صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

«محضر» حوار حضاري بين السلطان والراهب

هل بات هناك موقع أو موضع للشخوص الذين يمثلون رسالة السلام على أكمل وجه، وينشرون الوفاق عوضاً عن الافتراق في عالمنا هذا، الذي عرف في عقديه الأخيرين بدعوات صراع الحضارات والأديان ومواجهات القوميات والعرقيات، وصولاً إلى الذين قالوا بأن التاريخ قد بلغ نهايته وحركة الإنسان قد توقفت عند عتبات الرأسمالية؟

من الأسف الشديد، لقد أضحينا في مجتمع تفشت فيه الأنانية، والبحث عن المصلحة الخاصة التي ولّدت الظلم والكراهية، ما أدى إلى تشويش الحقيقة التي خلقنا ودعانا إليها الله عز وجل.. أن يعيش الإنسان سعيداً..
غير أنه وبسبب انحراف الإنسان عن الحق، حوّل كل ما هو نسبي ووقتي إلى جوهري وخالد، وهذا بدوره أحدث خللاً وزلزلة في عمق العلاقات الإنسانية في المجتمع العالمي، وصارت صورة الحروب والصراعات هي الصورة الطبيعية في الحياة.
في هذه الأجواء ربما يعن لنا استرجاع صورة ذهبية مضى عليها نحو ثمانية قرون وجرت وقائعها في مدينة دمياط المصرية، وفي فترة عصيبة في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب، بين الإسلام والمسيحية، وكأن القدر يهبنا في هذه الأجواء الملتهبة فرصة للتأمل في اللقاء التاريخي الذي كان بوابة لحوار ولحياة ولعيش مخالف عما جرت به المقادير في زمن الحروب.
ماذا عن اللقاء وأبطاله والأجواء التي أحاطت به ودلالاته الغنية في زمن الحرب الذي نعيشه؟ هذه هي قصة القديس والسلطان، التي انطلقت بشأنها احتفالات جماعة الرهبان الفرنسيسكان في أرض مصر، والعالم كله مدعو معهم للاحتفال هذه الأيام، عبر مسيرة إيمانية وإنسانية، سلامية لا خصامية تستمر لمدة عامين تقريباً، لتحيي في الناس الرجاء وتحمل لهم مشعل الأمل الذي كاد ضوؤه أن يخبو من جديد.

ابن مدينة أسيزي
في العام 1181 وفي مدينة أسيزي الإيطالية، ولد صبي جميل المحيا أطلق عليه والده التاجر الثري بيترو دي بيرناردوني اسم فرانسيس، أي «الفرنسي الصغير» الذي بدأ حياته ثرياً وارثاً، مما ساعده في أن يرتقي اجتماعياً، ويشارك في حفلات الرقص واللهو مع الأصدقاء والسمر بكل أنواعه.
في تلك الأيام كانت الحملات العسكرية الأوروبية على أشدها في مواجهة مصر وبيت المقدس، تلك التي أطلق عليها المؤرخون العرب حروب الفرنجة، فيما أسماها الأوروبيون «الحروب الصليبية».
غير أن مصير الشاب الإيطالي كان على موعد مع القدر ليترك حياة الرفاهية والرغد، ويغدو متصوفاً وناسكاً. جرى ذلك وسط حالة من الصمت الداخلي الطويل حيث جرى حوار بينه وبين ربه، ووجد القوة التي جعلته يصل إلى اكتشاف الحقيقة التي لم تكن هي محاربة العدو، ولكن التقرب إليه بالمحبة ومدح مخلوقاته.
ترك فرنسيس الأملاك المادية والثراء والجشع والبخل، وارتدى لباس الرهبان يطوقه حزام من الحبال، وبدأ مسيرته الإيمانية في وسط دعوات الكراهية التي عرفتها أوروبا.
في تلك الأوقات كان الأسيزي «دعوة للحب والسلام»، ولهذا لم يكن عجيباً أو غريباً أن يندهش العالم بأسلوبه ويهرع إليه رجال كثيرون من كل أرجاء أوروبا لارتداء حلّة الرهبان واتباع قواعده. وعندما ترك متاع الدنيا ومادياتها أثبت فرنسيس للمجتمع الديني الأوروبي وربما للقيادات الكنسية أيضاً أن «الحقيقة غير المسلحة مادياً ليست بحاجة على الإطلاق للقوى المسلحة مادياً لتمثلها وتدافع عنها».
لم يكن فرنسيس معلّماً فقط، بل كان شخصية كبيرة في العصور الوسطى، وحتى اليوم تترد كلماته بين الشباب من كل الأمم والأصول الاجتماعية، مع اختلاف ألوانهم، إذ إنه قد سعى لتبصير الناس بأحوالهم ليحررهم من أوهام الحياة.
كانت الحروب والقوة العسكرية في تقدير فرنسيس هي أوهام الحياة، وقد رأى أن هذا منظور خاطئ، والبديل هو إعطاء المحبة للآخرين في كل الوقت، وأن نبدأ معاً مسيرة الإيمان، ولذا نسمعه يقول: «فلتحب الآخر مثل نفسك»، أو بالأحرى «لا تطفئ مصباح السلام في العالم».

رحلة إلى دمياط
لا يمكن أن نتحدث عن الأسيزي دون إلقاء نظرة ولو عابرة على الحروب الصليبية التي واكبت رسالة هذا الزاهد الإيطالي.
يخبرنا ستيفن هوارث المؤرخ الإنجليزي الكبير في كتابه عن «فرسان الهيكل»، أولئك الذين عاشوا في قلب تلك الحملات، أنه من بين الأهداف الرئيسة للحروب الصليبية كان توحيد البلاد المسيحية الشرقية والبلاد المسيحية الغربية، ومن بين المبادئ الأساسية في ذلك الوقت أن الاعتقاد الديني يمكن إقامته بطريقة فعالة بالقوة، وما لم يضع المرء هذا نصب تفكيره فإن أحداث العشرين سنة التي تلت وفاة السلطان صلاح الدين الأيوبي والسيد الأكبر لمنظمة فرسان الهيكل «دي سابل» تكوّن جوهر الجنون، وحتى مع تذكر تلك المبادئ من الصعب رؤية السنوات من 1193 إلى 1223 إلا باعتبارها أشنع انحراف عن تعاليم المسيح، ومسخاً كئيباً لكل شخص في البلاد المسيحية الغربية.
في مقدم صيف عام 1219 كان الصليبيون قد ضربوا خيامهم عند دمياط في استعداد لمهاجمة العاصمة المصرية القاهرة.
كانت ميادينهم مليئة بالموبقات والأفعال الشاذة، الأمر الذي لا يتسق ودعواهم لتخليص بلاد فلسطين المقدسة من أيدي المسلمين، والادعاء بأنهم يسدون الطريق أمام الحجاج الغربيين الذين يودون زيارة تلك الأماكن المقدسة.
في ذلك الوقت كان فرنسيس الأسيزي (24 يونيو 1219) يبحر من ميناء أنكونا في إيطاليا نحو دمياط ليصل هناك في النصف الثاني من يوليو، وكان القدر يعد اللقاء لرجلين في زمن صعب.. الأسيزي المسيحي، وسلطان مسلم يحكم الدولة المصرية مستنير القلب والعقل ألا وهو السلطان الكامل رجل الحوار.

في بلاط السلطان
عرفت مصر السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب الذي لقّب بـ«أبي المعالي» (1218م -1238م)، وكان عارفاً بالأدب والشعر، وسمع الحديث ورواه. ولاّه أبوه الديار المصرية سنة 615 هـ (1218م) وحسنت سياسته فيها واتجه إلى توسيع نطاق ملكه، فاستولى على حرّان والرَّها، ومدّ ملكه إلى بلاد الشام.
عرف الكامل بأنه صاحب الجهاد الأكبر ضد الإفرنج في دمياط، ويقال عنه إنه كان صحيح الإسلام معظِّماً للسنّة وأهلها محباً لمجالسة العلماء، فيه عدل وكرم وحياء، وله هيبة شديدة. وقال عنه الإمام القرافي أنه «رجل أقام للعلوم أسواقاً، فأفاضت به تفد الأفول أقمارها، وظهرت به الدروس آثارها، وجمع بسعادته ما تفرق من شملها، وقوّى بأنعامه ما وهن من حبلها، وعظّم بإكرامه ما انحمل من أهلها، فصار جنابه مراد الرائدين وملجأ الوافدين والقاصدين وموسم الآمال وكعبة الإقبال».
على أن ما ميز السلطان الكامل الأيوبي وجعله قبلة للمؤمنين ومناراً للدين، ورتّب بالمشيئة الإلهية لقاءه مع قديس المسيحيين أمران في واقع الأمر:
أولاً، إن والدته قد تعهدت رعايته منذ صغره على صحيح الإسلام وعميق الدين والإيمان، فأخذت تشرح له الشروحات وتقرأ عليه الطروحات، ليصل إلى إدراك الدعوة الإسلامية في نصاعتها، لا سيما فيما يتصل بحرية المعتقد والمذهب وكيف أن الإسلام قد ترك حرية الإيمان للإنسان دون إجبار أو إكراه في الدين.. «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».. ولهذا قد رسخ عنده إن التعددية الدينية فكراً ربانياً يسمو فوق إدراك البشر.
ثانياً، ما جعل «الكامل سلطاناً متفرداً في زمانه فيتصل بالحاشية التي من حوله، ذلك أنه وكما هو معروف في الأدبيات الكلاسيكية أن من يوسوس في أذن الملك أخطر من الملك، ولهذا أحاط السلطان الكامل نفسه بكوكبة عريضة من رجال الدين ثاقبي البصر والبصيرة لا سيما من الصوفيين، وقد كان أقربهم إلى نفسه الشيخ فخر الدين الفارسي تلميذ القطب الصوفي الكبير يوسف بن عبد الرحيم بن يوسف بن عيسى الزاهد، المعروف بأبي الحجاج الأقصري. ولد ببغداد أوائل القرن السادس الهجري وتوفي بالأقصر سنة 642 هـ، ويرجع نسبه إلى الإمام الحسين بن علي.

معركة دمياط
حين وصل فرنسيس إلى معسكر الصليبيين في دمياط راعه الفجور والمجون والفسق الأليم والإثم الذي يجري تحت الراية المقدسة، راية الصليب التي رفعها هؤلاء ومن وراءها أهداف غير سامية.
كان فرنسيس يصرخ في الجميع بأن انتقام الله العادل سيحل بهم جراء خطاياهم التي تمنعهم من المضي قدماً في حجِّهم المقدَّس لا قوة عسكر المسلمين، وقد رأى فرنسيس الوحشية التي قام عليها هؤلاء في التلاحم والقتال الأول، إذ قتلوا نحو ألفي رجل من المسلمين في مذبحة كبرى، وأحاطوا بأسوار دمياط نحو شهرين حيث مات الآلاف من المصريين جوعاً.
في تلك الأثناء رأى فرنسيس أنه لا بد أن يلتقي سلطان المسلمين ليحول دون هلاك النفوس التي كانت تضيع في وغى المعارك، غير إن الكاردينال بلاجيو الذي قاد المعركة في تلك الفترة لم يسمح له أول الأمر، لكنه لاحقاً وبعد إلحاح شديد سمح له بالذهاب إلى معسكر المسلمين.
كانت الفكرة جنونية سيما وإن السلطان ـ وحسب رواية البروفيسورة الإيطالية «لويزيانا روجيري»، في كتابها «مع سان فرانشيسكو من الغرب حتى سفح الأهرامات/&rlm&rlm&rlm مسيرة نحو السلام»ـ  كان قد أصدر مرسوماً صارماً يقضي بأن أي شخص يأتي برأس مسيحي فسوف يحصل في المقابل على عملة بيزنطية ذهبية.
في 30 أكتوبر من عام 1219 كان جيش الصليبيين يحاصر دمياط، وكان فرنسيس هناك، وقد علم بإلهام رباني أن هزيمة قاسية ستحل بهم إذا هم هاجموا جيش السلطان وجيوشه، لذا خرج إليهم متوسلاً إيقاف الحرب، وأنذرهم بالهزيمة، لكنهم سخروا منه واستغلظت قلوبهم، ورفضوا كل ما قاله وتقدموا صوب العدو... التحموا معه وحاربوه، ثم قام جيش السلطان بهجوم مضاد أشد شراسة ليولي جيش الصليبيين الأدبار، ويقع فيهم ما بين خمسة آلاف وستة آلاف رجل، ليتم الاتفاق على الهدنة لكن الحملات عينها لم تكن قد توقفت بعد.. كان ذلك في 29 أغسطس من عام 1219.

وجهاً لوجه
كان فرانشيسكو يشعر دائماً بالرغبة في الرحيل إلى الشرق، وهو شعور راوده منذ أمد بعيد في نفسه الممتلئة بحب الخير، وها قد جاءته الفرصة ليعبر الحدود الفاصلة بين الجيشين ليصل إلى معسكر المسلمين.
وبالرجوع إلى كتاب سيرة الأسيزي لا سيما ما رواه «توما الشيلاني»، يمكننا تصور ردود الفعل الأولى لحراس معسكر المسلمين تجاه شخصين أجنبيين من طرف معسكر الفرنجة واعتبارهما في أضعف الإيمان جاسوسين، ذلك إن فرنسيس قد اصطحب معه أحد الإخوة المسمى اللوميناتو.
غير أن الحراس سرعان ما كفوا أياديهم عن فرنسيس ورفيقه، فلربما يكون هذان الرجلان قد هجرا الجيش المسيحي للتحول إلى الإسلام، أو قد يكونان مرسلين للتفاوض حول السلام، وبالتالي قادوهما إلى السلطان حسبما طلب.
يا له من مشهد غريب: متسول مسيحي وملك مسلم، راهب من الصليبيين وزعيم المسلمين في خضم الحملة الصليبية الخامسة.
في محضره، سأل سلطان المسلمين فرنسيس ورفيقه عن سبب حضورهما إلى معسكر المسلمين، وهل أتيا برسالة إليه، أم أنهما ينويان اعتناق الإسلام ديناً؟ فأخذ فرنسيس يحدثه عن المسيحية وأصغى إليه السلطان برحابة صدر، حيث لم تكن المسيحية غريبة عليه، إذ كان كما سبق وأشرنا سلطاناً مثقفاً فضلاً عن معرفته بأحوال المسيحيين في مصر، وبطبيعة الحال لم يقبل الملك الكامل التحول إلى المسيحية، لأن إيمانه بالإسلام وعقيدته لم يكن أقل من إيمان فرنسيس بالمسيحية، لكن ذلك لم يمنع من أن يكون هذا اللقاء حواراً على أعلى مستوى روحي وإيماني وثقافي بين راهب صوفي وسلطان مؤمن مثقف ليظل ما جرى قصة تحكى للأجيال.

حوار رصين
تروي قصص التاريخ لا سيما المؤرخ الفرنسي المدعو «أراخيل» أن فرنسيس ظل ضيفاً كريماً معززاً مكرماً في بلاط السلطان، وأنه قد جرت بينهما حوارات فلسفية وروحية طويلة دون تهديد أو وعيد ودون ترغيب أو ترهيب، وقد طال المقام بفرنسيس في بلاط السلطان مدة ثلاثة أسابيع.
غير أنه وفي كل الأحوال - والرواية هنا للأب يعقوب شحاتة الفرنسيسكاني المصري في كتابه «الحوار والعيش المشترك» - قدر الملك هذين الراهبين المسالمين المتواضعين اللذين لا يحملان السلاح، ويقال إن الملك الكامل دعا فرنسيس للصلاة معه في أحد المساجد فلم يتردد القديس في الاستجابة لتلك الدعوة، وقال: «إنني سأدعو ربي فالله في كل مكان».

اكتشاف متبادل
لعل أعظم تبعات واستحقاقات هذا اللقاء أنه غيّر الصورة النمطية السائدة عن الآخر، فقد اكتشف السلطان أن هناك في معسكر الغربيين نفوساً ترفض أن تجثو لبعل القوة المسلحة، ولذهنية أن الآخر المسلم هو عدو بالضرورة، وعلى الجانب الآخر اكتشف فرنسيس بنور الله جانباً جديداً في المسلمين، فهم ليسوا المتوحشين آكلي لحوم البشر، كما يطيب لكثير من المؤرخين والمستشرقين الغربيين تسميتهم، بل إنهم إخوة في الشراكة والصلاة لله الواحد.
وبينما كان الإمام يهتف مرة أخرى «الله أكبر» داعياً للصلاة، كان فرانسيس يختتم المزمور: فينشرح صدر كل من يطلبك ويفرح به كل من يحب خلاصك ويهتف كل حين ما أعظم الرب «الله أكبر».
في نهاية الصلاة، يتبادل المسلمون السلام، ويواصل فرنسيس و«اللوميناتو» صلاتهم فيتعجب المسلمون بدورهم حين يكتشفون شعورهم بالسلام تجاه هذين الأجنبيين اللذين يصلّيان بجوارهما.
حين اقتربت لحظة الفراق، ولما لم يستطع الملك الكامل إقناع هذا المتصوف المسيحي بالبقاء عنده، أراد التعبير عن احترامه له فقدم له هدايا كبيرة وأموالاً كثيرة، لكن فرنسيس الفقير بالاختيار لا بالإجبار اقتداءً بمعلمه وسيده رفضها جميعاً.
غير أن قصة لا تزال تردد في أسيزي تقول بأن فرنسيس قبل قرناً من العاج «بوق» لكي يدعو به الرهبان وقت الصلاة، وليتذكر دوماً ثمرة هذا اللقاء الطيب مع سلطان المسلمين.
أراد السلطان الكامل إكرام فرنسيس في عيون المسلمين والفرنجة على حد سواء، فأرسل معه حراسة في موكب فخيم واكبته حتى معسكر الصليبيين الذين ارتعدوا حين رأوا فرنسيس عائداً ذاك الذي كانوا قد اعتبروه ميتاً.

إنسان بدرجة سلطان
إحدى اللوحات التاريخية التي سجلت هذا اللقاء أطلق فيها على السلطان الكامل لقب «السلطان القديس»، وحقاً فقد كان الكامل رجلاً بمرتبة ولي صالح، وهذا ما ظهر في أعماله الإنسانية تجاه معسكر الصليبيين بعد هزيمتهم في دمياط.
في سبتمبر من عام 1221 كان «أوليفييرو من كولونيا» سكرتيراً رسمياً للمندوب البابوي، وقد أرسل رسالة شكر للسلطان في ذلك الوقت بمناسبة إطلاق سراحه، أما المثير إلى حد الدهشة فإن تلك الرسالة عرفتنا بما صنعه سلطان المسلمين تجاه الثلاثين ألفاً من الصليبيين المهزومين الذين كانوا يموتون جوعاً.. ماذا فعل؟
لقد أرسل لهم السلطان الكامل ما يكفي من الخبز والأغذية عوضاً عن أن يتركهم ليلقوا مصيرهم جوعاً وذلاً وعاراً.
دفع المشهد المتقدم «أمادو همباطي با» الكاتب المسلم الكبير من غرب أفريقيا الناطقة بالفرنسية في أحد أعداد مجلة «العلاقات»، وهي مجلة إسلامية مسيحية تصدر في ساحل العاج، لأن يكتب قائلاً : «كم أشكر الله على أن القديس فرنسيس في أثناء رحلته في الشرق كان لديه الحظ في أن يلتقي بسلطان مستنير كان يعرف كيفية الإصغاء للآخرين، فذلك كان أمراً نادراً في ذلك العصر بين ممثلي الديانات المختلفة».
ويتساءل: ما الفائدة التي كانت لتعود علينا من استشهاد بلا جدوى منه مقارنة بكل هذه الروعة التي تركها لقاء السلطان والقديس ميراثاً لأتباعهما ومن خلالهما لجميع البشر.

أمثولة حية
هل ما سبق مجرد قصة من أحاجي التاريخ وحكايا الإنسان؟ بالقطع لا يمكن أن يكون ذلك كذلك، بل إنها أمثولة حية تلقي بظلالها على عالمنا الحاضر، حيث الفراق أبقى من الاتفاق والآخر هو الجحيم، كما قال جان بول سارتر.
لقد سلك فرنسيس المتسلح فقط بإيمانه ووداعته الشخصية درب الحوار بفاعلية، وأصبح مثالاً يجب أن تُستوحى منه العلاقات بين المسيحيين والمسلمين اليوم لتعزيز الحوار في الحق والاحترام المتبادل والتفهم المتبادل.
لم يغيّر الواحد إيمان الآخر لكن الاثنين تعلما معاً درساً عظيماً في وقت عصيب، كان الدرس هو الاحترام أو كما قال أحد الدراسين: «إن قصتهما معاً دليل مادي على أنه عبر حوار أتباع الأديان يمكن للأشخاص المعتنقين لأديان مختلفة أن يصلا إلى محل اتفاق لسلام عالمي وتعايش مشترك بين الجميع».
عاد فرنسيس الذي ذهب باحثاً عن الشهادة بسيوف المسلمين برؤية جديدة متسامحة ومتفهمة، وبقي احترامه في قلب السلطان كرجل سعى للخير.
هنا يذكر الكاتب «ج. ك. تشترتون» عن هذا اللقاء بأنه لربما يكون حدثاً من أكبر الأحداث التاريخية، ولو أصغى المسيحيون والمسلمون لفرنسيس لتغير التاريخ.
تبقى صورة فرنسيس نوراً يضيء التاريخ المسيحي في علاقاته مع الإسلام، إذ نلاحظ كيف أنه يبقى شخصاً فذاً وفريداً، فقد حمل إلى السلطان شهادة إيمان وحب وسلام، فكان جواب السلطان إعجاباً بالشجاعة وانبهاراً بالبساطة وترحيباً بالسلام، هذا اللقاء العابر بين القديس والسلطان انتصر، كما قال بعض المؤرخين العرب، أكثر من أربعين معركة حربية، وغيّر مسيرة تاريخ العداء وسفك الدماء إلى رؤية جديدة للعلاقة بين الشعوب والأديان.
في الأسابيع القليلة الماضية أطلقت الرهبنة الفرنسيسكانية في مصر بوق القرن، استعداداً للذكرى الثمانمائة على هذا اللقاء، وسوف تشهد الأشهر القادمة احتفالات عديدة بهذه المناسبة في القاهرة ودمياط، أملاً أن تكون صيحة سلام في وسط عالم مليء بالخصام والحروب، وتخليداً لذكرى رجلين دعوا في صوت واحد لحضارة الإنسانية ولقاء السلام.. يا رب اجعلني أداة لسلامك.

أسيزي البلد
تقع مدينة أسيزي (Assisi) ضمن مقاطعة بيروجيا بإقليم أومبريا في وسط إيطاليا. وتشتهر بأن بها وُلد وعاش ومات القديس فرنسيس الأسيزي مؤسس الرهبنة الفرنسيسكانية في عام 1208، والقديسة كلارا الأسيزية، مؤسـِسة أخوية السيدات الفقراء.
تشير اكتشافات عدة أن أسيزي نشأت من قرية صغيرة سكنها الأمبريون في زمن الحضارة الفيلانوفية (بين القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد). سيطر عليها الإتروسكان حتى سنة 295 ق.م، حين فرض الرومان سيطرتهم على وسط إيطاليا بعد معركة سنتينو.
بانهيار الامبراطورية الرومانية شهدت أسيزي عصر غزوات مظلم، فنهبها توتتيلا زعيم القوط في عام 545. وبعد احتلال البيزنطيين لها لفترة وجيزة استولى عليها اللومبارديون، فأصبحت بلدية حرة في القرن الحادي عشر. ثم حاصرها واستولى عليها فريدريك بربروسا في عام 1174. وبين عامي 1181 و1182، ولد بها فرنسيس الأسيزي.
سنة 1198 انتفض أهل المدينة على اضطهاد الدوق وطردوه منها. وخلال نهاية النصف الأول من القرن الثالث عشر، تعرضت أسيزي لهجمات عدة من جانب قوات من المسلمين والتتار. وقد دمرت القوات الامبراطورية البلاد مرات عدة، ولكن المدينة صمدت بفضل قوة مقاتليها وشخصية كلارا الأسيزية.
يؤمها اليوم حشود من السياح للاطلاع على معالمها، ويحج إلى كنائسها القديمة ألوف المسيحيين.

حصار دمياط
حصار دمياط في عام 1218 كان جزءاً من الحملة الصليبية الخامسة. تم حصار المدينة بواسطة الصليبين في أثناء حكم الملك الأيوبي الكامل محمد بن العادل ولكن القوات المهاجمة تم صدها.
قام الفرسان بفرض حصار على مدينة دمياط مع وجود إمدادات من أسطول فريزية وأسطول جمهورية جنوة تحت قيادة سيمون دوريا وابنه بيترو دوريا.
كان لسقوط دمياط في أيدي الصليبيين وقع الصاعقة على الناس. وأعلن النفير العام في مصر وهرولت عامة الناس إلى المنصورة لأجل الجهاد ضد الغزاة، وأرسلت الشواني بالمحاربين والسلاح إلى جبهة القتال. وقامت حرب عصابات ضد الجيش الصليبي المتحصن خلف الأسوار والخنادق، وراح المجاهدون يشنون هجمات على معسكراته ويأسرون مقاتليه وينقلونهم إلى القاهرة. ويروي المؤرخ الصليبي «جوانفيل» الذي رافق الحملة، أن المسلمين كانوا يتسللون أثناء الليل إلى المعسكر الصليبي ويقتلون الجنود وهم نيام ويهربون برؤوسهم. ويذكر المؤرخ ابن أيبك الدواداري أن خوف الصليبيين من المتطوعين العوام كان أشد من خوفهم من الجنود.
وحتى مع وصول تعزيزات ليصبح عدد الصليبين حوالي 35,000 رجل؛ إلا أن المسلمين فاقوهم عدداً، حيث وصل عدد المسلمين إلى 70,000 رجل.