الاتحاد

الملحق الثقافي

الرومانسية والأنا اللاذاتية

د· علي بن تميم

د· علي بن تميم

لقد ألحّ الرومانسيون العرب في الثلاثينات على أهمية حضور الذات في الأدب والنقد، وقد أكدوا الرؤية التي تعدّ الفرد مستقلاً، ومسيطراً على اللغة ومؤلفاً المعنى، ويبدو أن التفكير الإنساني التقليدي كان مؤثراً بصورة فاعلة عليهم، هذا ما يبرّر ورود مصطلح الطبيعة الإنسانية في خطاباتهم بصورة متكررة، والمصطلح يفترض وجود نموذج إنساني راسخ، ويمكن إدراكه بواسطة مفردة ''الطبيعة'' التي تعزو إلى الثبات، ولذلك فإن الذات تظهر في نسق يعزز التشابه والجمود· ويمكن الاستفادة من فهم هوسرل للذات لكشف الذات غير الذاتية في الفكر الرومانسي، إذ يميّز هوسرل بين الذات النفسية والذات المتعالية، فالأولى مكوّنة من الأحداث العقلية والعاطفية لحياة الفرد النفسية، وعادة ما تؤشر إلى سلوك الفرد وحياته اليومية الملموسية، بينما الأخيرة تعزو إلى البنى الشمولية الثابتة للوعي؛ لذلك فإن هوسرل في نموذجه الظاهراتي يميل للأولى؛ لأنها محكومة بواسطة الموضوع بينما الذات المتعالية ترتبط بالقصدية التي لا يمكن إدراكها·
وإذا ما دققنا في حضور الذات في الخطاب النقدي الرومانسي يمكن الإشارة إلى أنها متعالية تقاوم خصوصية الفرد لتدمجه في نموذج عام، ولذلك فإنها تتصدى لذات القارئ، لأن الفهم الرومانسي للأنا يظهر في اعتبارها أسمى من الشخصي، فأصبحت لذلك مجردة لا تتضمن ذاتاً، وهذا لم يسمح بتشييد كتابة ذاتية حقيقية· وهنا أذكر إلحاح محمد حسين هيكل على أهمية أن تكون غاية الشاعر ''تصوير الكمال في صور تأخذ بمجامع نفس قارئها··· لترتفع فوق مستواها''، والكمال هنا يفيد دلالة لا تستجيب للشخصي واليومي، ومن ثم فإن الناقد عليه أن يتجاوز ذاتيته حتى ينجح في قراءة الشعر، ومن ثم فالمعاني ـ في رأي هيكل ـ كلما تنزّهت عن ''مناسبات الحاضر، وبلغت في روعة تصويرها ما يرجى للكون كله من كمال كان الشعر أكثر··· أداء للغرض المقصود منه، وأكثر تحقيقاً لرسالته السامية في هذا الوجود· وهكذا فباستطاعة القارئ أن يلاحظ بأن ''مناسبات الحاضر'' التي تدل ضمناً على كل ما هو شخصي، تعد عند هيكل عائقاً أمام الإبداع، ويخفق المبدع إذا ما اهتم بالشخصي من الوصول إلى الشعر·

اقرأ أيضا