الاتحاد

الملحق الثقافي

أحلامهم.. قصائد

ديوان شعر صدر حديثا، لكنه ليس لشاعر مشهور وليس الديوان الأول لشاعر ما، بل هو مجموعة من القصائد كتبها الأطفال باللغة الهولندية أصلا، وترجمها إلى العربية عبدالرحمن الماجدي. وكان الكتاب قد صدر تحت عنوان “أحلام” عن طريق مؤسسة اليوم العالمي من أجل الأطفال، وكان يتوقع أن توضع هذه النصوص على رفوف خاصة بكتب الأطفال أو ما يسمى أدب الطفل، لكن مكانها بعد ذاك كان رفوف الشعر.
فما الذي حدث إذن؟ وكيف كتب هؤلاء الأطفال قصائد ملفتة وجميلة ومليئة بحس وشعور مختلف للأشياء من حولهم، بل برؤى مختلفة ومغامرة وجريئة، وبخيال خصب يقارب بين الحياة والحلم والشعر؟؟
هناك قصة وراء هذا الجهد الذي قام بترجمته بشكل جميل ومدهش عبدالرحمن الماجدي، إذ طلبت تلك المؤسسة من الأطفال من سن السادسة حتى سن الثانية عشرة كتابة أحلامهم في صيغ شعرية، أي كتابة ما يرونه في أحلامهم وهو ما يعيد إلينا رؤية باشلار عن شعرية أحلام اليقظة والماء والأحلام. إنه المكان الخصب الذي أتقن اختياره، ومع الأطفال خصوصا حيث سيجتمع هنا الشعر والطفولة والأحلام واللغة جنبا إلى جنب، منطقة عمل ثرية ومدهشة سلفا، أو هكذا يتوقع حتى قبل أن تصل تلك النصوص إلى المؤسسة.
الشعر هو هذا الانفلات من الواقع والتقاطع معه في نفس الوقت، هو هذا الحس المغاير بالتقاطه للعابر والعادي، وما لا يعتقد أنه قد يكون شعرا في يوم ما، بل هو حالة من الترقب لأبسط الأشياء التي تمر بنا، كيف لا والحلم هنا يعضد النص بمزيد من خيال الأطفال الخلاب عادة؟
كل هذا هو ما حدث، فبعد أن وصل عدد النصوص إلى عشرة الآف قصيدة، فاختاروا منها كما يشير الماجدي 150 قصيدة طبعت جميعا في كتاب خاص يحتوي على القصائد الفائزة بالجوائز الثلاث لكل فئة عمرية مع القصائد الأخرى المنوه عنها من قبل لجنة تحكيم متخصصة. وتختلف هذه القصائد التي ترجمها الماجدي في تباين صورها وأدواتها، ولعل هذا يعود إلى ذهنية الشعر ومفهومه المختلف لدى الأطفال في هذا المعبر، والى القدرة على التعبير تماما عمّا يريدون أن يكتبوه.
نقرأ في الكتاب لدينيس بيريس في الصف السادس وهو النص الفائز بالجائزة الرئيسية، وعنوان النص هو: “وردة” ويقول فيه: “لو كنت وردة، لو قطفت، لو وضعت في مزهرية، حينذاك، سأشعر بالماء من حولي، سأشعر بدوخة، سأشعر بأني موشك على الموت”. وهو ما تشير إليه الناقدة المصرية فاطمة قنديل وتقاطعه مع أفكار شعراء كبار كتبوا عن هاجس مماثل. بيريس يكتب بطريقة الكبار، لكن ذلك ينبغي أن يقرأ بمنظور طفل حتى لا يفقد بريقه تماما، وما يمكن أن يستقرأ بين سطور وطريقة تعبير الطفل فلهم أحلامهم ومخاوفهم وقلقهم الخاص. أي شيء يجعل طفل يعبر عن الموت بالوردة، ويوظف المزهرية والماء الذي هو معادل وجودي للحياة، بينما تغرق فيه وردة المزهرية حد الموت.
البساطة هي التي تجعلنا نحلق مع غيمة اكيفين فيليبا، وهو في الصف الرابع، إذ يقول: “حلمت بأني غيمة، وكانت الريح تهب، حينها رن المنبه، وطيرت الريح حلمي”. هذا النص الذي كتبه كيفين، والتقط فكرته ببراعة، هو نص يمر على جميع البشر، ما من شخص إلا وتمنى يوما أن يكون منامه قد استمر وهو غارق في حلم جميل، وما من شخص إلا وأصابته حسرة طفيفة على حلم رآه وبتره الصحو فجأة إما عن طريق شخص ما يوقظه أو عبر أي سبب آخر.
ولننظر إلى دهشة أخرى تفوز بالمركز الثالث، وتكتب تحت عنوان “أشباح” لمارغوت اوبليس في الصف الرابع، تقول: “حلمت هذه الليلة بالأشباح، مهذبين جميلين ورقيقين، رأيتهم يحلقون في غرفتي قائلين: ليلة سعيدة”. من يتوقف ليتأمل هذا النص البسيط والمتسرب إلى الطفل عن طريق فكرة أن هناك أشباحا ليلية مؤذية والى آخره من تلك العوالم. هنا تتصرف مارغوت وتكتب حلمها بكل بصدق حتى لو كان الواقع يقول غير ذلك، فالأشباح كما يريد وعيها أو كما تريد هي أن تراها رغما عن الحقيقة، فالأشباح لم يعودوا أولئك المخيفين ولا الأشرار بل هم في صورة جميلة ورقيقة، ويهمسون بحب ولطف لمارغوت ويقولون ليلة سعيدة. هكذا يتصالح الشاعر الطفل مع موجوداته ومع مخاوفه ومع كل ما يمكنه أن يكون ضد رغباته، إذن الشعر لدى مارغوت هو تحسين صورة الواقع احتمالا.
هذا الشعر يتبدى عند آخرين في شكل آخر، فنقرأ مثلا نصا عنوانه “حلم العطلة” للفائزة أيضا بجائزة المركز الثالث كريستل فان دين فيلدين في الصف السادس، إذ تقول: “أبي ضاع، أمي ضاعت، أختي ضاعت، وأختي الأخرى ضاعت، بالرغم من ذلك وجدوهم”. وكما نجد ذلك في نصوص كثيرة قد تبدو لأول وهلة عادية، لكن محاولة قراءتها بأعين الأطفال يعطينا دهشة لا يمكن أن نتجاهلها، بل ويمكن أن تتشابه مع فلسفة شعر الهايكو في كثير من النصوص.
إنها دعوة مفتوحة وجادة من الأطفال للعودة بالشعر إلى تلك الأمكنة التأملية الصافية، وبتلك التي تعنى بالذاتي واليومي والهامشي، والكتابة ببراءة الشعر وان نتركه بعيدا عن أي لوثة يمكن أن تصيبه، وأي قضايا يمكن أن يطرحها غير الشعر. قضية الشعر هي التعبير عن مشاهداتنا وعما يعترينا بمثل هذه البساطة الممتعة والمدهشة، وبمثل هذه الزوايا المختلفة في الكتابة.
هناك طفل يشير إليه الكتاب بأنه كتب نصا وأكمله برسومات وجد أنها تكمل النص، وأشار في نصه أن يرجو مشاهدة الصورة أسفل القصيدة، يقول ذلك الطفل الشاعر الذي يبلغ من العمر سبعة أعوام: “حلمت بأني فلاح استطيع فعل أي شي، وعندي مائة ألف بقرة وثور واحد موجود هنا” (أسفل القصيدة رسم ثورا).
ومن الأطفال من استطاع أن يكتب رؤاه في سطور قليلة جدا كهذا المقطع: “نحن نحلم في القطار، ونحلم بالجبال”.
نصوص ممتعة كتبها الأطفال، وحققوا فيها دهشة كافية لأن تخلد قصائدهم في وجداننا، وعمل جميل ينتظر أن يكون هنالك ما يشبهه في التجربة العربية.

اقرأ أيضا