الاتحاد

الملحق الثقافي

مياه المتوسط المتحركة

لعل أحد أهم الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن عند زيارة مهرجان أصيلة الثقافي في المغرب، هي كيف استطاع هذا المهرجان الثقافي الاستمرار لمدة تزيد على ثلاثة عقود وتحول إلى واحد من أقدم الملتقيات الثقافية التي تقام في الدول العربية، إن لم يكن أقدمها على الإطلاق، وهو يصل إلى دورته الرابعة والثلاثين التي انطلقت في 20 يونيو الماضي وتستمر لغاية 15 يوليو الحالي.
ربما تكمن الإجابة في المرونة التي يتمتع بها المهرجان وقدرته على مواكبة الأحداث من حوله وتسخيرها ضمن برامجه، كما يفعل في هذه الدورة بخلط الثقافة بقليل من السياسة، وهو يضمن برنامج فعالياته ندوات حوارية تناقش ثورات الربيع العربي وحالة الموت الإكلينيكي التي يعاني منها اتحاد الدول المغاربي، ومستقبل علاقة دول البحر الأبيض المتوسط بضفتيه الشمالية والجنوبية، وكل هذه الندوات تستطيع متابعتها جنبا إلى جنب مع مجموعة من الأعمال الفنية التي تحيط بالمكان من نحت ورسومات جدارية وغيرها من الأشكال الفنية التي يزخر بها المهرجان.

ربما تكمن الإجابة في قدرة المهرجان والقائمين عليه بتحويله إلى نقطة استقطاب دائمة من خلال منحه صبغة مختلفة في كل موسم عن الآخر، فالدورة الحالية تستضيف دول الاتحاد المغاربي بصفته ضيفا للشرف، والدورة الماضية كانت الكويت، والتي قبلها كانت الإمارات، وقبلهما كانت هناك دولا أخرى، والدورة القادمة من المرجح أن تكون دولة قطر، وكل دولة تستفيد من المشاركة في تقديم نموذجها الثقافي وإيصاله للآخرين، بينما يكسب المهرجان أشكالا مختلفة من التنوع.
لكن أيا ما كانت الإجابة، فإن الحقيقة أن مهرجان أصيلة لا يعيش في برج عاجي بقدر ما يعيش في أرض الواقع، ويستطيع الاستفادة من الواقع المحيط به في تحقيق الزخم الذي يضمن له الاستمرار، من دون أن يضحي بعوامل الجاذبية.

فنون وتشكيل
وكما هي عادته منذ تأسيسية سنة 1978 انطلق موسم أصيلة الثقافي الدولي، بتنظيم مشغل لصباغة الجداريات في أزقة المدينة القديمة شارك فيها 15 فنانا تشكيليا من المغرب وسوريا واليابان وإسبانيا والبرتغال بلغاريا، وذلك تحت إشراف الفنانين المغربيين يونس الخراز وسناء السرغيني، وأينما سرت في أزقة المدينة الضيقة والجميلة ستجد لوحة ربما تجذبك وتحاول أن تتعرف على تفاصيلها، أو تنفرك وتجعلك تمر سريعا من أمامها، لكن في كل الأحوال فإن اللوحات الجدارية تضفي على المدينة العتيقة روحا جمالية تزيد من جمال المكان الأخاذ، ومنظر المحيط الأطلسي الممتد إلى ما لا نهاية.
وتشهد هذه الدورة مشاركة أكثر من 40 دولة، وأكثر من 400 سياسي وأديب وشاعر وإعلامي وموسيقي وتشكيلي، وفي مجال الفنون، أقامت مؤسسة “منتدى أصيلة” ما بين 20 و26 يونيو، مشغلا تدريبيا في فن الحفر لـ12 فنانا تشكيليا شابا مغربيا، وذلك تحت إشراف الفنان التشكيلي البرتغالي دافيد دي الميدا، والفنان التشكيلي الأرجنتيني هكتور سويني، ومساعدة الفنانة المغربية سناء السرغيني، وسوف يستمر المشغل إلى نهاية فعاليات الموسم، وذلك بمشاركة سبعة فنانين من سويسرا وكوبا وبولونيا والبرتغال واليابان وصربيا، ويشرف عليه الفنانة المغربية ملكية اكزناي، والفنان الياباني أكيمي نو كوشي، والفنان الأرجنتيني هكتار سويني. بينما يشارك في مشغل الصباغة الزيتية 18 فنانا من البحرين والكويت وسوريا والمغرب وفرنسا واليابان وسلطنة عمان والبرتغال وبلغاريا، ويشرف عليه الفنان يونس الخراز ومحمد المرابطي (المغرب).

قضايا وندوات
الحدث الأبرز في الدورة الرابعة والثلاثين كانت ندوة “مياه المتوسط المتحركة: أزمة الشمال وحراك الجنوب” والتي ضمت نخبة من المشاركين من ضفتين منهم: سعد الدين العثماني وزير الشؤون الخارجية والتعاون المغربي، وخوسي لويس ثباتيرو رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق، والحبيب بن يحي الأمين العام لاتحاد المغرب العربي، وفتح الله السجلماسي الأمين العام لاتحاد من اجل المتوسط، ومحمد بن عيسى وزير الخارجية والتعاون المغربي الأسبق الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، بالإضافة إلى نخبة من الوزراء والباحثين والمثقفين.
وبحثت الندوة مصير مشروع الاتحاد من أجل المتوسط على ضوء المتغيرات الحاصلة على ضفتي البحر من ثورات وحراك سياسي واجتماعي في الجنوب وأزمة اقتصادية تطال دول ضفة الشمال ستكون لها انعكاسات مباشرة على الإنتاج والأمن والاستقرار، وحاولت تحريك مياه العلاقات الراكدة من خلال البحث عن إجابات للأسئلة الصعبة المتعلقة بالهجرة والإسلام في أوروبا، على أمل بلورة تصور لشراكة مستقبلية قادرة على تحقيق تطلعات شعوب المنطقة واستيعاب التغييرات الحاصلة.
وقد جاءت الإشارات متباينه بين الضفتين، ففي الوقت الذي بعث فيه رئيس وزراء إسبانيا الأسبق بالآمل في تفعيل اتحاد دول حوض المتوسط من خلال زيادة القيم المشتركة وزيادة الرابط الإنساني، كان الترحيب من الجنوب ممزوجا ببعض الشك، وبالحاجة إلى ممارسات فعلية على الأرض تملك القدرة على بث الحياة في هذا الكيان.
وأعقب ندوة المتوسط، ندوة أخرى تناولت المرأة والديمقراطية في الوطن العربي، وفي إطار استضافة المغرب العربي كضيف شرف في الدورة الحالية للموسم الثقافي ستنظم ندوة “النخب في أفق بناء الاتحاد المغاربي”، آخر ندوات أصيلة. وتسعى الندوة التي تستضيف صفوة من الباحثين والدارسين من مشارب فكرية متباينة إلى جانب رجالات السياسة ومسؤولين رسميين ومثقفين وإسلاميين وبعض تعبيرات المجتمع المدني إلى وضع اليد أو السؤال عن مساهمة النخب في دفع ومواكبة المسار السياسي الذي مضى منذ انبثاقه ما يقرب من ثلاثة عقود. ويأمل القائمون على الندوة أن تفتح هذه الأخيرة أبواب المشروع المغاربي على مصراعيها في أجواء نقاش فكري تفاعلي تعددي وموضوعي وهادئ يرنو إلى الأفق المشترك، ويسمو فوق العوائق العارضة ليس بين الدول المغاربية بمفردها، وإنما بين أطراف التكتلات المماثلة التي توجد بين مكوناتها قواسم وروابط وانشغالات وتحديات مشتركة.

إبداع وتكريم
وإذا تركنا أجواء الندوات، فإن هذا الموسم يشهد تنظيم “خيمة الإبداع”، التي سيشرف عليها الناقد المغربي عبدالرحيم العلام، وهي فسحة إبداعية جديدة في الموسم يتم من خلالها الإطلاله على جديد الإبداع المغربي العربي في شتى تجلياته. وسيتم خلالها استضافة مبدعين مغربيين، هما الشاعر المهدي أخريف والمهندس المعماري عبدالواحد منتصر لتقديم إصداريهما، كل في مجاله. ويتعلق الأمر بكتاب “المدينة السعيدة” لمنتصر الذي يقدم فيه تصورا شاملا متكاملا لما ينبغي أن تكون عليه المدينة المغربية. أما الإصدار الثاني فيتعلق بديوان “لا أحد اليوم ولا سبت” للشاعر المهدي أخريف.
ويشهد المهرجان تنظيم مشغل كتابة وإبداع الطفل التي تشرف عليه الشاعرة المغربية إكرام عبدي ويشارك فيه الناقد المغربي بنعيسى بوحمالة والكاتب الروائي المغربي محمد عز الدين التازي. ويعرف موسم هذا العام تنظيم عرض أزياء مغاربي بالتعاون مع مجلة “نساء من المغرب”. كما يتضمن البرنامج تنظيم معارض فنية للفنانين مليكة اكزناي، والفنانة اليابانية ميتسوي صوانو، إضافة إلى معرض يضم أعمال 18 فنانا تشكيليا مغاربيا، ومعرض أعمال الحفر من المجموعة الخاصة لمؤسسة “منتدى أصيلة”، ومعرض للفنان الإسباني لويس أستيبان بولو. وسيتضمن موسم هذا العام تنظيم فقرات موسيقية وغنائية يشارك فيها ثلاثي غناء الفاضو كوستريدين كاستيلو البرتغالي، وفرقة أنغام التراث الليبي الأصيل برئاسة الفنان عدنان حميد، والفنان الجزائري عبدالقادر شاعو، ومجموعة “أهل أصيلة للمديح والسماع”، وفرقة المعهد الموسيقي لمدينة طنجة بقيادة أحمد الزيتوني، إضافة إلى المغنية المغربية ليلى المريني. وكما جرت العادة في تكريم شخصيات من المغرب والعالم العربي والعالم سيكرم موسم “أصيلة الثقافي” الحالي، أحد أبرز وجوه الثقافة والسياسة والإعلام في المغرب هو محمد العربي المساري، الكاتب الصحفي ووزير الأعلام الأسبق، وذلك اعتبارا لعطائه الكبيرة ولنشاطه المتواصل على عدد من المستويات والجهات. إضافة إلى كونه لعب أدوارا رائدة متجددة في مجال تطوير الإعلام المسموع والمكتوب والمرضي بجانب حضوره النضالي والسياسي والثقافي والصحفي، فضلا عن نشاطه النيابي والدبلوماسي والحكومي المشهود له به، فضلا عن دوره الكبير المؤثر في مد جسور التواصل الثقافي وتعميقها بين المثقفين المغاربة ونظرائهم في المشهدين الثقافيين الإسباني والبرتغالي على وجه الخصوص، وذلك بشكل استحق معه المساري ثقة الكثير من المؤسسات الثقافية واللجان والمؤتمرات الدولية ولجان التحكيم الكبرى. إلى جانب كل ذلك، فإن المساري باحث ناشط في مجال الدفاع عن القضايا الوطنية والعربية والإسلامية الكبرى من قبيل دفاعه المستميت عن قضية الصحراء المغربية، والعلاقات المغربية ـ الإسبانية، وتطوير اللغة العربية، ومسألة التعريب، والديمقراطية، والإسلام. وسيتناول التكريم الذي ستشارك فيه شخصيات إعلامية وسياسية وازنة من المغرب والعالم العربي وأوروبا ثلاثة محاور هي: “محمد العربي المساري السياسي والدبلوماسي والإعلامي”، و”محمد العربي المساري المناضل الوطني”، و”محمد العربي المساري الكاتب والباحث والمترجم”.
وهكذا يظل مهرجان أصيلة غنيا بتنوعه وقدرته الفائقة على جمع مختلف الأطياف الفنية والفكرية التي تبدو متناقضة وتقديمها في بوتقة واحد بكل كل انسجام، ولعل خير من يعبر عن ذلك محمد بن عيسي أمين المنتدى بالقول: إن مهرجان أصيلة يعتبر مناسبة لتبادل الأفكار والاقتراحات وخلق أرضية جديدة تجمع الجميع.

اقرأ أيضا