صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

غرفة القياس للقاصة الإماراتية عائشة الكعبي

عائشة الكعبي قاصة ومذيعة ومترجمة وتشكيلية إماراتية وصاحبة تجربة متميزة في الكتابة والتعبير عن الذات الإنسانية· هي من مواليد مدينة العين، وحاصلة على بكالوريوس في العلوم من جامعة الإمارات العربية المتحدة، وماجستير في علم الأجنة من جامعة أركناس في الولايات المتحدة الأميركية، وهي أيضا عضو في اتحاد كتاب الإمارات· مارست التدريس الأكاديمي، ثم عملت في وزارة التربية والتعليم كرئيس لقسم اليونسكو· لكن الحديث عن الكعبي كقاصة، يرتبط ضمنا بالنموذج المحلي المعاصر للقصة والتي تقوم على أكتاف مجموعة من الكتاب الشباب، الذين يسعون في مشروعهم الثقافي الى الخروج بمضمون وفكر القصة من مرحلة التباكي على فترة ما قبل النفط الى مرحلة دفع المتلقي الى الفعل والتغيير من خلال تقنية معاصرة في الكتابة والرؤية للظواهر الاجتماعية والإنسانية والتطور المتسارع الذي يشهده العالم في إطار أزمة الإنسان المعاصر في ظل المحاولة لعولمة كل شيء تقريبا بما في ذلك الإبداع بأشكاله·
بدأت عائشة الكعبي مسيرتها الكتابية عام 1994م، وقد أصدرت مؤخرا مجموعتها القصصية بعنوان ''غرفة القياس'' الصادرة عن دائرة الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة وقدمت أجزاء منها ضمن أمسية قصصية أقيمت في مقر الملحقية الثقافية بسفارة جمهورية مصر العربية في أبوظبي في إطار نشاطات صالون طه حسين· وما زالت عائشة الكعبي تعيش تجربتها القصصية بتقدم ملحوظ، ومع ذلك فهي ما زالت تحلم بكتابة قصة تخلد تجربتها الكتابية ليست كأنثى فقط، بل كمبدعة· وتقول: ''بدأت حياتي الكتابية بقراءة الكثير من إنتاج الكتاب الاماراتيين ومن بينهم محمد المر وإبراهيم مبارك وعبدالله صقر وعبدالغفار حسين ومحمد راشد الجروان وغيرهم، وأرى أن الانطلاق الى الشهرة يبدأ من التركيز في الهم المحلي واستلهام الموروث الشعبي والإنساني''·
تعتز الكعبي بمجموعتها ''غرفة القياس'' التي تقع في 106 صفحات من القطع المتوسط وتتضمن 11 قصة قصيرة هي: علياء مهددة بالانقراض، غرفة القياس، تحية صباح، الكدمة، الفسحة، ما بين حلمي وحلمه، إشعار رسمي، قصة رقم ،13 إسدال، العباءة، كيس البقال· وكتب الناقد أحمد خضر عن غرفة القياس: ''تناولت عائشة الكعبي في هذه المجموعة المتميزة نماذج إنسانية معاصرة تركز على المظهر الخارجي عبر التواجد في محل لبيع الملابس، حيث تريد إحدى السيدات البدينات جدا أن ترتدي ''الجينز'' بالقوة، وتحشر نفسها فيه حشرا، فيما أم احمد ترفض مناداتها بهذا الاسم وقد ترك الجراح مبضعه على وجهها حتى تبدو أصغر سنا، وهكذا فان غرفة القياس قد تناوبت عليها نساء من هذا الزمن، حيث كشفت القاصة بمهارة عالية الخبايا النفسية لهذا النوع من النساء''· وباختصار فان قصة غرفة القياس عمل ممتاز بكل المقاييس والمستويات لكاتبة محلية لديها طموح كبير في عالم الكتابة والإبداع·
وكتب الناقد الأدبي محمد الجزائري عن ''غرفة القياس'': ''في غرفة القياس راهنت عائشة الكعبي على اظهار علاقة ثنائية جمالية عبر البنية السردية كنسق يقوم على التواشيح بين طرفي المعادلة: الشخص والحالة، في بلاغة وبساطة، وأدخلتنا ليس في برزخ مجهول بل في ثنايا حالات إنسانية لأشخاص مهمشين، كما لو كانت قد حفظت درس التقنية التشيخوفية، وربما أضافت لها مفاجآت خواتم القصص كما لدى موباسان، ولم يأت اختيارها للومضات في مدخل الكتاب إلا مرشدا تقنيا لما سنقرأ، كما جعلتنا نأبه للنظر الى الكتاب كوحدة تقنية مفصصة، بدءا من العنوان المشوق الضارب في تنوع الدلالة والمفتوح على الإيحاء، ومن ثم عبر الغمرة البنية الأرضية المستوحاة من البنية الصحراوية الرملية في اللون البني ودرجاته، حتى الرسمة المكثفة للمعنى الشخصاني البصري، النفسي الجمالي، لبلاغة البساطة حيث نقرأ بالذكورية والأنثوية معا من دون التقيد بجنسانية محددة''·
تعتبر ''غرفة'' عائشة الكعبي منحنى مغلقاً لفضاء اجتماعي دال على الواقع الحياتي المعاش بتضاداته وتنوع أشكاله التعبيرية والإنسانية، وهي خلاصة عوالم الشخصيات التي انفتحت عليه القاصة التي تتمتع بحاسية خاصة في التقاط الحالات وتطورها عند الشخصيات في رسم جميل ومتقن في بناء الصورة المشهدية عبر تقنية لغة ذات تنوع في الدلالات والمعاني، وقد نجحت في أكثر من موضع في القصة في إدخال القارئ في ثنايا هذه الصورة دون أن تدفعه قصرا على ذلك كما نجد عند بعض كتاب القصة الشباب· كما نجحت في تقديري في التسلل الى ذهن القارئ من خلال تقمصها لشخصية الراوية أو قل الشخصية الغائية وصنعت بذلك مناخا مسرحيا أو دراميا من حيث رسم الحركات الخارجية والوصف الفني وإدارة الصراع بطريقة لافتة· وفي ''غرفة القياس'' أيضا راهنت الكعبي على إظهار العلاقات الثنائية بين الشخصيات وإضافة المزيد من الجماليات في عملية السرد الوصفي وهي غاية ما يسعى إليه أي قاص لبناء حبكة أو قل معادلا موضوعيا منطقيا لما يريد أن يوصله للناس معتمدة بذلك على السهولة في التعبير ورصد بعض مشكلات المجتمع في فترة تحوله خصوصا مجتمع المدينة بطريقة تحمل عناصر التشويق بحيث لا تتعدد الضمائر ولا الأزمات·
في قصتها ''علياء مهددة بالانقراض'' أبرزت الكاتبة نموذجا آخر من النساء، حيث انعكس المستوى العلمي الذي وصلت إليه المرأة الإماراتية على حياتها، فهي تدرس في أرقى جامعات العالم، مما انعكس جذريا على وعيها وثقافتها وثقتها بنفسها، فهي على الدوام تبحث عن الفكر والمعرفة وعن انتماء صادق لمجتمعها وللإنسانية جمعاء·
في النهاية تسجل القاصة الإماراتية عائشة الكعبي بمسيرتها الكتابية مع عدد كبير من المبدعات والقاصات المحليات خطا مهما ينحو باتجاه التركيبة والبناء المعاصر للقصة، لكنها وكما ذكرت ستظل متمسكة في الكتابة والتعبير ببيئتها المحلية وتراث مجتمعها للتعبير عن هموم الإنسان، مهتمة بوضوح بالتحديات التي تواجهها المرأة على الصعيدين الداخلي والخارجي ضمن أسلوب كتابي يتسم بـ''التكثيف وتنويع الصور الفنية ورسم دقيق للشخصيات''· وبذلك تكون عائشة الكعبي مع جملة القاصات الجديدات في الإمارات تشكل علامة طيبة في مسيرة هذا الجنس الأدبي حيث تجربتها تشي بالنضج الفني وتملك أدواتها القادرة على استنطاق الظواهر الخفية متميزة عن غيرها بالقدرة على المزج بين الذات الداخلية لحظة اغترابها وبين الظواهر بالمجتمع أو حتى محركاتها الخفية من خلال رحابة إبداعية تستوعب ما وراء المسكوت عنه في العلاقات الإنسانية وبخاصة ما طرحته من نماذج نسائية في ''غرفة القياس'' مثل: المرأة الفتية والمرأة العاملة مثل الآلة، والشابة الجميلة قصيرة القامة ومنى العانس وأم سعيد وغيرهن كثيرات تم تصويرهن في عالم النسوة ومشكلاته التي لا تنتهي مع تلميحات الى عوالم من الخيبة والفراغ والاستلاب والضيق ضمن تأثيرات فنية من الموسيقى الداخلية والوصف الدقيق وتصوير الحالات في إطار لا يشبع منه القارئ ولعل هذه هي أهم سمة في كتابة وأسلوبية الكعبي القائمة على السهل الممتنع·