الاتحاد

الملحق الثقافي

الرمس.. حارسة البحر أنشودة الجبل

الرمس المقيمة منذ الدهر، وقديمة قدم جبالها، مثل وجوه الصيادين حراس البحر، مثل الموجة الموشوشة على صفحات الساحل الأغر، مثل عريش بقيت سيقانه مجردة، وذهب الذين سفوا سعفاته سعفة سعفة، لهفة لهفة، لفة لفة، نفحة نفحة، بمفردات الأبدية، صاغوا قصيدة التمر المجفف بالشظف ولظى حرقة القيظ الأليم.
الرمس خاصرة جلفار، مشعل النار وصبوة النهار، وعرق الحادبين فوق تلة وعلى ظهر نخلة، الشادين بغناء العراء المجلجل في وضح الشهقات المريرة، المنتخبين نخوة الصحراء، وصهوة النبل الأزلي، الرابضين عند مرفق الجبل عند نفق الحلم، عند عنق الريح، الناهلين من أسئلة السواد الليلي حين تغط النجوم تحت ملاءة الغيمة، على وسادة الضوء المتسلل من زاوية القمر الخجول.
الرمس تاريخ يمشي الخيلاء متوهجاً بعيون اللاتي كحلن رموش الزمن بأثمد الصبر، وسكبن على التراب عرق الكد والجد والجهد، والأمد مجلات الخصلة بزعفران و”ياس” وحناء، وأمل، مصفدات الخطوة بخطوة، والنخوة بنخوة، والمحسنات البديعية طباق التطلع وجناس التفرع، وكناية النبل، وتشبيه الجبل، والصلابة عزيمة مثل جزع اللوز، وحمية مثل زهرة السدر.

رقية البحر
الرمس هي رقية البحر وبسملة المحار حين يتوحش الوقت وينفض سامر الكواكب، وتتخلى الجداول عن بث موسيقى الحياة، الرمس كأنها الصوفي القديم، ساهمة، متفاقمة، منعمة بالذات الوثيرة، مفعمة بأحلام الأيام وأحاديث التجلي ساعة الصفاء والنقاء والبهاء والوعد المؤزر بالعهود.
الرمس شفة تلتقط الذال دالاً، مدللة على دهماء الكلمة وعظم الحروف الأبجدية في صناعة الشوق والتوق وصياغة الحدق، وإعلاء النشيد الإنساني بشفافية وصدق.
الرمس عند أقصى الجبل من بداية التاريخ افتقدت الموجة، ورسمت وجه إنسان على دفتر الرمل، ذهب بعض إنسان، وبقي الرسم وشماً وقيماً ورقماَ يضيف إلى العراقة لباقة الذين أخرجوا من أحشاء النبق والبابا، تهب الحياة مذاقاً ورونقاً، وتنحت في الذاكرة نقش الأنامل السخية، ولغة الأمل الثرية وأشياء أخرى لم تزل مثل المخلب في نسيج الفكرة المؤجلة.
الرمس مثل فكرة فلسفية غامضة لكنها تسعد بالومضة وتستريح في غمضة في رمضاء الوقت بانتظار أن يجف ريق البحر لتهديه الرمق، وتفتح الأفق بعيداً، بُعد مركب صيد ذهب ليقبض على النبضة الأولى، ثم يعود بعد حين ليغسل يدي البحر من رائحة التعب، ويسكب الملح على الجرح، ويهجع في مخدع الألفة حتى طلوع الشمس من مهد الكون وانتباهة النهار في مسعى للحث والنث والبث.
الرمس كأنثى عتيدة مقبلة بقبلة، مسترسلة بسنبلة مستبسلة من أجل مرحلة متحولة متحملة، متواصلة متأصلة، منفصلة بفاصلة بعد جملة محتملة، قبل كلمة مزملة بالعهد والوعد والرفد.
الرمس مثل أسطورة في الكامن المهيمن، تخب في العروق كنوق الصحراء الواعدة بالشمائل والأصائل، مثل حلم يذهب في العمق يشذب الوجدان بتفاصيل ما قد طرأ واستقرأ ما بين سطور ونحور وثغور وسفور وجذور وبحور وحرور وأمور وبدور، وما بين بين وما طلع على سفح اللجين وما أفرزته السماء من زخرفة بين نجمتين، وما بين نظرة وكاعبين وما بين نظرة وخطوتين، وما بين نبرة ولفظتين، وما بين عبرة ودمعتين، وما بين غبرة وحدقتين، وما بين اشتياق وعاشقتين، وما بين قدرة العشاق في الوثب حين تكون الكأداء عصيبة نحيبة وكئيبة.
الرمس كأنثى تمهد للصبوة بنخوة النجباء والنبلاء، ترتب أشياء القلب بنجابة الأوفياء، تهذب أشجار الروح بسعي مشكور وكلام أشبه بالنجوم المرصعات عند نحر وعنق.
الرمس اللحن الأزلي، والرحلة الطويلة لطائر النورس في قارات الزمن والمرحلة المنمقة بزخارف السواعد السمر، والجباه العالية.
الرمس نقطة ناصعة على جبين الزمن، ورطة الحلم الجميل في العالمين، لقطة صادقة من مشهد جلفار الأنيق، صورة للشدو العريق، هي مسافة ما بين الحاجبين، هي رمش وحدق للعين، هي الألق المؤدلج منذ السالفين، هي نعيم التاريخ على أغصان الشجر.
الرمس شفة تتهجى حروف الراهن، هي الألق الساكن والكامن بسحن دقيق الوجد ويمج شقاءه بقدسية الاتقياء، ويشق قميص اللهفة بحرفية النابهين، تقول للذاهبين هذه سدرة ظللت وهفهفت ورفرفت على أغصانها طيور الحمام إذ كانت الأعشاش فراش اليقظين، كانت الأثمار أشعار الوالهين، كانت الأوراق مفردات لقصائد لم تكتمل.
الرمس مكان استراحت عند أشواق الحالمين، وسمقت أعناق النابلين، وشهقت حناجر الحالمين، واتسعت أحداق العاشقين.. الرمس قلعة النهار وطلعة الفجر وتلة ومقلة ونخلة وسلسلة تطوق وتحدق، تنسق أحلامها وترشق الماضي بأزهار الليمون، وتعطر دفتها برائحة العشب القشيب، ووجيب القلب يهفو ولا يفتو، يحف ويرف ويزف البشائر للآتين بأن خطاب المرحلة هو أن تشرع الرمس كتابة القصيدة الحديثة، من منهل الذين استعانوا بالعزيمة القويمة القائمة المستقيمة، الناهضة المستديمة، المتحدرة من شعاب وشفاف، من تراب وأعطاف رهاف، من سحاب ونثات خفاف، من كتاب قديم فيه الحروف كأجنحة الطير والتقاط رائحة العبير، والجملة غافة وارفة، أوراقها من حرير، والخاتمة مساجلات ما بين الفرزدق وجرير.
الرمس حديث من نثيث جادت به السنون رغم المنون، رغم حروف الجر والسكون، الرمس بهجة ومهجة، ولجة ولهوجة، ومجلجلة وصولجة، وعبق يخرج من أفق ونسق بشري يرتل نسله في عمق وألق. الرمس من فيض الهوى من ارتواء النسيج، من اكتواء النظرة بملح العبرة، من سرائر وأواصر وحرائر كاعبات نعس.
الرمس في الحناء البحري، في اللون الصخري، في القديم المتحري، هلال اليقظة تستفتي أفئدة المحبين وتخصب الأرواح بلذيذ المن والسلوى وجدوى صبر الصيادين وهم يحلبون البحر بخيط الأمل وصنارة الرجفة المباركة، هم فرسان البحر، يمتطون ظهر الموجة وينشدون للريح في السفر الطويل، من البر إلى البحر، من الصبر إلى الظفر، من السهر إلى نضوح القمر، من السطر الأول عند الساحل حتى خاتمة المجيء إلى كنف المزملات برفيف القلوب البضة والأرواح الغضة.

جبل الروح
الرمس جبل الروح المغتسل بأنهار التاريخ وبَرَد الجغرافيا المعشوشب برائحة المد والمدى والامتداد ومداد العيون المشاغبة لفرسان البوح.
الرمس في البدء جارة البحر الأبدية، ولغة الأساطير، وشفة الموال والسؤال والمقال والمآل، هي النجمة تحيك فستان أفراحها في الليالي الطوال، هي الفيحة تغسل ثوب الأرض بالماء الزلال، هي القيمة الأزلية، هي انصراف الملاذ في تفنيد الرجال.
الرمس هي فناء التأمل وإزميل اليقظة، هي سناء الأبجدية في بيان القدرات الفائقة، هي كل ذلك لأنها المهيمنة على الصوت، المستولية على الصيت، الرابضة عند شفق التاريخ، القابضة على لهفة ورفرفة، الناهضة من أتون وفنون وشجون ونجابة وسحابة، تبري شفرة السماء لتكتب أحلامها بحبر المعنى.
الرمس السطور المتأنية في المعنى، المتفانية في المغزى، اللامتوانية في استقطاب السؤال المستجاب، هي صحوة الرمل في تقطير حباته حبة.. حبة، هي الحصى الحالم بقصيدة فضية تفض وتفضي إلى بريق النهارات الرائعة المترعرعة الورعة المتورعة، المتسربة في الخضم والأعم، والقامة الأشم.
الرمس شيء من الهمس وشيء من الأمس، يجس نبض الخطوات ويقتفي أثر الباقيات من أناس وأجراس، والمسافة ما بين الوريد والوريد.. الرمس كل من الحواس الخمس ترى التاريخ، تلامس التضاريس وتصيغ لأغنيات الشجر، وتشم رائحة البحر، وتتذوق أحلام الناس الطيبين.
الرمس الشارع الذي يحاذي الجبل والزقاق الذي يطل على الساحل والنافذة التي تحدق في السماء، والأنامل التي تحصي عدد الشهقات.
الرمس اليقين المستبين في عيون العابدين، والحقيقة الضالعة في أفئدة القديسين، ونساك اللحظة العرفانية.. الرمس في أسفل الجبل عند الحضيض تزرع فصيل الزمن، تشذب أزهاره وتزخرف أغصانه بالفرح وتضيء حقوله بأعشاب المحبين، وتغسل ماء البحر بعرق الكادحين المبجلين، وتعد بالأمل مُقل الشاخصين في السماء سعياً لرؤية القمر.
الرمس عراف يغني في المبهم زمناً، ويسرد لرواد الحكمة من قوس قُزح كيف يلون السماء بالحلم، كيف يكون في الفضاء روايته عن البداية والنهاية، وعن سر الحكاية وأسباب الغواية، وما قالته النخلة لامرأة الوشاية، وما باح به البحر عن صياد ذهب إثر نشوة بعاقبة الدهشة.. الرمس الخبر الأكيد لتاريخ مجيد، وراصن عتيد، وحلم ما بين تاريخين يتوضأ بالأمل.
الرمس كأنها المنتظر لحافلة تقله إلى محطة إثر محطة، وتفضي به إلى مراحل ما بعد الانتظار.. الرمس كأنها البحر المخدر المتحدر من موجة وصرخة، ومن رحبة وضخة.. الرمس أقصى طقوس التاريخ كل تداول الأنفة، جميع ما يحفظ الزمن من ملاحم ومعالم وفصيح الأرض وصحائف الماء، وما جللت به السماء التراب من زهرات الحبور.

اقرأ أيضا