الاتحاد

الملحق الثقافي

سيوف تغرد..

فن الخط العربي وحرفة صناعة السيوف والخناجر وزخرفتها على الطريقة القوقازية، هما قوام علاقة تاريخية بين العالمين، علاقة بين مفرزات حضارتين جرى التداخل بينهما على غير صعيد، لقاء الحضارتين العربية والشيشانية، وتمازج العناصر الفنية التقليدية المشتركة بين الطرفين، هو ما استغله البعض للجمع بين التراثين في صور فنية مختلفة، فتم إنتاج الكثير من المواد والأعمال الفنية في هذا الإطار، وهو ما يبدو لنا في عمل الفنان السوري (الشيشاني الأصل، والمقيم في دولة الإمارات منذ عشرين عاما) عماد غالغاي، في معرضه المقام في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية بدبي، معرض الخط العربي والزخرفة الإسلامية الذي حمل عنوان “سيوف تغرد”.


عمر شبانة
معرض غالغاي نموذج لهذا التواصل بين العالمين العربي الإسلامي والشيشاني، فهو ضم أعمالا تنتمي إلى عالم يجمع فن الخط والزخرفة العربيين وبعض رموزهما (الحرف والهلال والنجمة) والحرفة التقليدية الشيشانية، ويستند فيها الفنان إلى تاريخ من هذه الحرفة والصناعة المتعلقة بالأسلحة في الموروث الشيشاني العريق. ويختار الفنان في عمله أسلوب تضخيم هذه الأسلحة ليصنع “أطول خنجر أو أطول سيف في العالم”، محكوما برغبة التميز في مجاله النادر، بناء على نسخ عادية ورثها عن والده أو استعارها من ميراث العائلة أو غير ذلك من مصادر الموروث التي عاشها في بيئة خارج بيئته الأصلية. فقد وجد الفنان نفسه في بيئة وثقافة ولغة مختلفة عن جذوره التي يحتفظ أسلافه بعناصر منها، فكان هذا الارتباط المزدوج.
وإذا كان غالغاي قد تشرب هويته الشيشانية من بيئته الضيقة، فمنذ طفولته كان الخط العربي قدرا ارتبط به بسبب التدين في الأسرة، يقول عن ذلك “ظهرت موهبتي في الرسم منذ صغري فعندما كنت طالبا في الصف الثاني الابتدائي فزت بالمركز الأول على مستوى الجمهورية السورية في إحدى المسابقات الخاصة بالرسم، لكن الصدمة أن والدي ضربني على ذلك بدلا من تشجيعي لأنه اعتبر أن الرسم حرام ولا يريد أن أتعلق به فأنصرف عن دراستي، واستغرب أين رسمتها إذ لا أجرؤ على فعل ذلك أمامه واكتشف أنني رسمتها تحت السرير! وبعدها هجرت الرسم من كثرة توبيخات والدي واخترت شيئا قريبا منه أمارس عبره هوايتي وحبي للفن وفي ذات الوقت لا أغضب والدي فأشعر براحة نفسية أثناء ممارسته، فاتجهت إلى فن الخط العربي”.
من أبرز النماذج المعروضة الخنجر الذي يبلغ طوله حوالي ثلاثة أمتار تقريبا، ووزنه 100 كغم، حفر على نصله جملة “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، وجعل نصله يخرج من الغمد ويعود ثانية إلكترونيا وذلك عبر الضغط على زر مثبت على يد النصل، وهو مصنوع من مادة الستينلس ستيل والخشب الفاخر والجلد الطبيعي، وقد تم وضع زخرفة قديمة عليه وجرى تزيينه يدويا بآلاف الفصوص والأحجار الصغيرة المتلألئة لتزيده جمالا، كما صمم غولغاي السيف العملاق وهو سيف عربي كبير طوله حوالي ستة أمتار مرصع بآلاف الفصوص وأحجار الكريستال. وهو يحرص دائما على ممارسة التقاليد والطقوس الشيشانية، في ما يتعلق بالمأكل وأسلوب الحياة وأيضا اللغة، وبحسب ما يرى عماد يعتز الشيشانيون خصوصا الكبار بالقطع التراثية كالسيوف والخناجر والأقواس، فضلا عن أدوات الصيد التي غالبا ما يستعين بها سكان المناطق الجبلية.
الخط العربي الذي يرافق هذه “الأسلحة” يأتي عنصرا من عناصر الزينة، وليس موازيا أو قائما بذاته ولذاته، وتغلب عليه الصبغة الكلاسيكية لخط الثلث، واستخدام الآيات القرآنية “الحمد لله رب العالمين”، و”قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين” مثلا يأتي على سبيل الاختيار العشوائي وغير المرتبط بالسلاح الذي اختيرت الآية لتزيينه. ما يعني أن التركيز لا يتناسب بينه وبين الموضوع/ الآلة. فمجموعة التصاميم تحافظ على هوية السيف والخنجر التي عرضت بأشكال مختلفة ضمن لوحات فنية وأعمال تقوم على المعادن وأحجار الكريستال تحاول أن توضح عمق اللقاء المشترك بين الثقافتين العربية والشيشانية.
يجمع معرض غالغاي هذا إذن ما بين الحرفة والإبهار، مستعينا بالفنون العريقة، وفي أثناء جولة في المعرض كان الفنان حريصا على إظهار البساطة والاتكاء على العمل اليدوي الذي يحترفه منذ سنوات، وقدم شرحا عموميا في رغبته بالجمع بين التراثين العربي والقوقازي على صعيد تقديم عمل فني فريد، عمل يستخدم فيه الأدوات والمواد البسيطة، الجلد والمعادن والخشب، ثم يقوم بعملية التذهيب أو استخدام الزخارف الصغيرة.
رماح وبواريد ومسدسات قديمة واكسسوارات نحاسية وصناديق مجوهرات نفيسة ولوحات فنية تتداخل فيها خامات طبيعية مثل النحاس الأصفر أو الأحمر أو الفضة ومطلية بالذهب والخشب، أما الرخام والحجارة فيحفر منها جداريات للمباني والقصور والمساجد ونحوها. ويبرز جانب من مساهمته في زخرفة عدد من المساجد والمباني التراثية الموجودة في منطقة البستكية وجامعة الشارقة والجامعة الأمريكية بالشارقة. ومن أبرز أعماله لوحة جدارية عملاقة منحوتة على حجر الغرانيت القاسي تمثل الخط العربي وهي تشكل واجهة ندوة الثقافة والعلوم في دبي، وسوى ذلك من الإنجازات. لكنه يحب كثيرا صنع السيوف والقامات فهي ترمز إلى القوة والفروسية اللتين تشكلان بعض القيم الشيشانية والعربية المشتركة.
ولا يسعى غالغاي وراء التكسب من موهبته، وما تصنع يداه من تحف قيمة ربما يصعب تقليدها، وهو يبرر ذلك بحبه الشديد لاقتناء الأشياء الأصلية دونما غيرها، مؤكدا أن الشعور بأصالة الفن والبقاء وسط تلك التحف كافٍ بالنسبة له، ويغنيه عن أي مكسب آخر، ويقول عماد منتقدا صناعة التحف بطريقة آلية “لدينا في العالم العربي حرفيون كثيرون وأسواق متخصصة في صناعة التحف كالتي في دمشق أو خان الخليلي بالقاهرة، لكنها لم تعد كالماضي حيث ورث الصغار الصناعة دونما وراثة روح الفن والشعور بقيمة ما يصنعون”، لافتا إلى أن الشهرة في حد ذاتها لا تضيف إلى قيمة الفنان، من دون أن يملك روح الفن والإخلاص في ما يقدم.

اقرأ أيضا