الاتحاد

الملحق الثقافي

درس روسي.. للعرب

عنوان الكتاب مثير وقد يكون مضللا “الدروس المستفادة من الثورة الروسية”، وللوهلة الأولى يبدو وكأننا بإزاء كتاب او دراسة عن الثورة البلشفية التي تحمل في التاريخ اسم “الثورة الروسية”، لكن المؤلف اشرف الصباغ يقصد عملية انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 إذ يعتبره المؤلف ثورة كاملة، فقد ترتب على انهيار الاتحاد السوفييتي، انتهاء الحرب الباردة وسقوط حلف وارسو وانتهاء الانقسام العالمي إلى معسكرين، وصارت مقادير العالم في يد قوة واحدة هي قوة الولايات المتحدة الأميركية، اليها تتجه أنظار العالم وحكوماته. وترتب على ذلك تغيير خريطة العالم اقتصاديا وسياسيا، برزت الصين والدول الآسيوية باعتبارها المنافس القوي في الانتاج والتسويق للولايات المتحدة، وبقيت روسيا بترسانتها النووية، التي قال عنها الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون انها الدولة الوحيدة في العالم القادرة نوويا على تدمير الولايات المتحدة.
اشرف الصباغ كاتب مصري مقيم منذ سنوات بعيدة في موسكو، وكان شاهد عيان على الأحداث منذ سطوع نجم الرئيس السوفييتي الأخير ميخائيل جورباتشوف، حتى تنحيته عن السلطة وصعود بوريس يلتسين رئيسا لروسيا، والانهيار الذي تعرضت له روسيا، اقتصاديا وسياسيا.

انهيار المجتمع
وفي عصر يلتسين ارتفع معدل الجريمة، فقد انهار جهاز الشرطة تماما، وكان ضباط الشرطة يخلعون زيهم الرسمي بعد العمل ويرتدون زي اللصوص ويقومون بالسطو ليلا على المنازل والبنوك وهم الذين قادوا العصابات التي روعت المواطنين الروس، مما أدى إلى هرب المستثمرين الأجانب خوفا على حياتهم فقد ظهرت عصابات لقتل الأجانب، واتجه هؤلاء إلى رفع دعاوى قضائية ضد روسيا واتهامها بالإفلاس، وارتفع معدل إدمان المخدرات، قبل انهيار الاتحاد السوفييتي بشهور قليلة سجلت الإحصائيات الرسمية 9 آلاف حالة تعاطي مخدرات فقط، ورأى بعض الدارسين ومراكز الأبحاث ان الحكومة السوفياتية تحاول تخفيض أعداد الحالات لتجميل صورتها أمام العالم وان الرقم الحقيقي ضعف الرقم المعلن أي 18 ألف حالة تعاطي مخدرات، وبعد قيام روسيا الاتحادية وصل عدد المدمنين والمتعاطين إلى خمسة ملايين شخص حسب تقدير فلاديمير ايفانوف رئيس جمعية إنقاذ الأطفال والأحداث من المخدرات، في حين أشارت بعض التقديرات غير الرسمية إلى ان عدد أصحاب الكيف في روسيا بلغ 15 مليون شخص في عام 1997 وارتبط تهريب وجلب المخدرات وصناعتها بالمافيا الروسية التي كانت تعمل مع المافيا الإيطالية والأميركية، وبلغ حجم التعاملات في سوق تجارة المخدرات حوالي 18 مليار دولار في السنة، رغم تدني مستوى المعيشة لغالبية السكان، وفي عام 1991 تم ضبط 220 طن مخدرات في روسيا، بلغ ثمنها 185 مليون دولار، وأكد الخبراء ان هذه الكمية تساوي 10 في المئة فقط من نسبة المخدرات التي دخلت روسيا.
إلى جوار ذلك دخلت روسيا في حربين أهليتين في الشيشان، أدتا إلى إهدار موارد روسيا، وظهرت صراعات دينية داخل روسيا خاصة بالمسلمين وبالمسيحيين.
صاحب سنوات الفوضى الروسية هجرة العقول، فقد هاجر عدد من العقول والخبراء والكوادر المتخصصة في مجالات البحث العلمي، مما هدد قاعدتها العلمية بالخطر، هاجر معظمهم إلى المانيا وإسرائيل، لعبت إسرائيل والمنظمات الصهيونية دورا كبيرا في ذلك وفقدت روسيا بعض التخصصات العلمية وراحت تستوردها، فيما بعد بالصفقات وبالعمليات المخابراتية، كما حدث مع العلماء الذين سافروا إلى إسرائيل، واهتزت روسيا لذلك بينما راح البعض يفخر بذلك، ان روسيا تصدر النفط والغاز وأيضا العلماء والباحثين، ولأنهم قوة بشرية رخيصة تهافتت عليهم مراكز الابحاث المختلفة.
في هذه الفترة ايضا تراجع انتاج الكتب، في زمن الاتحاد السوفييتي كان الشعب السوفييتي يشغل المرتبة الأولى في العالم من حيث القراءة، وكانت الأكاديمية الروسية للعلوم تصدر 2500 عنوان سنويا في نهاية الثمانينيات. وكانت الترجمة من الروسية تتم إلى 140 لغة فضلا عن اللغات القومية الأخرى داخل الاتحاد السوفييتي، وهبطت العناوين بعد ذلك إلى ما يتراوح بين 600 إلى 800 عنوان في السنة وارتفعت أسعار الكتب بشكل خيالي، وهبطت المكتبات في روسيا، إذ تم اغلاق 10400 مكتبة، ذلك ان المكتبة في روسيا كانت مكانا للاطلاع، ولم تكن مكانا للشراء فقط.

رسالة تطمين
اشرف الصباغ يهدف بهذا الكتاب إلى ان يوجه رسالة اطمئنان إلى دول وشعوب ما يسمى الربيع العربي، ذلك ان فترات الثورات تؤدي إلى كثير من التغييرات والعقبات الكبرى في بداية الأمر، روسيا ظلت عشر سنوات في انهيار تام، حتى جاء بوتين، وانخفض عدد السكان بحوالي 4.5 مليون نسمة، بسبب الهجرة إلى الخارج، فضلا عن ازدياد معدل الوفيات بسبب الإدمان وانهيار الأمان الصحي والطبي، والانهيار الاقتصادي كان كبيرا وخطيرا، ويقول المؤلف بوضوح ان ما حدث في بلاد الربيع، لا يساوي 10 في المئة مما حدث في روسيا.
في مثل هذه الظروف من المتوقع ان يحدث انهيارا أمنيا، وان ترتفع معدلات الجريمة من سطو مسلح أو قطع طرق وغير ذلك، مما يؤدي بالضرورة إلى تعطل عجلة الانتاج واختفاء السلع الأساسية من مواد غذائية وأدوية وغيرها، كما يتكون خوف ورغبة في الهجرة لدى بعض الأقليات، الدينية او العرقية وان لم تكن هجرة تكون هناك مخاوف وعوامل قلق عديدة، حدث شيء من هذا في مصر وفي تونس، ناهيك عما جرى ويجري في ليبيا وفي اليمن، تأمل كمية المخدرات والأسلحة الثقيلة التي ضبطت مؤخرا في عدد من المدن المصرية.
لكن في النهاية هذه عوامل ومظاهر يجب ان تكون مؤقتة وعارضة، ولابد ان تأتي التنمية ويتحقق الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، استغرق ذلك في روسيا عشر سنوات، عقد كامل، حتى مجيء الرئيس بوتين.

اقرأ أيضا