صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

القلوب المتحدة في الولايات المتحدة

“القلوب المتحدة في الولايات المتحدة” كتاب أو رواية صدرت عام 1904 للكاتب سليم سركيس وأعيد نشرها في المجلس الأعلى المصري للثقافة بتقديم ودراسة الباحث محمد عبدالتواب، الذي يعكف على النصوص العربية الروائية في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، واعتبر الباحث أن القلوب المتحدة رواية بالمعنى الكامل للكلمة، لكن المؤلف لم يكن واثقاً من ذلك وكان متحيراً بين أن يعد ما كتبه رواية أو كتاباً عادياً، فقد صدر عمله ببيان قال فيه “إذا كان جامع الحوادث في كتاب واحد ومرتبها على شكل موافق لحدوثها يدعى مؤلفاً فأنا مؤلف هذا الكتاب. وإلا فأنا راوي حادثة سمعتها نتفاً مختلفة فدونتها كما سمعتها ولا فضل لي إلا ترتيبها. وفي الحالتين حال التأليف أو حال الرواية فأنا أول من وضع في كتاب عربي حادثة حب واضطهاد حقيقية”، وبقراءة العمل يمكن أن نعده -بقدر من التجاوز- رواية، خاصة أن الرواية العربية في تلك الفترة كانت في مرحلة ولادة، ولم يكن بناؤها الفني قد نضج بعد، لذا نجد الصفحات فيها الكثير من الأبيات الشعرية وحوارات مطولة بين شخصين، وكأننا في مسرحية، وفيها بعض الفصول أقرب الى المعلومات الجافة، لكن ليس هذا ما يعنينا هنا، بل يستوقفنا المضمون أو ما انطوى عليه العمل، المؤلف سليم سركيس يقول في بيانه إنه هدف من هذا العمل أن ينقل الى أبناء سوريا ولبنان حادثة حقيقية جرت في أميركا لأحد أبناء وطنهم وهي لا تقل عن حوادث الروايات الافرنجية التي يتفنن الكتاب العرب في ترجمتها والفارق أن الروايات الافرنجية هي في النهاية “حكايات وهمية” بينما حكايته واقعية تماما، ولديه هدف آخر اختلف فيه الكتاب والنقاد لكنه مؤمن به وهو أن “الحب لا وطن له وأن القلوب لا لغة لها فهي كالماء المنعش على السواء في كل مكان، وكالهواء لابد منه لحياة كل إنسان”.

مشكلات الهجرة
يناقش الكتاب ـ الرواية قضية ملحة الى اليوم وهي الهجرة الى بلاد الغرب، والعلاقة بين المواطن الذي يهاجر من بلده، والوطن الذي ذهب اليه، وفي ذلك الوقت كانت الهجرة السورية أو الشامية إلى أميركا هي السائدة، ويستعرض تلك الهجرة “إن الهجرة السورية بدأت في أول أمرها وأساسها الحصول على المال للاستعانة بالكثير منه على العيشة الحسنة في سوريا ثم لما كثر عدد المهاجرين وطاب لهم المقام في هذه البلاد ورأوا الراحة والأمن والنجاح تحولت “المهاجرة” الى الاستيطان بدليل إقامة الفريق الأكبر وتصرفهم في كل حال من أحوالهم تصرف المستوطن فهم يشترون البيوت، وبعضهم يبنيها وقد جعلوا علاقاتهم التجارية ثابتة وليس هذا شأن الذي ينوي الرجوع”.
وحيث إنه انتهى الى تلك النتيجة يترتب عليها أن يصبح المواطن السوري أميركياً، يقول “وجب على السوري الذي ينوي جعل أميركا وطنه أن يمازج أهلها وأن يتخلق بأخلاقهم، وأن يكتسب عاداتهم لأنهم هم الفريق الأكبر وهو الفريق الأصغر، وانت ترى إقبال السوريين على التجنس بالجنسية الأميركية وتعليم أولادهم اللغة وذلك لابد من ادراكه”.
سليم سركيس يدرك أن ما يطالب به السوريون الذين هاجروا سوف يثير اعتراضات وطنية، فالقضية كانت مطروحة للنقاش العام في الصحف العربية بمصر والشام، فضلا عن الصحف في الولايات المتحدة نفسها، كانت هناك عدة وجهات للنظر، رأيه هو: مهما بلغ من حرص السوري على وطنيته فلا سبيل الى بقاء ذلك الحرص والميل في أولاده، فالجيل الجديد من السوريين لابد أن يكون أميركياً في مولده وعاداته وأخلاقه وآدابه واذا كان لابد من ذلك وجب أن يميل الجيل الجديد الى الامتزاج العائلي مع هذه الشعوب فإذا ارتقى السوري الى أن يصير أهلا للعيشة العائلية الأميركية كان ذلك نافعاً له.
والواقع أن سركيس كان يدرك ما يمكن أن يتعرض له أبناء الجيل الثاني من المهاجرين من تشتت بين الوطنين الأصلي والذي ولدوا وعاشوا به يقول: قد يخطر للسوري أنه سيبقى سورياً لأنه محب لوطنه كاره لأكثر عادات هذه البلاد ولكن اذا تأمل قليلا وجد أن ابنه لا يكون سورياً بل يكون أميركياً بحكم المولد والمعيشة والامتزاج مع هذه الشعوب سواء شاء الأب أو لم يشأ. ويضيف قائلا: اذا كان لابد لأبنائنا من أن يكونوا أبناء هذه البلاد واذا كان لابد لهم من الإقامة فيها وممارسة الأشغال هنا فعلى الآباء الآن أن يساعدوهم على التخلق بأخلاق الأميركان واتخاذ عاداتهم كأن يدخلوهم مدارس أميركية وأن يعلموهم اللغة الأميركية وأن يخصلوهم من أثقال المزامير والطوبى ونخب الملح لأن المزامير لا تدخل والت ستريت ولأن الطوبى لا تفتح الأبواب لبائع الحرير ولأن نخب الملح لا يضر في المدارس.

المجتمع الجديد
الكتاب أو الرواية يقدم كذلك وصفاً للمجتمع الأميركي في تلك الفترة، والعلاقات الاجتماعية والداخلية به، بين أفراده وفئاته، وأن تقبلهم للأجانب وتحديداً المهاجرين السوريين لم يكن سلساً، كان يمكن أن يتقبلهم كمهاجرين، اما أن يندمجوا فتصبح مشكلة، والعمل يقوم على الحب الذي ربط المواطن أو “الشيخ اسبيريدون جحا اللبناني” والآنسة اليصابات فيلبس الأميركية، وحينما أرادا الارتباط والزواج وقفت قيود المجتمع الأميركي دون ذلك، لكن تم الزواج في النهاية، بعد أن تنازلت اليصابات عن ثروتها بالكامل، فقد تصور أهلها أنه طامع في أموالها وممتلكاتها.
الكتاب به صفحات كاملة باللغة الإنجليزية، فبعض ما نشر عن قصة الحب في الصحف الأميركية ينقله الكتاب كما هو، والعمل مزود كذلك بعدد من الصور واللوحات.
المؤلف سليم سركيس ولد في بيروت، وعاش بين عامي 1869 و1926 وينتمي الى عائلة من الأدباء والصحفيين، وعمل في بداية حياته بالصحافة وغادر لبنان عام 1892 الى باريس هربا من مضايقات المكتوبجي “رقيب المطبوعات” وهناك التقى أمين ارسلان وأصدرا معا جريدة “كشف النقاب” ونشر فيها معاناة العرب من مظالم الحكم التركي، وانتقل الى لندن حيث أسس بها جريدة “رجع الصدى” ولم تستمر طويلا وترك لندن الى مصر حيث أسس بها جريدة “المشير” التي امتلأت بالهجوم على السلطان عبدالحميد وصدر عليه الحكم بالإعدام من قبل الدولة فهاجر الى الولايات المتحدة ثم عاد الى مصر حيث اصدر جريدة “مرآة الحسناء” في عام 1896 وظل يصدرها الى آخر حياته.
الكتاب ـ الرواية التي بين ايدينا تؤكد معنى مهماً هو امكانية البناء على ما هو مشترك إنسانياً، صحيح أن جحا واليصابات قوبلا بمشاكل عديدة لكن الحب انتصر في النهاية ويقول: “إن الابنة الأميركية لما أحبت الشاب السوري لقيت من إخوتها وعائلتها وسائر معارفها معارضة شديدة بلغ من شدتها انها كانت عرضة للاضطهاد والمضايقة وكانت في خطر الموت والابعاد”.
الباحث محمد عبدالتواب في تقديمه لهذا العمل توقف عند قضية العلاقة بين الشرق والغرب، كما هي مطروحة في كثير من الأعمال، لكن لم ينتبه الى خصوصية هذه الحالة، فأميركا في أول القرن العشرين لم تكن مثل أوروبا، والهجرات الشامية لها كانت ذات طابع مختلف تماما عن المشكلة كما رآها رفاعة الطهطاوي أو يحيى حقي وتوفيق الحكيم.