الاتحاد

تقارير

ماليزيا...هل يعود «إبراهيم» إلى السلطة؟

في الطابق الرابع عشر من مبنى البرلمان الماليزي وسط العاصمة كوالالمبور- وهي البناية البيضاء ذات الثقوب التي تشبه خلية النحل التي يعود تاريخ بنائها إلى ستينيات القرن الماضي- يتحدث "أنور إبراهيم" بنبرة هادئة تناقض حقيقته كمعارض ورجل معروف محلياً بشعبويته وخطابه المنتقد للحكومة.
ويأتي هذا الحديث في الوقت الذي يسود فيه نقاش واسع بين الشعب حول الانتخابات المبكرة التي ستنظم خلال الأشهر القليلة المقبلة، وهو نقاش يكاد لا يخلو منه موقع على الإنترنت، أو حتى وسيلة من وسائل الإعلام التقليدية، رغم أن رئيس الحكومة نجيب رزاق يمكنه الانتظار أطول حتى شهر أبريل المقبل عندما يحل موعد الانتخابات الاعتيادي. وعن موضوع الانتخابات المبكرة يقول أنور إبراهيم:
"سيكون الأمر مختلفاً مع هذه الانتخابات"، مضيفاً: "نحن نعمل على تغيير شامل في المشهد السياسي بالبلد، أعتقد أن عدداً متزايداً من الماليزيين، لا سيما الشباب، يريدون من ماليزيا أن تتطور لتصبح ديمقراطية ناضجة ومكتملة الأركان".
والحقيقة أن ما يريده الشباب الماليزي تجلى بوضوح قبل شهرين عندما خرج عشرات الآلاف منهم إلى الشوارع للمشاركة في احتجاج نظمته جميعة "بيريش" للمجتمع المدني التي تعارض السياسات الحكومية وتطالب بإصلاح قانون الانتخابات وأشياء أخرى، وقد انتهت المظاهرة الحاشدة بتفريق السلطات الأمنية للمحتجين عن طريق العنف واستخدام خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع.
وكانت تلك المظاهرة مؤشراً واضحاً على مدى الإحباط المتفشي بين الشباب ما ساهم في إعادة اسم أنور إبراهيم إلى الواجهة كمعارض مهم بعد أشهر قليلة فقط على إطلاق سراحه، وذلك ضمن مسيرة سياسية مضطربة جعلته ينتقل من منصب نائب رئيس الحكومة وأحد القادة الذين يتم إعدادهم لتولي الحكم أواخر التسعينيات إلى سجين يقبع وراء القضبان، ثم ليعود بعد ذلك إلى السياسة من خلال تشكيل حزب ودخول البرلمان.
لكن ربما لن تكون هذه المحطة الأخيرة لأنور إبراهيم، الذي ما زال يواجه مشاكل مع السلطات، إذ أظهر شريط فيديو مصور مشاركة أنور إبراهيم في المظاهرة الكبرى، بل إنه بدا وكأنه يحرك يديه في خطوة اعتبرها المدعي العام نوعاً من التحريض على دخول المتظاهرين إلى منطقة محظورة، وهي التهمة التي رد عليها أنور بالقول إنها "واهية" معتبراً أن تحريك يديه بالطريقة التي قام بها أثناء المظاهرة كان عادياً في إطار مخاطبته للجمهور ولا يمكن للقانون الاستناد عليها لتجريمه.
ويرى أنصار أنور إبراهيم مثل هذه التهم كدليل آخر على استمرار التضييق على المعارض الأول في البلاد كمحاولة مكشوفة لإبعاده عن السباق الانتخابي، وقد لعب الحزب الذي شكله أنور إبراهيم قبل سنوات، التحالف الشعبي، دوراً رئيسياً في خسارة الحزب الحاكم،"المنظمة الوطنية لماليزيا الموحدة، ثلثي مقاعد البرلمان في انتخابات 2008، وهو ما شكل صدمة للحزب الذي حكم البلاد منذ الاستقلال. وفي هذا السياق يقول "بريدجيت ويلش"، الخبير في الشؤون الماليزية بجامعة سنغافورة للإدارة "ستكون الانتخابات المقبلة الأكثر منافسة في تاريخ البلاد، فالمعارضة ورغم المشاكل التي تواجهها فيما يخص الاختلافات بين أركانها، فإنها استطاعت حشد التأييد لصالحها من خلال الانتقال من الكشف عن المشاكل، إلى اقتراح الحلول والبدائل بالنسبة للماليزيين".
واليوم وبعدما وصل عمره 65 عاماً يقر أنور إبراهيم أن الانتخابات المقبلة تمثل فرصته الأخيرة ليصبح رئيس وزراء ماليزيا ويحكم بلداً معقداً بسكانه البالغ تعدادهم 28 مليون نسمة والمقسم بين عرقيات مختلفة من الماليزيين والصينيين والهنود، ويوضح أنور إبراهيم هذا الأمر قائلاً "نحن واضحون أمام الناس، لدينا برنامجنا وسياساتنا، ولو حصلت على تفويض شعبي سأواصل السياسة، وإلا سأعود مجدداً إلى مهنة التدريس".
ويبدو أن ست سنوات قضاها أنور إبراهيم في السجن بتهمة الشذوذ الجنسي قد أثرت عليه، هذا بالإضافة إلى لعبة القط والفأر المستمرة بينه وبين القضاء على خلفية تلويحه بيديه لوح خلال مظاهرات جرت قبل شهرين، ومع ذلك لم ينل السجن من معنويات أنور ولا أحبط آماله في الوصول يوماً إلى رئاسة الوزراء.
وعندما يتم الحديث عن سجل إدارة نجيب رزاق في الحكم تنتعش آماله أكثر وتعود له الثقة بالنفس، منتقداً الوعود التي أخلفتها الحكومة. فقبل عامين يقول أنور إبراهيم تعهد رئيس الوزراء بخطة اقتصادية شاملة تضاعف الدخل الفردي للماليزيين ليصل إلى 15 ألف دولار في السنة بحلول 2020، مضيفاً أن الحزب الحاكم روج لسياسة ماليزيا الموحدة، لكن الانقسامات بين الأعراق تعمقت أكثر خلال السنتين الماضيتين، قائلاً: "لا أحد يشكك في الطبيعة الموحدة لماليزيا، إلا أن الخطوات التي أقدمت عليها الحكومة ذهبت في اتجاه مغاير".
ويعتقد أنصار "أنور إبراهيم" أنه الوحيد الذي يملك برنامجاً قادراً على رأب الصدع بين العرقيات المختلفة في ماليزيا، وإن كان خصومه يرون بأن التحدي الأكبر الذي ينتظره في حال وصوله إلى السلطة هو الحفاظ على تماسك تحالفه الذي يضم حزب "العمل الديمقراطي" الممثل للعرقية الصينية، و"حزب الشعب"، الذي يرأسه، بالإضافة إلى الحزب "الإسلامي القومي" الماليزي، هذه المخاوف من انفراط عقد التحالف لدى توليه السلطة يرد عليها أنور إبراهيم قائلاً "لا يقوم هذا التحالف على صفقات واهية، نحن في الحقيقة صُغنا سياسات مشتركة، ورغم بعض القضايا الخلافية، التي قد تبرز إلى السطح مثل باقي الأحزاب والتكتلات السياسية، فإننا في المواضيع الأساسية نظل متفقين".

جيريمي جرانت
ماليزيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"

اقرأ أيضا