الاتحاد

الملحق الثقافي

الهروب إلى «اليوغا»

دور نشر تغلق، وتتوقّف عن نشاطها. مكتبات لم يعد باستطاعتها دفع ما تخّلد بذمّتها من أثمان الكتب التي تبيعها. مراكز ترجمة معطّلة. ملاحق ثقافيّة تنحسر أو تختفي. مجلاّت أدبيّة مهدّدة بالانقراض. كتّاب ومفكّرون وشعراء ومترجمون عاجزون عن دفع الكراء. سينمائيّون ومسرحيّون في حالة إفلاس تجعلهم عاجزين عن إنتاج أعمال جديدة. مئات الآلاف من العقول تهاجر... ذلك هو الوضع الخانق الذي تعيشه الثقافة اليونانيّة راهنا، في ظلّ أزمة اقتصاديّة خطيرة لم يسبق لها مثيل في بلاد سقراط. وفي ملحقها الأدبي ألأسبوعي الصّادر يوم الجمعة 15 يونيو 2012 نشرت جريدة “لوموند” الفرنسيّة تحقيقا مثيرا، أستعرضت فيه مواقف، وآراء ناشرين وكتاب ومثقفين بخصوص هذا الوضع.
تقول إيفا كرابيتيدي المسؤولة الأولى عن دار “هستا”، إحدى أكبر دور النشر اليونانية، بأن الدّار لم تعد قادرة على دفع أجور عمّالها وموظّفيها، وعن إصدار كتب جديدة. لذلك هي تمضي وقتها في إهداء الكتب التي نشرتها الدّار قبل الأزمة لقرّاء عاجزين عن شرائها. ويقبل هؤلاء القرّاء بالخصوص على كتب رياضة “اليوغا” التي أصبح اليونانيّون يمارسونها أملا في أن تخفّف عنهم وطأة ألأوضاع الصّعبة والقاسية التي يعيشونها راهنا. كما يقبلون على كتب الرّوحانيّات والفلسفات الشرقيّة القديمة بحثا عن الطمأنينة المفقودة. وربّما لهذا السبب تقلّص عدد روّاد الكنائس الأورثوذوكسية بشكل جليّ في الفترة الأخيرة. وقد علّق على ذلك رجل دين أورثوذوكسيّ قائلا: “اليوغا لا ولن يقدّم حلولا للمشاكل القائمة بل قد يزيدها تعقيدا. وهو مجرّد تعويض يعمي النّاس. والأعمى لا يعترف بخطاياه”.
وبمرارة يتحدّث ستافروس باتسوبولوس، المسؤول عن دار “أغرا” عن ألأزمة قائلا: “لا أحد يعرف ماذا حدث للبلاد. لقد أستيقظنا ذات يوم لنجد أنفسنا جميعاعلى حافّة الهاوية. هناك حوالي خمسون ألف معمل مغلقة الآن. وفي ظرف أشهر قليلة، انتحر ما يقارب الثلاثون ألف من اليونانيين، أي ما يعادل عدد سكّان مدينة صغيرة! وصحيح أننا نتحمّل مسؤوليّة كبيرة في ما حلّ بنا من مصائب قد يطول أمدها ويتكاثر عدد ضحاياها يوما بعد آخر، لكن بروكسيل (عاصمة الإتّحاد الأوروبيّ) تتحمّل المسؤوليّة هي أيضا. فقد دعت المزارعين اليونانيّن الى زرع “الكيوي” بدل الزيتون في أرض مشى عليها الملك أوديبّ! والحقيقة أنها لم تزرع غير الجنون في عقولهم”. ويتطرّق المؤرّخ المرموق نيكولا بلادانيس، صاحب كتاب “إخفاقات يونانيّة ـ قدر تاريخيّ” الصّادر حديثا الى الأزمة من جانب آخر، ويقول: “عاشت بلادنا أزمتين كبيرتين وقاسيتين. الأولى حدثت عام 1893. والثانية كانت عام 1932. وفي كلا الأزمتين كان على البلاد مواجهة المشاكل المتّصلة بالدّيون الخارجيّة. أمّا ألأزمة الرّاهنة فلا مثيل لها من قبل أبدا، وجذورها في داخلنا”.
وتسعى كاترين ميليساريس، مديرة المركز الوطني للكتاب الى التّحريض على القراءة في هذه ألأوقات الصّعبة. وهي تفعل ذلك من خلال إرسال كتّاب وشعراء الى المدارس والجامعات لقراءة أعمالهم أمام التّلاميذ والطّلبة. وهي تقول: “ما نريده هو أن نفكّر في المستقبل. صحيح أننا لا نعرف ماذا سيحدث لنا غدا أو بعد أسبوع أو شهر. لكن لا بدّ من الحفاظ على ألأمل!”
وتعتقد الروائيّة إرسي سوتيروبولوس الحاصلة على جائزة الدولة في ألأدب عام 2000 عن روايتها: “تعرّجات البرتقال” أنها تنبّأت بالكارثة في روايتها: “ترويض الوحش” الصّادرة قبل الأزمة بثمانية سنوات. وفي هذه الرواية التي لاقت نجاحا واسعا، وصفت الإقبال الجنونيّ لليوانييّن على الاستهلاك، وتفشّي الأنانية في المجتمع. كما تطرّقت الى فساد الدّولة ومؤسّساتها، وإلى جشع الأحزاب السياسيّة ومغالطاتها للرّأي العام. وتقول إرسي سوتيروبولوس: “في البداية اعتقدتّ أن ألأزمة ستكون نافعة ومفيدة بحيث تقنع الناس بالحدّ من الاستهلاك الغبيّ والجنونيّ، وتخفّف من غلواء الأنانيّة عندهم لكي يعودوا الى ما هو جوهريّ وأساسي وعميق. غير أنه يبدو أنّني كنت مخطئة في تقديري، فالأزمة زادت في تخريب المجتمع، وفي إفساد القلوب والنّفوس. وهي تفرغ العقول والجيوب في نفس الوقت. وقد لاحظت أن الناس أصبحوا أكثر عدوانيّة وأنانيّة من ذي قبل. كلّ واحد يريد الخلاص لنفسه فقط. وما تبقّى للطّوفان وبئس المصير!” وتضيف إرسي سوتيروبولوس قائلة: “غالبا ما يصعبب عليّ التّركيز في هذه ألأوقات العسيرة. أحيانا يبدو لي أن هناك زلزالا هائلا سوف يدمّر البلاد فلا يبقي شيء منها. يكفي الخروج الى شوارع أثينا لمعاينة حجم الكارثة. من خلال الكلاب السائبة، والمهاجرين الهائمين على وجوههم، والعجائز الباحثات عن القوت في المزابل!”.
ويروي الكاتب كريستوس كريسوبولوس أنه كان شاهد عيان على انتحار رجل في شارع في أثينا. بعدها بدا له أنه ليس بإمكانه أن يكتب بنفس الطريقة التي كان يكتب بها من قبل. فالواقع أصبح أقوى من التخيّل.. والأزمة الرّاهنة تفرض نفسها على جميع المواضيع الأخرى.
ويعترف الكاتب تاكيس تيودوروبولوس المولود عام 1954 أنه يقرأ يوميّا أفلاطون حتى لا يصاب بالجنون. وهذه القراءة هي بمثابة الرياضة اليوميّة بالنسبة له. ومن خلالها اكتشف أن عظماء الفلاسفة والشعراء الذين صنعوا مجد اليونان في الزّمن القديم، عاشوا هم أيضا ظروفا صعبة وقاسية للغاية، غير أن ذلك لم يمنعهم من مواصلة الكتابة والتفكير في القضايا الجوهريّة. لذا لا بدّ من الإقتداء بهم. وقد استوحى تاكيس تيودوروبولوس موضوع روايته الأخيرة من مسرحيّة لأريسطوفان يروي فيها قصّة مزارع يونانيّ يفلس بسبب زوجته فيقرّر إرسال ابنه الى سقراط في أثينا ذلك أن هذا الأخير قادر على أن يجعل من قضية تنعدم فيها النّزاهة وحبّ الخير، قضيّة شريفة للغاية! ويقول تاكيس تيودوروبولوس: “خلال النظام العسكري الديكتاتوري، كنت مراهقا، ورغم القمع والمصاعب، كان باستطاعة النّاس تحمّل أعباء الحياة. والسّبب في ذلك أن العدو كان واضحا. لذا فإن ألأمل في الخلاص كان ممكنا. أمّا اليوم فمع ألأزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسّة التي ضربت البلاد، ومع الحكام الفاسدين والعاجزين تبدو بلادنا شبيهة بجسد مصاب بالسرطان. العدوّ الآن في داخلنا!”.

اقرأ أيضا