الجنسية البريطانية، وعراقيون بريطانيون وعراقيون من السويد، وسوريون فرنسيون مولودون في ألمانيا ويقيمون حالياً في المملكة المتحدة.
يذهب الواقع إلى ما وراء نتيجة العنوان المبسّط: "العرب في المملكة المتحدة"، فلكل من هؤلاء الناس قصة يرويها. وتندمج قصصهم كذلك مع قصة مجموعة أوسع. بعضها روايات حرب، مثل العراق ولبنان، وبعضها روايات منفى، وحياة متجددة ونجاح، مثل الفنان والنحات "علي موسوي" الذي يشرح أنه وجد إبداعه في الحقيقة عندما حضر إلى لندن بسبب الدينامية والإلهام اللذين توفرهما. وتضم قصصاً أخرى الحب بين شخصين ذوي خلفيات مختلفة، مثل ليلى الفلسطينية التي قابلت زوجها البريطاني عندما كانت طالبة في جامعة لندن. وهي اليوم تربي أسرة ثنائية اللغة يتكلم جميع أفرادها العربية والإنجليزية.
ليس هذا النوع من التعددية الثقافية ظاهرة جديدة، فالحقيقة البسيطة أنه لا يوجد شيء اسمه الثقافة المتناغمة. فكل واحد منا هو نتيجة لسرد جماعي وشخصي، وقصص المدن تتداخل مع قصص الهجرات المختلفة.
ورغم أنه قد يبدو في بعض الأحيان أن تداخل الثقافات تميزه الصدمات، فالتاريخ يعلمنا أن المهاجرين يأتون بمساهمة إيجابية إلى بلادهم المضيفة.
لا شك أن لندن، وهي واحدة من أكثر المدن دينامية وتعدداً في الثقافات في العالم قد استفادت من مساهمات كهذه. وهي تأتي في أكثر الأشكال غير المتوقعة، حيث تشير حملة أجريت مؤخراً لدعم أسبوع المهاجرين شوهدت نشاطاتها في محطات القطارات الأرضية، أن مؤسسات بريطانيا الاعتيادية مثل "ماركس أند سبنسر" والسمك بشرائح البطاطا وسيارة الميني... أوجدها مهاجرون من بولندا والبرتغال واليونان. وهذا لا يجعل هذه الأجزاء الأيقونية من الحياة البريطانية أقل بريطانية. إنه واقع التعددية الثقافية.
وتدين بريطانيا كذلك للعديد من فنانيها ومفكريها المعاصرين بالتعددية الثقافية: مغنية البوب ميكا التي ولدت في بيروت لأم لبنانية وأب أميركي، والمهندسة المعمارية الشهيرة زها حديد التي ولدت في العراق ودرست في لبنان.
هناك اليوم ما يزيد على 100 ألف عربي في لندن (بل تذهب بعض التقديرات بهذا الرقم إلى حدود 300 ألف)، وهم يضمون سائقي حافلات وأطباء ورؤساء تنفيذيين لشركات وأصحاب أعمال مبدعين... ويساهمون جميعهم في هذا الفسيفساء الحضري. وتحتوي مكتبات لندن العامة على كتب بالأردية والعربية والبولندية... وتستطيع أن تجد أي نوع من الطعام ترغبه.
ليست التعددية الثقافية مجرد نتيجة فوضوية لتاريخ بريطانيا الإمبريالي، بل هي أكثر من ذلك بكثير. إنها عن الناس والأماكن التي تستمر بإعادة تعريف نفسها من حيث قصصها ومجابهاتها وتجاربها.


ندى عقل
صحفية لبنانية -لندن
ينشر بترتيب مع خدمة «كومون جراوند»

اقرأ أيضا