الاتحاد

الملحق الثقافي

النقد يخذل الرواية العربية

تتراجع الدراسات والمقالات النقدية حول الرواية أو الروايات العربية، خاصة منها ما يتعلق بما يسمى النقد التطبيقي الذي يهتم أصحابه بمتابعة الإنتاج الأدبي، شهراً بشهر أو عملاً وراء عمل، وهناك ما يسمى النقد الأكاديمي، الذي ساد فترة وقام به عدد من الأكاديميين مثل جابر عصفور وصلاح فضل وغيرهما. وقد شكا عدد من الروائيين من انتشار وسيادة هذا النقد الذي يعمل أصحابه، النظريات والمناهج النقدية الغربية كالبنيوية والتفكيكية ويخضع الأعمال الروائية العربية لها، رغم اختلاف السياق المعرفي والإبداعي بين النص والعمل الروائي والنظرية النقدية التي يتم تقييمه على أساسها، وعموماً تراجع هؤلاء النقاد ونقدهم، لأسباب كثيرة، منها أن هؤلاء النقاد اتجهوا إلى الكتابة حول جوانب ثقافية أخرى.
ويفاجئنا الناقد د. محمد برادة في كتابه الجديد “الرواية العربية ورهان التجديد” بعدة أمور من بينها أن الحقل الأكاديمي العربي لا يعرف معاهد وتخصصات لدراسة سوسيولوجيا الأدب، تتوافر على دراسة الجوانب المختلفة للأدب عموما وللرواية تحديداً، التي تشهد ما يسميه برادة “انفجاراً” إبداعياً على مستوى المنطقة العربية كلها، والحق أن الناقد والدارس يواجه مشكلة حقيقية، فلا تتوفر معلومات عن حجم الإنتاج من كل عمل، وبتفصيل أكثر من المفترض أن تعلن الأرقام المطبوعة من العمل الابداعي والأرقام المبيعة، أي عملية النشر والتوزيع؛ لأن ذلك يضع خريطة واضحة أمام الناقد نكشف مدى إقبال القراء على عمل أو نوعية من الأعمال بذاتها، ولأسباب كثيرة لا يتم توفير تلك المعلومات، الناشر يخفي الأمر على الكاتب، ربما لأسباب مالية بينهما، وربما بسبب الرغبة في تجنب دفع الضرائب، وبعضهم يتخوف من الحسد، وكذلك ربما لا يهتم بعض الكتاب بإعلان الرقم الحقيقي للمطبوع وللمبيع، خوفاً على صورتهم الذهنية لدى القارئ، إن كانت أعمالهم لا تباع كثيراً.
وغياب هذه المعلومات الأساسية يضع الناقد والدارس في حالة من العمى أو الضبابية، لذا لا يكون أمامه سوى الأسئلة المتخيلة عن العملية الإبداعية ذاتها وجو العمل ورؤيته الخاصة له. ومع ذلك، فإنه لا يمكن إنكار أن الرواية العربية وصلت إلى العالمية، عبر أسماء مثل نجيب محفوظ الذي نال نوبل سنة 1988، وعدد آخر من الروائيين، فضلاً عن كتاب اختاروا الكتابة بغير العربية، كل لأسبابه الخاصة مثل محمد ديب وكاتب ياسين وآسيا جبار وهؤلاء كتبوا بالفرنسية لأسباب تاريخية تتعلق بظروف الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي، وهناك المصرية أهداف سويف التي تكتب الرواية بالإنجليزية، وهذه النصوص بغير العربية نالت قدراً كبيراً من الاستقلالية، بينما استقلالية النص المكتوب بالعربية “تكاد تكون معدومة” لأسباب وعوائق عديدة بعضها اجتماعي وبعضها سياسي وديني. ويحسب للنص الروائي أنه نقل صوت الفرد والإنسان العربي واعلنه بوضوح، بعد أن ظل لعقود مطموسا ضمن لغة خشبية وخطاب تقليدي تسيطر عليه النزعة الوطنية والقومية حيناً والدينية حينا آخر. وبقي النظام السياسي العربي طويلا لا يعترف بالفرد وحقوقه ولا بالفردية باعتبارها قيمة إيجابية تواجه هيمنة المؤسسات في مجتمعنا، ومن البداية في رواية “زينب” التي كتبها د. محمد حسين هيكل قبل قيام الحرب العالمية الأولى، نجد صوت البطل “حامد”، وهو المثقف الفرد يعلو على صوت الفلاحين في القرية وصوت المجتمع، معلنا تمرده على الأوضاع الظالمة في القرية وغياب الحقوق الأساسية للفرد، ناهيك عن حريته، وسيبقى صوت الفرد المتمرد في بعض الأعمال مثل عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم وأديب لطه حسين والأجنحة المتكسرة لجبران، لكن بروز مفهوم الكتابة الروائية في رصد التحولات الاجتماعية العميقة يبدو واضحاً لدى كتاب الخمسينيات والستينيات، وهنا تبرز أسماء عديدة لكتاب اهتموا كذلك بالبعد الفني والجمالي للكتابة مثل “الحي اللاتيني” لسهيل إدريس سنة 53ورواية ليلى بعلبكي “أنا أحيا”، ثم موسم الهجرة إلى الشمال” سنة 1966 فضلاً عن أعمال لأسماء مثل صنع الله إبراهيم وعبدالحكيم قاسم والغيطاني وغيرهم.
ويتوقف محمد برادة مطولاً عند هزيمة يونية 1967 باعتبارها لحظة كاشفة لمدى القمع الأمني وسطوة الأجهزة السياسية وعجز أفكار القومية العربية عن أن تحقق المشروعات والأفكار التي أثارتها في التحرر الوطني والاستقلال التام والوحدة العربية والأهم تحرير فلسطين، في هذه اللحظة استعاد الأدب والرواية تحديدا، استقلالهما النسبي وأخذاً يخوضان في المسكوت عنه ويقولان ما لا يقوله أحد، وللإنصاف لابد من التنبيه إلى أن الرواية كان لديها استشعار مبكر بهذا الخواء السياسي والايديولوجي، إن صحت التسمية، يبدو ذلك في رواية نجيب محفوظ “اللص والكلاب” سنة 1962، ثم “ثرثرة على النيل” سنة 1966، وكذلك رواية توفيق الحكيم “بنك القلق”.. غير ان لحظة الهزيمة وجدت التعبير الفوري عنها والتمرد عليها في الشعر، وهنا نتذكر قصيدة نزار قباني “هوامش على دفتر النكسة”.
كانت سنة 1967 بداية ما عرف باسم “التجريب الروائي” والذي استمر الى اليوم، لم يكن التجريب على مستوى الشكل فقط، لكن امتد الى المضمون والمحتوى، على مستوى الشكل حدث تطور كبير، لم يعد هناك السرد والمطول ولا اللحظات الزمنية المتتابعة، تجاوز المبدعون ذلك كله، وصارت الرواية قصيرة محدودة الصفحات، كانت بعض روايات يوسف السباعي تصل الى 600 صفحة أو أكثر، الآن نحن بإزاء الرواية القصيرة جدا، الروائي الآن يكتب وسط أجواء ثقافية مختلفة، نحن نعيش ثقافة الصورة، من سينما وتليفزيون. لذا وجدنا بعض الروايات متأثرة بذلك تتجه نحو التسجيلية والتكثيف.

اقرأ أيضا