الاتحاد

تقارير

الانتخابات الليبية...ورهانات «الإسلام السياسي»

في ليبيا، نجد الإسلام متداخلاً في كل طبقة من طبقات الحياة اليومية بدءاً من الصفقات التجارية، إلى تسمية المواليد، إلى آذان الصلاة، التي تجتذب الرجال من شوارع المدينة التي تصطلي بأشعة الشمس الحامية إلى المساجد خمس مرات في اليوم.
ولكن التقوى بالنسبة لليبي العادي، لا تمتد بالضرورة للسياسة، مما يعني أن الإسلاميين يجب أن يتلمسوا موضع خطواتهم وهم يحاولون معرفة ما إذا كان الليبيين يريدون شراء بضاعتهم أم لا.
بعد أن أطاحت الثورات الشعبية العام الماضي بحكام ذوي ميول علمانية، اختار الناخبون في تونس ومصر المجاورتين حزبين إسلاميين لرئاسة حكومتيهما، ويوم السبت المقبل سوف يساعد الناخبون الليبيون على تحديد ما إذا كان بندول الربيع العربي سيستمر في الميل في اتجاه الإسلام السياسي، أم أن المحصلة التي انتهت إليها الأمور في ليبيا تبرز محدودية جاذبيته.
وهذا التساؤل يتردد بصوت أعلى هنا، لأن الليبيين الإسلاميين يختلفون حول ما إذا كان يجب عليهم تبني العملية السياسية والترشح سعياً لنيل المناصب، أم معارضة تلك العملية، حتى لو استدعى الأمر استخدام العنف.
الإسلاميون في مصر وتونس يتمتعون بتاريخ طويل من العمل السياسي، والنشاط المدني، وكانوا رقماً معروفاً في المشهد العام، على عكس الحال في ليبيا الحديثة التي لم تكن توجد لديها تقاليد حزبية سابقة للإسلام السياسي، ولا أنشطة اجتماعية لهذا التيار.
ومن المعروف أن القذافي الذي أُطيح به من الحكم ثم قتل على أيدي الثوار العام الماضي، كان يضطهد الإسلاميين ويشنقهم على أعمدة الإنارة في الشوارع، وكان إطلاق اللحية وأداء صلاة الفجر في المسجد سبباً كافياً للقبض على الشخص والزج به في غياهب السجون، مما دفع الكثيرين من الإسلاميين للهرب من البلاد.
لذلك كله لا يعرف الليبيون الكثير عن قادتهم المحتملين من "الإسلاميين"، كما لا يعرفون شيئاً عن رؤيتهم لمستقبل البلاد، وهو ما ستبدأ ملامحه في التبلور السبت المقبل، عندما يختار الناخبون 200 عضو للمؤتمر الوطني الليبي العام "البرلمان".
"لم يسبق للإسلاميين في ليبيا أن حصلوا على الفرصة لتحويل أيديولوجيتهم إلى سياسات، أو بنى سياسية، وسوف يحاولون أن يفعلوا ذلك خلال الشهور وربما السنوات القادمة"، هذا ما يقوله"عمر عاشور" الأستاذ الزائر بمركز "بروكنجز" في الدوحة. مع ذلك يرى"عاشور" أن الإسلاميين، على الأرجح، سيبلون بلاء حسناً في الانتخابات وهو ما يرجع- جزئياً – لحقيقة أن الأحزاب العلمانية في ليبيا أقل حضوراً وتأثيراً.
يقول العديد من الليبيين إنهم يودون أن ينص على الإسلام في الدستور، ولكنهم يختلفون بشأن الحد الذي يمكن به للإسلام تعريف النظام السياسي. فالبعض منهم يريدون أن يروا القوانين، وقد نهجت نهج القرآن، في حين أن آخرين تنتابهم شكوك عميقة تجاه المحاولات الرامية لإدماج الإسلام في السياسة. يحتج "محمد جالوتا" (26 عاماً) محاسب عاطل عن العمل ويعيش في قرية "يافران"الواقعة في المنطقة الجبلية جنوب طرابلس على ذلك بقوله:"هذا محض هراء. نحن دولة إسلامية بالفعل، ونمارس الإسلام بالفعل".
أما أسامة دياب(20 عاماً) بائع الملابس في أحد أسواق طرابلس ذو اللحية الطويلة، والذي يرتدي جلباباً ويقول إنه مسلم محافظ فيقول:"البعض يستخدم الإسلام كرافعة للوصول للسلطة". والإسلاميون في ليبيا شأنهم شأن نظرائهم في مصر، الذين يسعون للقيام بأدوار قيادية لا يخوضون الانتخابات على أجندة دينية، وإنما يتحدثون بشكل فضفاض عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحكم القانون.
البعض من هؤلاء ينتمون لجماعة "الإخوان المسلمين"، الذين لم يتح لهم وجودهم الخافت في ليبيا في عصر القذافي، الفرصة الكافية لتطوير هوية قوية مثل "إخوان مصر".
والبعض الآخر من الإسلاميين في ليبيا جاء من عباءة "الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة"، التي تحمل فكر السلفية الجهادية والتي لم تعد قائمة الآن. ومن المعروف أن هذه الجماعة قد عارضت حكم القذافي معارضة شديدة، وحارب الكثير من أعضائها في أفغانستان إلى جانب "طالبان"، أما الآن وبعد أن أصبح أعضاء هذه الجماعة أكثر نضجاً بفعل تجاوزهم لسن الشباب، فإنهم باتوا أكثر اعتدالاً، وأقل حدة مما كانوا عليه في الماضي، وكثيراً ما يتحدثون عن بناء الائتلافات وتعزيز حقوق المرأة.
من أشهر الشخصيات التي انتمت لتلك الجماعة "عبد الحكيم بلحاج"(46 عاماً) الرئيس السابق للمجلس العسكري في طرابلس الذي تم تأسيسه عقب الثورة، والذي يخوض الانتخابات الحالية للحصول على مقعد في المجلس الوطني الليبي العام.
وقد حارب "بلحاج" عندما كان عضواً في تلك الجماعة في أفغانستان، واتهم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي.آي.إيه" بتعذيبه بعد القبض عليه عام 2004 قبل أن تقوم بتسليمه لنظام القذافي.
و"بلحاج" مدعوم في الانتخابات الحالية بحزب جديد اسمه "الوطن" يصفه بأنه حزب وطني … وليس قائماً على الأيديولوجية الإسلامية.
ويضيف "بلحاج":"نحن نؤمن بالدولة الحديثة القائمة على المجتمع المدني، والتي يمكن أن تكون جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الدولي... فنحن نعيش في عالم واحد، ويجب أن نكون جزءاً منه".
وهذا الخطاب لا يقتصر على "بلحاج"، وإنما يشمل أيضاً العديد من رفاقة في الجماعة المذكورة الذين يقولون إن عقيدتهم قد تغيرت مع الزمن، وحسب تطورات الأحداث، وأن الغرب الذي كانوا ينتقدونه في الماضي هو نفس الغرب الذي ساعدهم على الإطاحة بحكم القذافي، وأن الظروف الآن تدفعهم للتفرغ للبناء.
وهذا الخطاب موجه لليبيين الذين سئموا من الحرب والعنف، وموجه أيضاً لطمأنة الغرب، حيث تشعر الكثير من دوله بالتوتر تجاه الأيديولوجية الإسلامية التي يتم نشرها من خلال البنادق.
ولكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن العنف في ليبيا قد توقف، حيث تحيط الشكوك بأن الإسلاميين هم من ارتكبوا الهجمات الأخيرة في ليبيا على أهداف دبلوماسية غربية، شملت قنصلية الولايات المتحدة في مدينة بنغازي الواقعة في المنطقة الشرقية كما شملت صالوناً نسائياً، ومحل ملابس، ومدرسة بنات في شرق ليبيا بالإضافة للسفارة التونسية في طرابلس.
الجماعات التي يعتقد أنها قامت بتلك الأعمال تنتمي للألوية التي تشكلت خلال الثورة، وهي جيدة التسليح ولكن أعدادها قليلة مع ذلك. وعلى الرغم من أنه بمقدورها إحداث اضطراب في العملية الانتخابية وتخريبها، فإنه لا تتوافر مع ذلك دلائل على ارتباطهم بشبكات الإرهاب العالمي مثل"القاعدة".
يعلق على ذلك"نومان بنتومان" كبير المحللين في مؤسسة "كويليام" ومقرها لندن الذي يقول:" يمكننا أن نطلق علي هؤلاء وصف الجهاديين الهواة، إذ أن بعضهم يعتقد اعتقاداً جازماً أن الديمقراطية مناوئة للإسلام وأن الأمر عبارة عن معادلة صفرية، بمعنى أنك إذا ما كانت تؤمن بالديمقراطية فأنت حتماً كافر".
ويحذر"إيفان كوهلمان" الشريك الرئيسي في "فلاشبوينت بارتنرز" وهي مؤسسة للاستشارات الأمنية مقرها نيويورك، من أن تكون هناك جماعات مرتبطة بـ"القاعدة" تقوم الآن وعلى نحو هادئ وغير ملحوظ بموضعة نفسها في ليبيا سعياً، لتجنيد الأنصار، والحصول على السلاح الذي يمكنها من القيام بعمليات في أماكن أخرى أو التخطيط للقيام بهجمات كبيرة في ليبيا ذاتها.
ويقول بلحاج وغيره من أعضاء الجماعة الليبية المقاتلة السابقة إنهم يخشون من أن تتمكن الجماعات الراديكالية من نشر حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في ليبيا، وأنهم يحاولون بقدر جهدهم إقناع أعضاء مثل تلك الجماعات بنبذ العنف.

تارا باهرامبور
طرابلس

ينشر بترتيب خاص مع خدمة"واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"

اقرأ أيضا