الاتحاد

الملحق الثقافي

لم تقع في غرامه لأنها كانت مهزومة

ترجمة وتقديم: الدكتور طلعت شاهين

الإرث الأدبي الذي خلفته الشاعرة العربية الأندلسية الأميرة ولادة بنت المستكفي في مقاطعة قرطبة، والأساطير التي أحاطت بالآثار المتبقية من مدينة الزهراء وغيرها من بقايا القصور العربية الأندلسية الشاهدة على قصص من الحب العربي، دفعت بعدد من الشاعرات المعاصرات في قرطبة بالتجمع لتكوين جمعية أدبية تجمعهن على دراسة ما أمكنهن الوصول إليه من الشعر الأندلسي، سواء عن طريق كتابات المستشرقين وترجماتهم، أو عن طريق البحث في المخطوطات التي تم نقلها إلى اللغة الإسبانية على عهد الملك “الحكيم” ألفونسو العاشر. ومن خلال اطلاع شاعرات قرطبة المعاصرات على الكثير من الشعر الأندلسي القديم، خاصة الشعر الذي كتبته شاعرات عربيات من الأميرات، أو مطربات ذلك العصر الشهيرات بالذكاء والتأليف، أو شعر الغزل والحب الذي كتبه شعراء عاشقون، مثل ابن رشد وأبن زيدون أو الشاعر الملك العاشق المعتمد ابن عباد ملك اشبيلية، حاولت شاعرات قرطبة المعاصرات أن تكون إضافتهن التجديدية في الشاعر الإسباني المعاصر عبر تمثل هذا الإرث العربي وتضمينه لقصائدهن، أو التغني بتلك الحقبة التي تعتبر جزءا أساسيا وأصيلا من ثقافتهن كشاعرات ينتمين إلى الأندلس المعاصرة، وريثة الأندلس العربية.
من أبرز شاعرات جماعة قرطبة الشعرية المعاصرة: كونتشا لاغوس Concha Lagos، وخوانا كاسترو Juana Castro، وأنخليس مورا Angeles Mora، ولولا ساليناس Lola Salinas، وهن إما من مواليد قرطبة المدينة، أي قرطبيات بالميلاد والنشأة، أو من بنات القرى المتناثرة حول مدينة قرطبة، وبعضهن درسن أو حاولن دراسة اللغة العربية في محاولة للتعرف على الشعر العربي مباشرة.
وكنماذج لبعض إنتاج شاعرات جماعة قرطبة للشاعرات الأندلسيات المعاصرات، نجد أن الشاعرة كونتشا لاغوس ذهبت مباشرة إلى “مدينة الزهراء” الأسطورية، واعتبرتها نموذجها الحي لاستعادة ماضي أجدادها وجداتها، الذين عاشوا حضارة لاتزال قصورها وأطلالها شاهدة عليها حتى الآن، فكتبت قصيدة من أجمل قصائدها وقصائد تلك الجماعة الشعرية بعنوان: “ليلة في مدينة الزهراء”. أما الشاعرة خوانا كاسترو فهي تتمثل ماضي الأندلس وتمزجه بإبداعها، مفردات ذات دلالات خاصة، كالقطيفة التي كانت ترفل فيها بنات الأندلس العربيات، أو من خلال الوصف الجمالي الذي لا ينطبق إلا على نساء تلك الحقبة العربية كالتغني بالخصر والسيقان، والبياض والأرومة.
والشاعرة أنخليس مورا تكتب الشعر في أقاصيص حب تشبه أقاصيص الحب العذري العربي.
أما الشاعرة لولا ساليناس فإنها تتعامل مع الحب على الطريقة العربية بكل جنونه ولوعته، فهي تلتصق بأرض قرطبة المعاصرة، لتحصل منها على الروائح التي خلفتها بنات الأندلس العربيات هناك، من عطر وبخور، أو الزهور التي تغنين بها في أقاصيص حبهن، التي شهدتها أروقة تلك القصور العربية، التي لا تزال قائمة كشهادة على تاريخ مضى، ولا يمكن استعادته إلا في الشعر من خلال الذاكرة.

ليلة في مدينة الزهراء
الشاعرة كونتشا لاغوس

? من مواليد قرطبة عام 1913، تكتب النثر والمسرح، إلا أن عملها الأساسي يتركز في مجال الشعر، منذ صدور ديوانها الأول “شرفة” عام 1954، إلى “الثلاثية الثالثة” وعلى مدى ثلاثين كتابا صدرت لها. وتضم أعمالها العديد من المختارات الشعرية، وحصلت على العديد من الجوائز الأدبية منها جائزة ابن زيدون. وهي عضو شرف في الأكاديمية الملكية للغة ببلد الوليد وقرطبة.
وكان معملها الفوتوغرافي بالعاصمة الإسبانية ملتقى للحوارات الأدبية التي تعقدها كل يوم جمعة.
كان الحلم يأخذ شكل الرخام الوردي،
تغنيه النوافير والأباريق،
وترسمه على فراغات وجه الهلال.
كان العطر يوحي بالسكينة
ويرسمه رعشات حميمة
هكذا كان بعثك.
كجارية مشرعة النهود
من العسل والسمسم
كانت وليمتك للعرس.
ثم ترفعين الكأس بالشراب الطيب
لتزيدين من الشوق،
والوضع الجسدي
موشى بالظلال المضيئة.
لا ليل يشبهك ولا لحظة أجمل
تغزو الأحاسيس بالاشتياق
تسقط العباءة الرهيفة عن كتفيك
ولا يكشف عنك سوى سقوط الحجاب السابع.

جنون
لولا ساليناس

? ولدت في قرطبة عام 1955، وحصلت على درجة معلمة وتمارس هذه المهنة بإحدى القرى القرطبية القريبة، وتحترف مهنة الكتابة من خلال التعاون مع المجلات الأدبية المتخصصة.
تنتمي إلى جماعة شعرية تضم عددا من الشعراء القرطبيين يطلقون على أنفسهم اسم “زوبيا”، وتصدر هذه الجماعة العديد من المطبوعات وتمارس أنشطة ثقافية مختلفة.
من أهم أعمالها: “عندما يبحث عنا ابريل” و”عشر قصائد” و”جنون” و”أغاني”، إضافة إلى عدد من المختارات الشعرية.
أصابه الجنون ببطء،
تماما كما ينمو الخبيز في الأرض،
والتصقت بلحمه،
ذكرى فمك الرطب،
ورغم الشتاء
فان عطرك البخوري أصاب عظامه بالخرس.
كنت أعرف دائما أن البحر كان بعيدا،
وأن تحالفه بالأرض منفصم،
ولا توجد قطارات للوصول إلى شاطئه،
ورغم ذلك، تسافر إليه كل يوم بلا تعب،
وتعد كل يوم حقائبها.
في العزلة تعرف
أن العقل حقيبة فارغة،
وبرغم ذلك
تزعج الزهور بغنائها،
كما لو كانت تبحث فيها عن الطريق
إلى الخشونة المضيئة التي تسيلها على الأرض.
تنثر جنونها في الشوارع خلسة،
وأنفة الأرصفة تسد في وجهها
إراقة المطر.
وأحيانا،
عندما يكون الوقت مناسبا
تمشط بعيونها واجهات الحوانيت الزجاجية

تكاد تكون أقصوصة
انخليس مورا

? ولدت عام 1952 بقرية “روتي” بقرطبة، حصلت على الليسانس في الآداب الإسبانية من جامعة غرناطة، حيث تعيش وتعمل حاليا هناك.
أصدرت عدة أعمال منها: “كنت اعتقد أن الطريق كان مستقيما” و”أغنية النسيان” و”حرب السنوات الثلاثين”.
همهم إنه من الأفضل
ألا يقع في الحب،
لم تعارضه
لأنها كانت تعرف أنها مهزومة
لكنها تركت جسدها لمداعبات يديه
إلا إنها لم تقع في غرام لمساته
لكنها لم تمنع شفتيها من معانقة شفتيه
في بطء
لكنها لم تسقط في غرامهما
وأن لم تمنع لسانه من جرحها
لكنها لم تقع في غرام كلامه
ولا في غرام عينيه ولا صوته
ولا حتى شحوب وجهه المفاجئ
أثناء العناق
ذلك الشحوب الذي كان يلفها في خيوطه العنكبوتية
كانت حريصة ولم تقع في غرامه
لا لم تقع في غرامه
لأنها كانت تعرف أنها مهزومة
التقيا مرات ومرات
دون حب بينهما
إلا انهما
كانا سعيدين كطفلين.

الأرض
خوانا كاسترو

? ولدت الشاعرة عام 1945 بإحدى قرى منطقة “لوس بردوتشيس” بقرطبة، تكتب الشعر والنقد الأدبي، وتمارس مهنة الكتابة في الصحافة.
صدر لها العديد من الأعمال الشعرية من بينها: “عن الألم والأجنحة” و”نرجسية وطائفة” و”الخيانة العظمى” و”الأرض”.
الشعر بالخطو الحميم
يدور
وفرك العيون، لاكتشاف
انه لا احد هناك.
الانحناء، ولملمة
الفستان، تاركة على الساقين
بعضا من بياض النسيج،
تعانق قطيفته وتجاعيده
الخصر والسيقان.
إن تبتل
بالدفق الذهبي
الأرض الطيبة التي جففها عطش الصيف
ونخر النمل القاسي قشرة حشائشها الجافة
واختلاط
أرومتها الزبدية بالأخضر
المتبخر في مايو، مع همهمة حرثها،
بمجاري خطوطها الهاربة
وفي الشتاء،
ترفع أنفاسها سحبا حارة،
تتشوق إلى رهافة وريقة الهواء البارد
إن سقوط المطر
كان طقسا صغيرا
يزيد من جمال الحقول.

اقرأ أيضا