الاتحاد

تقارير

حرب أفغانستان: المهمة ودروس التاريخ

أميركا في حاجة إلى أدوارالدول المجاورة للخروج من المأزق الأفغاني

أميركا في حاجة إلى أدوارالدول المجاورة للخروج من المأزق الأفغاني

قد لا يكرر التاريخ نفسه، لكنه يعيد ارتكاب الأخطاء نفسها، ففي العام 1961 وقبل أن تتحول المعارك في فيتنام إلى حرب شاملة، حذر الجنرال السابق ''دوجلاس ماكارثر'' الرئيس كنيدي بألا يدخل حرباً برية في آسيا، وعندما تجاهلت واشنطن النصيحة وقررت توسيع عملياتها العسكرية، فقدت على مدار الأربعة عشر عاماً التالية 58 ألفاً من جنودها في أرض المعركة· واليوم تجد الولايات المتحدة نفسها متورطة في حرب برية أخرى في آسيا، هذه المرة بأفغانستان، حيث اقتصرت المهمة الأصلية في القبض على ابن لادن، وضرب ''القاعدة'' والإطاحة بحكومة ''طالبان'' والحؤول دون تحول البلاد إلى ملاذ آمن للإرهابيين، لكن بعد سبع سنوات من القتال وسقوط مئات من الجنود الأميركيين وجرح آلاف آخرين، مازالت تلك الأهداف تبحث عمن يحققها· وفي هذه اللحظة تسعى الولايات المتحدة إلى مضاعفة عدد قواتها بإضافة 30 ألف جندي لإنهاء المهمة وضمان تحقيقها، إلا أنه من غير المفهوم ألا تكون واشنطن قد تعلمت من أخطاء الغزو السوفييتي لأفغانستان الذي انتهى بانسحاب مخزٍ تبعه انهيار مدوٍ للاتحاد السوفييني بعد ثلاث سنوات· ولفهم ما جرى في أفغانستان التقى الخبراء الروس والأميركيون بعد سقوط الشيوعية لدراسة الحرب الأفغانية والخروج بدروس مفيدة، فانتهوا إلى أن نجاح الحرب الروسية كـــان يستدعـــي ما بين 750 ألفا إلى مليون جندي لإخضاع أفغانستان، والحال أن موسكو لم تنشـــر أكثر من مئة ألف جندي في وقت واحد، واكتشف الروس وقتها أنهم يستطيعون كسب جميع المعارك، لكنهم عاجزون عن السيطرة على أكثر من بضـــع مـــدن في بلد بحجم تكساس·
حالياً لا تملك الولايات المتحدة أكثر من 33 ألف جندي في أفغانستان، وحتى لو أراد الرئيس أوباما إرسال قوات إضافية فلن يُكتب لمجهوده النجاح، بل حتى نصف مليون جندي أميركي لن يكفي، لأن ذلك لم ينجح في فيتنام، لذا على أوباما إدراك أن التردد في توسيع العمليات العسكرية في أفغانستان لا علاقة له بالخوف، أو العزيمة، وبأنه فقط متعلق بالحكمة والتفكير السليم· فبالرجوع إلى تجربة الاتحاد السوفييتي نجد أنه حتى في ظل النظام الشمولي تحت القيادة الشيوعية لم يكن من السهل حشد التأييد السياسي لنشر ثلاثة أرباع مليون جندي، لأن القادة أدركوا صعوبة تسويق إرسال هذا العدد الكبير من الجنود إلى ساحة المعركة، حتى بوجود جمهور طيع وخائف· وفي عام 1979 عندما قررت النخبة الحاكمة في موسكو، وعلى مضض، إرسال الجنود، واجهت معارضة شديدة من رئيس الأركان المارشال ''نيكولاي أورجاكوف'' الذي أخبر بصراحة وزير الدفاع ''ديمتري أوستينوف'' ولاحقاً زعيم الحزب ''ليونيد بريجنيف بأن ''الحرب في أفغانستان ستكون خطأ فادحاً''· وكان المحرك الأساسي لقرار السوفييت حول توسيع العمليات العسكرية في أفغانستان، هو الخوف المزمن من التدخل الأميركي في المنطقة وضم البلاد إلى الحلف الغربي ومن ثم تطويق الاتحاد السوفييتي· وقد استدعى الأمر من موسكو عشر سنوات من الحرب المتواصلة لتصل إلى قناعة بأن حربها في أفغانستان كانت خطأ كبيراً· وقد أدرك الغرب، بعدما أفرجت روسيا عن وثائقها السرية حول الحرب، كيف أنه في أكثر من مناسبة بين شهري مارس ونوفمبر عام ،1979 رفض الرئيس ''بريجنيف'' توسيع الحرب وزيــــادة أعـــداد القوات رغم حالة عدم الاستقرار التي كانت تهدد الحدود الجنوبية للاتحاد السوفييتي·
وأثناء عملي كمراسل في موسكو خلال الثمانينيات قمت بزيارات عديدة إلى أفغانستان مع زملاء سوفييت، ومازلت أذكر أني عندما عدت إلى موسكو سألتني المشرفة الروسية عن انطباعاتي عن أفغانستان، فقلت إن ''الأمر شبيه بإحدى روايات كيبلينج في القرن التاسع عشر''، حينها ضاقت عيناهـــــا الزرقـــاوان وهي تـــرد: ''لا يا وولتر، إن ما رأيته في أفغانستان يعود إلى القرن الرابع عشر''· وبعد هجمات 11 سبتمبر وتحول أفغانستان إلى قبلة للصحفيين والمراسلين، كان أحد الكتب المفضلة لديهم تلك التي تؤرخ للقرن التاسع عشر عندما فشلت الإمبراطورية البريطانية في فرض سيطرتها على البلاد، وتوضح كيف أبيد 16 ألفا من القوات البريطانية المنسحبة من قبل الرجال أنفسهم الذين سيُقوم أحفادهم بإخراج الروس بعد 150 سنة· وفي هذا السياق سيكون ضرباً من خداع النفس الاعتقاد بأن أي مهمة أميركية في أفغانستان ستنجح في تحرير السكان وتنويرهم وفي إطلاق حرية المرأة من قبضة ''طالبان''، فكما أثبتت التجربة فإنه من الصعب إخضاع بلد تتناثر فيه المقابر بلا حساب بعدما أعلنت منظمة اليونيسف أن 20% من الأطفال الأفغان يموتون قبل وصول سن الخامسة، ولن يتمكن الجيش الأميركي برمته من إقناع أمراء الحرب المتعطشين للمال بمبادئ الحداثة· والواقع أن أفغانستان ليست أكثر من مجموعة من القبائل المتناثرة لم ترق بعد إلى مصاف الدولة، وربما من الأفضل لو خضعت لرعاية جيرانها الأدرى بمشاكلها، مثل روسيا وإيران والصين وباكستان والسعودية والهند·
والحقيقـــة أننا أمـــام حالـــة من انعدام الخيارات بعدما انخرط بوش في حربه المجانية بالعراق، كما أن أي مضاعفة للتدخل الأميركـــي في أفغانستان لن يأتي بالنتائج المرجوة، لكن في الوقت نفسه سيؤدي الانسحاب الأميركي من أفغانستان إلى إشعال فتيل الفوضى والعنف، لذا ما لم يقنع الرئيس أوباما الدول المجاورة لأفغانستان بلعب دور أكبر في احتواء ''طالبان'' وتطويقها، فإنها ستبسط سيطرتها على البلاد مباشرة بعد انسجاب الولايات المتحدة على حساب المصالح الإقليمية لتلك الدول·

وولتر روجرز
مراسل دولي سابق لقناة سي· إن· إن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا