الاتحاد

تقارير

كوسوفو··· تحديات في الذكرى الأولى للاستقلال

كوسوفو··· تحديات في الذكرى الأولى للاستقلال

كوسوفو··· تحديات في الذكرى الأولى للاستقلال

كُلل سعي كوسوفو الطويل والمضني لنيل الاستقلال باحتفالات كبيرة العام الماضي أطلقت فيها الألعاب النارية وعُزف النشيد الوطني لأول مرة، ورفرف العلم الكوسوفي عالياً في السماء وسط مشاركة واسعة للسكان واحتفائهم بالدستور الجديد وارتياح كبير للأغلبيـــة الألبانيــة في الإقليم -التي تشكل 95 في المئة- وذلك بعد تسع سنوات من تدخل حلف شمال الأطلسي لإيقاف التطهير العرقي، الذي ارتكبه الصرب في حق الألبان· هذا الجو الاحتفالي يكرر نفسه اليوم بمناسبة الذكرى الأولى لإعلان الاستقلال ومرور عام كامل على نشأة الدولة الوليدة، حيث غصت الشوارع بالأسر الكوسوفية التي خرجت للاحتفاء بعيد الاستقلال رغم شدة البرد يشاركهم في هذا العرس 54 دولة بما فيها الولايات المتحدة وسبعة من البلدان الثماني الصناعية الكبرى، وهو ما خلف شعوراً راسخاً بالأمان لدى سكان كوسوفو وطوى نهائياً صفحة قاتمة في تاريخ الإقليم·
وبالنسبة للدبلوماسيين الغربيين والمراقبين للوضع في كوسوفو، يبقى الدرس الأهم المستخلص على مدى الاثني عشر شهراً الماضية استتباب الأمن وعدم اندلاع العنف، أو الفوضى في منطقة البلقان المضطربة، فرغم المخاوف التي رافقت إعلان الدولة الوليدة قبل عام مازال نصب كبير يطل بشموخ وسط العاصمة بريشتينا يرمز للانعتاق والحرية، ويعلن بداية مرحلة جديدة في المنطقة·
فعندما قررت كوسوفو ومعها الغرب مواجهة روسيا وصربيا وساندوا الاستقلال التام والناجز كان يُنظر لأراضي الإقليم المتنازع عليه بأنه ساحة جديدة لحرب باردة أخرى في ظل تصاعد المخاوف من تجدد العنف ورجوع حالة عدم الاستقرار إلى الإقليم الهش، وما قد يصاحب ذلك من تدفق اللاجئين من الجيوب الصربية في كوسوفو، وانبعاث المطالب الانفصالية في الإقليم نفسه وفي البلقان عموماً· ورغم تعرض الأمم المتحدة لهجوم على مقرها في ميتروفيتشا ذات الغالبية الصربية خلال شهر مارس الماضي، فإنه لم تسجل حوادث جسيمة وتم تفادي الأسوأ، وهو ما يعبر عنه مسؤول أممي بارز قائلاً: ''لم تحدث أي من التوقعات المتشائمة التي كنا نخشى حصولها، وهذا أمر يبعث على التفاؤل''·
وعلى صعيد متصل، يرى ''جاك روبنيك''، الباحث في مركز العلوم السياسية بباريس أن بلجراد ''فضّلت عدم التدخل وبقيت بعيدة عن الصراع'' بسبب رغبة القادة الصرب، وأهمهم الرئيس الحالي ''طاجيك''، إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وعدم تضييع الفرصة بأي سلوك قد يُفهم على أنه معاد للألبان في كوسوفو· لكن مشاعر الابتهاج التي رافقت الاحتفالات بعيد الاستقلال تطورت إلى نظرة واقعية تعكس تطلعات ومخاوف الكوسوفيين والمشاكل الكثيرة التي يواجهها بلدهم في المرحلة الراهنة، وعلى رأسها معدلات البطالة المرتفعة التي وصلت إلى 40 %، بالإضافة إلى تفشي الفساد وبروز الصراعات السياسية بين الفصائل المختلفة، ناهيك عن الانقطاع المستمر للكهرباء والماء، والانتقادات التي ما فتئت توجه إلى المنظمات الدولية العاملة في الإقليم واتهامها بعدم الفعالية وانفصالها عن الهموم الحقيقية للناس·
وعن هذا الوضع الجديد في كوسوفو يقول ''شبيند أحمد''، مدير معهد الدراسات المتقدمة في بريشتينا: ''لأكثر من عشر سنوات دأبنا على ربط مشاكلنا في الإقليم بوضعنا الغامض تحت الإدارة الأممية، وأعتقدنا أن الاستقلال سيسهل الأمور بالنسبة لنا، وسيحل تلك المشاكل، لكن الاستقلال لم يقضِ على مشاكلنا، بل أزاح فقط الحاجز النفسي، واليوم تشير جميع استطلاعات الرأي إلى أولوية الوظائف على الوضع السياسي، لقد انتقلنا من مرحلة إثبات الوجود إلى مرحلة التنمية والازدهار، وهي الأمور التي مازالت تنقصنا''· ويرى ''أرجون بجرامي''، رئيس تحرير إحدى الصحف الكوسوفية البارزة: ''لقد خف التوتر قليلاً لكنه لم يختفِ تماماً، وبالنسبة للمواطن العادي، فإن ما يهمه هو تدبير الحياة اليومية''·
وفي الجيوب ذات الغالبية الصربية مثل ميتروفيتشا في الشمال، امتنع الصرب طبعاً عن المشاركة في احتفالات الاستقلال لعدم اعتراف بلجراد بالعاصمة الجديدة، وبسبب التحول الذي طرأ على الأقلية الصربية في الإقليم، حيث انتقلوا من جماعة غنية ومتنفذة إلى أقلية فقيرة· ورغم التاريخ الدامي بين القوميتين الصربية والألبانية في المنطقة، يعتقد بعض الكوسوفيين مثل الناشر ''مجزين كيلمندي'' أن على الألبان أن يفهموا الشعور بالغبن الذي يحس به الصرب، موضحاً ذلك بقوله ''يعيش الكوسوفيون تجربة الحرية التي طالما حلمنا بها في السابق، لكن علينا أن نتخيل ما يشعر به الصرب في هذه اللحظة، إن الأمر كابوس بالنسبة لهم، لذا الســـؤال اليوم هـــو: هـــل بإمكاننا بنـــاء دولـــة مدنية؟'' الجواب لحد الآن لا يبدو إيجابياً بعدمــا احتدم نقـــاش حـــاد في بريشتينا خلال نوفمبر الماضي حول خطة من ست نقاط أعلنها الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، تسمح للصرب بإدارة جيوبهم بشكل مستقل، وإذا كان الهدف من الخطة هو تعزيز فرص السلام، إلا أنها تعارض الدستور الكوسوفي وخطة ''أتيساري'' التي مهدت لإعلان استقلال الإقليم عن صربيا، بحيث تخشى فئات واسعة من أن يكون إعلان بان كي مون محاولة لتقسيم ميتروفيتشا· ويشعر العديد من الأشخاص في الإقليم أن المجتمع الدولي يسعى إلى الحفاظ على الاستقرار الآني على حساب المصالح بعيدة المدى لكوسوفو، وهو ما يوضحه ''شبيند أحمد'' قائلاً ''لقد صور المجتمع الدولي قصة كوسوفو على أنها صراع عرقي في حين أنها تحولت اليوم إلى قصة التنمية الاقتصادية، وعلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي الانتقال من تقديم المنح والمساعدات إلى تحفيز نمو حقيقي''· ويتفق مع هذا الطرح ''ألبين كورتي''، أحد منتقدي التواجد الأممي في كوسوفو، مشيراً إلى أن الاهتمام الدولي موجه إلى تدبير مسألة التعايش جنباً إلى جنب بين الألبان والصرب حتى لو اقتضى ذلك انفصال الجيوب الصربية، والحال أن ما نحتاجه هو تعايش مشترك لكن ضمن حدود واحدة·

روبرت ماركاند-كوسوفو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا