الاتحاد

الملحق الثقافي

عن مدن وصحراء ورجال

لا أتصور أني قرأت وصفاً لذكاء البدوي وبراعته في صحراء العرب، كما قرأت للإنجليزي إدوارد هندرسون، حيث يقول: “عرف جميع البدو بمهارتهم في اقتفاء الآثار، وقد يمتاز بعضهم على غيرهم في هذا المجال”.
ويروي هندرسون حكاية مقولته تلك فيواصل: “حدث أن مررنا في مرات عدة على آثار جمال على الرمال في الصحراء، والتي كانت تبدو بالنسبة لي، مجرد غور بسيط في الرمال، لا يعني أي شيء، ولكن البدوي الذي يراها يقول:
ـ هذه آثار جمل فلان بن فلان الذي مرّ من هُنا بعد ظهر أمس، وجمله محمَّل وهو متوجه إلى مكان كذا، فقد جاء منذ عشرة أيام مضت متوجهاً في الاتجاه المعاكس ومعه جملان وكلب صيد “السلوقي”، وقد ذكر أنه سيعود بعد أيام قليلة، ولا بد أن يكون حمل جمله الكبير مثقلاً بالزاد لعائلته ولغيرهم، فهو يركب الجمل الأصغر، والذي يكون حمله أقل عادة، وهذه آثار الكلب في الجانب، بينما هذه آثار الجمل الثقيل الحمل، وأنا أعرف جيداً الجمل الذي يمتطيه لأنه كان معي عندما كنت آخذ الجمال للرعي وأقوم على حراستها، فأنا أستطيع التعرف إلى آثاره في أي مكان كان، أنظر إلى آثار الأقدام الصغيرة.. والخطوات تبدو صغيرة أيضاً مما يدل على أن الجمل كان يعدو مسرعاً”.
ومن الغرابة حقاً أن يعلق هندرسون على هذه المعرفة “الوصف” بأن البدوي بإمكانه أن يستمر في السرد على هذا النحو، إذ الأمر سهل بالنسبة له ولأقرانه من البدو.
ولأن هذه القطعة أدبية بامتياز كان لا بد لنا من أن نوردها كاملة، وهنا نتساءل كيف تسني لادورد هندرسون أن يلتفت إلى وجود هذه البراعة عند البدوي؟ وكيف له أن يجعلها سمة من سمات العارف/ العالم بالجزء/ الإشارة التي تقود إلى المعرفة الكلية.
حسناً هذا الرجل الإنجليزي الذي جاء إلى أبوظبي ودبي عام 1948 قدم لنا في كتابه “ذكريات عن الأيام الأولى في دولة الإمارات وسلطنة عُمان” ما تعجز الكاميرا أن تصوره، قدّم لنا وصفاً بليغاً للإنسان في هذه المنطقة، عن مشاعر الإنسان، ومكانته، وأصالته.

التسوق والناس
رسم هندرسون لنا صورة حيّة عن المكان. حتى أنه قرب الصورة فجعلها متحركة بين الكلمات ولنقرأ وصفه لسوق دبي إبان العام 1948:
“يبلغ طول سوق دبي حينذاك حوالي مئتي ياردة، وهو مغطى ومظلم، وكان عبارة عن دكاكين ومحلات قائمة على جانبي زقاق يفصل بينهما، والدكاكين جميعها مستطيلة الشكل ويلف أعماقها ظلام دامس، يتربع صاحب الدكان على الأرض عند مدخلها وحوله السلع الحديثة التي تلفت الأنظار وإذا كنت راغباً في الشراء فإنه يقدم لك كرسياً لتجلس عليه أو على طرف البساط الذي يجلس هو عليه ثم يقدم لك القهوة”. ويواصل هندرسون وصفه:
“وكانت أصوات المارة في السوق تصدر ضجيجاً خافتاً، وذلك لأن كل هذا كان قبل وجود الراديو الترانزستور وتتشابك أصوات الجموع المتنقلة، فمعظمهم يرتدون الثياب العربية، يقاطعها بين الحين والآخر صوت بوق عجلة صبي صغير منذراً بمروره، وتبدو عجلته أكبر منه بكثير”.
يتعاقب الوصف بالتتابع وكأنه عين كاميرا حديثة:
“وقد اختلفت المحلات في مضمونها عن الأخرى، فقد يطهى اللحم في احداها وفي الأخرى تباع معلبات الحساء والبقول المطهية والسردين، وفي دكان مجاور يجلس خياط هندي، ودكان آخر لبيع الأقمشة إلا أن معظم البضائع في المحلات أو الدكاكين كانت تحتوي على مجموعات صغيرة مختلفة”.
هذان هما طرفا الحياة في البادية والمدينة، الطرفان اللذان مسكهما هندرسون وتوغل فيهما، عبر مذكراته التي أطلق عليها “ذكريات الأيام الأولى”. ذكريات الصحراء في أسرارها، ذكريات المدينة التي بدأت تشكل أسرارها وخباياها.
ينظر هندرسون إلى دبي، حيث يرى على جهته اليمنى قصراً قديماً للحاكم، وكما يصفه “أنه عبارة عن مبنى طويل مؤلف من طابقين زينت مقدمته بالجبس الأبيض، تحيط الشرفات بكل طاق من طوابقه على طول امتداده، وهو يبدو لافتاً للأنظار، وذلك لأنه كان أكبر مبنى في الحي نفسه، ولأنه يمتاز بشكله المشيَّد على الطراز الفيكتوري”.
ويصف هندرسون مجلس المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله الذي ينعقد عن شرفة بناية مكتب الجمارك.

رائحة السوق
وصل هندرسون إلى دبي عام 1948، حيث وجد العرب يرتدون الأثواب البيضاء، ورجال الحاكم أو الحرس يسيرون وهم يتسلحون ببنادقهم ويحملون الخناجر المعقوفة المثبتة في أحزمتهم. وجد الهنود والباكستانيين والإيرانيين، ويقول “ولكن العرب كانوا الشخصيات المميزة في تلك الأيام فجميعهم كانوا يرتدون الملابس الوطنية التقليدية”.
ينقل هندرسون حتى الرائحة وعبقها وملازمتها للمكان فتنبعث من بين سطور وصفه، حيث رائحة الكافور من بين رزم الأقمشة الجديدة ورائحة البهارات واللم المطبوخ والتبغ من بين ظلمات الدكاكين التي اصطفت بطراز شرقي مألوف تذكره بأسواق حلب والقاهرة المقنطرة. ويقول “إذا كنت ماراً من هناك، فمن المستحيل أن تعبر “السوق” من دون أن تتناول القهوة أو الشاي سواء اشتريت شيئاً ما أم لا، فالسوق متعة يومية لمن تروق لهم الأحاديث والثرثرة”. كانت مشاعر هندرسون غريبة وغرابتها تتجسد في مقولته هذه “لم أعد أشعر مثلاً أنني بعيد عن وطني، وأنني أعيش في مكان غريب، لأنني بت أرى من حولي هنا كل ما أستطيع أن أجده في أي مكان في الغرب”.

هذه هي المدينة التي يصفها هندرسون، عندما يدخل قلبها ـ سوقها ـ حيث يجد البدوي وابن المدينة، ويقول “إن البدوي كان لديه شعور عزيزي بالتعالي على سكان المدينة، والشيوخ في جميع المدن القائمة على الساحل هم بدو بالنسب، وكانت الطباع البدوية ما زالت تتغلب عليهم، ولذلك استمر تعاملهم مع سكان الصحراء وعلاقاتهم معهم كانت سلسة”، ويقول هندرسون “إن الاحترام للبدوي كان يبدو واضحاً في أبوظبي”.
ومن الطبيعي أن تلفت البراجيل في البيوت انتباه هندرسون، تلك البيوت التي بنيت من الحجارة والبعض الآخر من الطين. يطلق هندرسون على البراجيل تسمية “الأبراج الهوائية”، حيث تذكره بأبراج قريته في بريطانيا.
ويقول: “يزين هذه الأبراج زخارف من الجبس، أما فائدتها فهي أنها كانت تستعمل كوسائل لتبريد الغرف في الأسفل وتسهيل حركة دورات الهواء فيها، حيث إن جوانبها الأربعة عبارة عن فتحات صممت بطريقة لتدفع الريح إلى داخل البيت، ويضبط قوة دفعها مصاريع خشبية ثبتت على الجهات الأربع، والتي من الممكن إغلاقها عند اختلاف عوامل الطقس وبرودته”.
ويضيف “هذه الأبراج تستطيع أن تجذب الهواء والريح من جميع الاتجاهات، وأن تدفعه إلى البيت، فلن يكن على المرء إلا أن يفتح المصراع المقابل لهبوب الريح، ويغلق البقية، وكانت البراجيل في الأيام الرطبة تولد تياراً هوائياً منعشاً داخل البيت، أما عندما يكون الطقس جافاً، وهو أمر نادر الحدوث، فإن هذه الأبراج تفقد فاعليتها لأنها تحتاج إلى هواء رطب، وإذا لم يكن هناك تيّار هواء فإنها تصبح عديمة الفائدة، وفي فصل الشتاء يندفع التيّار إلى الداخل حتى ولو كانت المصاريع مغلقة”.
ذلك هو الوصف الأدق الذي يوازي وصفه للبدوي العارف بآثار الجمل، وقد نسأل حقاً هل تعلم هندرسون كيف يقتنص أوصاف الأشياء من ذلك البدوي الذي رأى علامة فقط فوصف عالم بدوي غائب ترك علاقته على الرمل، وذهب إلى مكان مجهول؟

وصف أبوظبي
يقول هندرسون: “في تلك الأيام كانت أبوظبي في القرن الماضي وحتى مطلع هذا القرن واحدة من أهم المراكز الرئيسية في تجارة اللؤلؤ، ولكن منذ مجيئي إلى هنا كانت أعداد قليلة من المراكب تتوجه إلى موسم الصيد وليس لفترات قصيرة”.
ويضيف: “وإذا أشرفت على أبوظبي وجدت ثلاثة أو أربعة بيوت قديمة مصفوفة بقرب بعضها وقد بنيت إما من الحجارة أو من الطين، وتمتد على طول الساحل، وقد كانت هذه البيوت وقتها قديمة جداً”.
ويذهب هندرسون إلى قلب أبوظبي ـ سوقها ـ ويقول: “أما السوق فقد كان صغيرا”، ومعظم البيوت التي كان يعيش فيها السكان صنعت من جريد النخيل، وقد امتد الشاطئ الأمامي للجزيرة مسافة ثلاثة أو أربعة أميال في الطول، احتلت المدينة جزءاً صغيراً منه فقط، وبعد الشاطئ بقليل، كان هناك صف من أشجار النخيل المتفرقة عن بعضها بعضاً، ومجموعة من الأكواخ التي تتكون منها المدينة، وخلف هذا كله يقع الحصن الكبير”.
ويصف مشاعره بعد أن ودع أبوظبي عائداً إلى دبي بواسطة المركب، حيث يقول: “وأنا شديد الأسف والحزن لأني غادرت هذا المكان الذي على الرغم من بساطته قد جذبني إليه بجوه وسحر شعبه”.

الهمم العالية
يؤكد هندرسون منذ عام 1948 أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله عندما كان ممثل الحاكم في العين كان يقدم النصيحة ويرشد من يستشيره فيما يجب أن يفعله وقد وصفه:
“كان يعمل بما فيه الخير للجميع ومن أجل المصلحة العامة، ويبدو واضحاً أمام ناظري أنه كان يرغب في أن يكتشف النفط في أبوظبي، حيث كنا نعمل، ولكنه في الوقت نفسه كان في غاية السعادة لدى رؤيته أن عُمان تزدهر”.
التقى هندرسون بالشيخ زايد رحمه الله في حصن المويجعي، والذي قال فيه: “هو عبارة عن حصن منيع مربع الشكل، في زواياه أبراج زودت بفتحات على أطرافها، كانت قد صممت لإطلاق النار منها، أما الغرف في الداخل ـ ولتجنب الحرارة ـ فكانت مظلمة وقاتمة لا أثاث فيها، بل هي بسط ملونة وأرائك طرحت على الأرض”.
ويضيف: “ربما كان الشيخ زايد رحمه الله وقتها يبلغ من العمر حوالي الثلاثين سنة، وكان وسيماً، نظراته تنم عن ذكاء حاد وروح مرحة، وكان وجوده لطيفاً، يرتدي زياً بسيطاً، وكان رجلاً عالي الهمة نشيطاً، وذا عزم وتصميم، وعلى الرغم من أنه كان صغير السن وقتها ـ كان مسؤولاً رسمياً عن المنطقة، وكان منذ ذلك الحين أكثر الشخصيات رفعة في الشأن في المنطقة، كما كان له أثر واتصال فعّال مع البدو في كلتا المنطقتين في أبوظبي ومسقط”.
ويقول هندرسون “لقد أمضيت أمسيات عدة ممتعة في مجلس الشيخ زايد رحمه الله عندما كنا في الواحات، وكان يصغي لخططنا ومشاريعنا المتعلقة بإحضار الجيولوجيين من مسقط”.

المجلس والبلاط
يقول هندرسون “في دبي قال لي أحد الأصدقاء مرّة أنه يعتقد أن بلاط حاكم دبي في الستينيات، كان أقرب ما يكون إلى البلاطات البريطانية القديمة، وشعرت أن هذه ملاحظة بارعة، فعلى الرغم من الفارق الزمني والمكاني الشاسع بين التقاليد والحضارة هنا، ولدى الملوك البريطانيين القدماء، فإن هناك تشابهاً في الأسلوب والنشاط”.
ويتحدث هندرسون عن مجلس حاكم دبي الذي ينعقد إما صباحاً في مركز الجمارك المطل على الخور المتلألئ، ومئات السفن الصغيرة التي تنقل البضائع من سفن الشحن التجارية الضخمة الراسية قبالة الساحل، والتي تعاود تصدير تلك البضائع إلى العراق وإيران والهند أو يعقد عصراً في زعبيل في خيم منصوبة تحت أشجار النخيل، أو في معسكر صيد صحراوي أو في القصر الصيفي الصغير في جميرا.
وفي توصيفاته للمجلس يبدأ في رسم ملامح شخصية المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وبساطة ثيابه وعدم تميز مظهره الخارجي عن أي من رعاياه يقول هندرسون: “كنت قد وصلت أول مرّة عام 1948 وكان الشيخ راشد ولياً لعهد والده الحاكم، وكان راشد آنذاك الحاكم الفعلي في كل الأمور، من دون أن يحمل لقب حاكم”.
ويستمر هندرسون: “وكان الشيخ راشد ذا شخصية آسرة، بأنفه الشامخ وعينيه اليقظتين ولطفه الهادئ، ووقاره البعيد عن التكبر، وكان يرتدي دائماً “غترة” قطنية بيضاء وعقالاً يثبتها في مكانها، ودشداشة طويلة تعلوها عباءة “بشت” سوداء تزينها من الأمام حافتان رفيعتان مذهبتان، وفعلاً من صنع دبي”.

حصن الجاهلي
وينتقل هندرسون من الخاص إلى العام ويتحدث عن القبيلة فيقول: “من أهم الأنباء التي وردتنا خلال رحلتنا هذه، أن الشيخ زايد ممثل الحاكم في العين كان في رحلة صيد في الجنوب وأنه من المنتظر أن يعود في أي يوم”.
ومن هذا الاستطراد يروي هندرسون عن الشيخ زايد في تلك الفترة فيقول: “وكشخصية قيادية في المنطقة فقد كان يمثل المعرفة بأكملها فيما يتعلق بأعمال وتصرفات القبائل”. وكان انتظار الشيخ زايد كي يعود من رحلة الصيد جعل هندرسون وجماعته يتوجهون إلى العين، وهنا يدخل لأول مرة قلعة الجاهلي ويصف كيف دخلها:
“وشققنا طريقنا إلى حصن الجاهلي، وهو حصن مبني من الطوب وفيه فناءان واسعان ضمن جدران عالية وأبراج مصنوعة من الطين المجفف الصلب، وقد بناه جد الشيخ زايد الشهير، وهو الشيخ زايد بن خليفة في نهاية القرن الماضي”. وينتقل هندرسون من وصف حصن الجاهلي الذي سيعود لوصفة ثانية إلى وصف الفلج الذي يقع قرب الحصن ليدلل على أهمية الماء وارتباطه بالحصن:
“أما الفلج فهو قنال تحت الأرض تجري فيه المياه من نبع يبعد حوالى ثلاثة أميال، وقد جفت هذه القناة مع مرور الزمن فماتت الحدائق ولهذا فقد هجر الحصن وأصبح أنقاضاً تقريباً، ولكن بقي فيه بعض الغرف الصالحة، حيث خصصها الشيخ زايد لـ “ديك” Dick لاستعمالها كما يشاء وعندما يشاء”.
وهذا الوصف المتناوب، وصف الحصن أولاً ثم وصف الفلج المجاور ثم وصف الحصن ثانية، إنما أريد به أن يؤكد أن الحصن ما كان قد ترك لولا جفاف الفلج الذي كان يصل إليه ويقول في وصفه الثاني مازجاً الوصف بالسرد:
“وصلنا إلى حصن الجاهلي ووجدناه خالياً ومهجوراً، وكانت الغرف فارغة وغير مؤثثة وأرضها من رمل، أما النوافذ فكانت مفتوحة ليس لها درف خشبية ولا زجاج، وحيث إن هذا المكان كان سيصبح بيتنا ومقر إقامتنا لأشهر قادمة، فقد أحضرنا معنا عدة “بسط”، وعندما فرشناها ووضعنا فرشنا المطوية بدا المكان وكأنه بيت حقيقي، وكنا نتكئ عندما نجلس على البطانيات المطوية والموضوعة فوق البسط، وفي مبنى آخر من الحصن ثبتنا جهاز الاتصال ووضعنا أعمدته في الخارج، وخصصنا مبنى آخر كمطبخ، وقد كانت تجربة ممتعة حقاً، وسبب الازعاج الوحيد كان عندما تهب الريح بين الحين والآخر لتذري الرمال المكومة في الساحة الخارجية لتملأ بها غرفتنا فتصبح وكأن زوبعة قامت في داخلها، وكان علينا أن نعتاد على هذا الأمر ونتعايش معه”.
وينتقل هندرسون ثانية إلى الفلج عندما يصبح الأمر ضرورياً كالماء: “أما من حيث الاستحمام فقد كان الحظ حليفنا، حيث إنه على بعد نصف ميل منا كان مكان هناك، مكان للاستحمام في الفلج، وهي القناة المائية لقرية العين”.
جسر المقطع
عاش إدوارد هندرسون لحظات ولادة أول معبر يربط بين جزيرة أبوظبي والبر الأساسي، وبحسب ما رواه “أنه كان يحث لفترة طويلة من الزمن لكي ينشأ هذا المعبر، حيث كان الناس يخوضون في مياه القناة عندما تكون المياه “منخفضة وحتى عندما تكون كذلك فإن المياه تغطي السيارة حتى محور العجلة” ـ كما يقول هندرسون ـ “وكنا أحياناً نعمد إلى إزالة سيور “أحزمة” مراوح السيارات كي لا تدفع بالمياه إلى المحرك، وإذا ما هبت الرياح من الغرب تبقى المياه مرتفعة، وعندها لم نكن نتمكن من العبور إلى أبوظبي وهذا لا يعني أنه لم يكن بإمكاني الذهاب إلى الشيوخ فحسب، بل إن مجموعات الشركة العاملة في الصحراء قد انعزلت عن أبوظبي”. وينتقل هندرسون إلى لحظة تولد فكرة إنشاء المعبر ـ الذي أصبح فيما بعد جسر المقطع ـ “كنت أحاول أن أجد الوسائل لبناء معبر بمبلغ بسيط قد لا يعني شيئاً، وكان من الضروري وجود جسر صغير يسمح للمياه بالجريان تحته”.
يقول: “بعثت الدائرة البحرية لشركة البترول سفينة صغيرة لاستطلاع مدى ارتفاع المياه، ووجدنا أن التيار المائي يسير في الخورين في أوقات مختلفة، حيث كان الخوران يلتقيان في مكان، حيث يجب أن يقام فيه المعبر، وكان علينا أن ندع المياه تمر من كلا الطرفين وإلا فسوف ترتفع المياه إلى أعلى الطريق”.
ويكمل إدوارد هندرسون قصته الغريبة تلك، والتي لعبت الصحراء فيها دوراً مهماً، حيث يقول: “كنا قد وجدنا في الصحراء مجموعة من أنابيب الحفر المستعملة، والتي لم تعد الشركة بحاجة لها، وهي تكفي لإقامة مشروعنا بالاضافة إلى كمية كبيرة من الاسمنت، والذي كان شبه تالف، ولقد أعطونا سيارات النقل التي كنا بحاجة لها، وفي تلك الأثناء تمكنا من إقامة معبر استفاد منه الجميع ما بين 1952 و1968 عندما أنشئ مكانه جسر حديث بلغت تكلفته مليون جنيه استرليني، وأزيل المعبر الذي كنا قد أنشأناه، كما تم تعميق القناة للسماح للسفن بالعبور، ولم يبق سوى برج المراقبة القديم، والذي كان يقوم على حراسة نقطة العبور الأساسية، واسم الجسر الجديد “المقطع”.
تلك الحياة المفعمة بالعطاء والإخلاص للمكان، عاشها هندرسون الذي يلخص كل ذلك بعبارة بسيطة جداً، حيث يقول: “بالنسبة لي، كانت تلك السنوات السعيدة التي أمضيتها على الساحل المتصالح في دبي وأبوظبي والمناطق النائية، بمثابة فترة استراحة”.

اقرأ أيضا