الاتحاد

الملحق الثقافي

سمر ذياب: أدخل إلى الكتابة من الفراغ

تقول الشاعرة والفنانة اللبنانية المقيمة في إسبانيا سمر ذياب: في الطريق إلى الكتابة أشعر بالخوف، أعلم أن ذئباً سيلحق بي، يستفزني العالم الذي ما زال يسمي الإنسان إنساناً، والشجرة شجرة وباقي الأشياء بأسمائها المضحكة، ولا أملك وسيلة لأعبر عن احتجاجي على ذلك سوى الشعر· وتضيف: الكتابة طقس استثنائي يتحول فيه المشهد إلى مخاض غارق في بعده الإنساني المؤلم القلق في سياقه المشعّ والإدراك الخارج عن حواسنا والمحاكمة الخفيّة التي تتم بمعزل عن الشهود لتفاصيل أيامنا العادية، كلها تختمر في لحظة هي التحريض على الاحتفاء بالغامض من علاقتنا مع الوجود· إن أي تجربة كتابية هي انعكاس لاحتمال كوننا ظلّ كائنات أخرى لا تشبه تلك التي تمشي في الحياة مهمومة باعتياديتها، كلما خرجنا من نصّ بهتنا أكثر ككائنات تتناسل وتستقبل خفوتها بالرقص والتصفيق·
وتتابع سمر ذياب: تخرج الصورة عارية ومبتلة ويلحق بها المعنى لاهثاً في حين أكون في مكاني أدرّب نفسي على النهوض المؤجل من القصيدة حين تنتهي· يقول أوسكار وايلد أنه لا يوجد طريق مختصر للمكان الذي يستحق أن تذهب إليه، أؤمن بذلك، في الطريق إلى الشعر لا جسر لأعبره، ولا دابة تقلني ولا زقاق فرعي أنفذ منه إلى احتمالات أقصر للحياة والموت· الشاعر كائن متورط في الرؤية، هجين من طين ونار، صعلوك متوّج وإمبراطور أكل النمل عرشه، لا يحق لأحد أن يحاسبه سوى نصّه، النص المقصلة، التي تحتفظ لنا برؤوس إضافية كلما فقدنا واحداً·
وتواصل سمر ذياب حديثها: أنا أكتب حين أشعر أن انتمائي للخراب يفوق قدرتي على الصمت، ليست شرارة أولى التي تندلع وتفسح بالمجال للنصّ أن يتشكل، بل يأتي طلقة واحدة من فوهة وردة ليس بالضرورة أن تكون جميلة، أكتب لأن لا وسيلة أخرى لدي كي أحب الأعداء لأنهم سمحوا لي ببعض الكراهية· النصّ فعل ومشهد تراكمي تأمليّ، يرتبط بداخلي بحبل سرّة ينتهي في مشهد آخر خارجاً· مدلول الكلمة في النصّ يوازي فعل التحليق، الصورة الشعرية مرآة فاضحة لنتلصص على العراك الدائر بين المعنى والكلمة، ذاك العراك الفاتن الذي سيبقى يسحبني إلى حلبة الذهول كلما وقفت على شعر جميل· في أحيان كثيرة تختمر فكرة أو مشهد عندي بعد قراءات عميقة تحرك الحجر الراكدة في البركة، وفي أحيان أخرى يستجديني العدم المطبق لأخط شيئاً·
لا أملك طقوساً للكتابة، طقسي الوحيد هو مراقبة الأرض كيف تذوي وتتفتح وتصبح نصاً هي الأخرى ينافسني في اقتناص الأنفاس، أنا وهي والشعر، كل يحاول أن يظفر بالنفس الأخير ليعبر إلى خلود لن يحتمله أحد منا· غالباً أدخل إلى نوبة الكتابة بعد أن يستنزفني التحديق في الفراغ، وأخرج أكثر استنزافاً وأكثر شروداً، أتأمل فعلة مخيلتي المرهقة على الورق وأتخيل العالم دون شعر، أي مهزلة إنسانية مضاعفة كان ليكون·

اقرأ أيضا