الاتحاد

تقارير

اللعبة التعبوية.. ضد الشعبوية!

الشعبوية، كلمة ثقيلة على اللسان، خفيفة على العقل والجنان.. مثلها مثل كل المصطلحات السياسية وغير السياسية التي تعربت، أي نقلها العرب من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية أو حتى المصطلحات التي اخترعها العرب وملؤوها بحرف الواو لتلف وتدور على اللسان والشفاه وتبدو ضخمة، وهي أساساً نحيلة نحيفة لا قيمة لها ولا معنى مثل التصفوية، والجبهوية، والتعبوية، والتوعوية.. وكل مصطلحات «العوعوة والهوهوة».. وربما ارتبط حرف الواو في اللغة العربية وفي التراث العربي «بالولولة».. حتى في العاميات العربية الآن وخصوصاً بين الشباب والفتيات تستخدم الواو للدهشة والإعجاب، فيقولون «وااااااو.. أو واوا».. كما أن «الواوا» في العاميات العربية الآن تعني جروح الأطفال أو مرضهم الخفيف، فيقال إن الطفل «عنده واوا».
والشاهد أن امتلاء الكلمات العربية الحديثة بالتحديد بحرف الواو أو الواوات الكثيرة هدفه حشو الأفواه بمصطلحات كبيرة ذات معانٍ صغيرة وتافهة. والواو في بعض الدول العربية تعني الانحراف أو الميل أو الحيد عن الصواب فيقال: «هناك واو في علاقتهما».. أو «هناك واو في سلوك فلان».. وحرف الواو حرف شفهي أو من الشفاه.. وليس حرفاً لسانياً أو حلقياً أو عميقاً مثل «الهاء» مثلاً.. فحرف الهاء يخرج من الجوف ساخناً ملتهباً.. بينما حرف الواو سطحي قشري شفهي.
وإذا عدنا إلى الشعبوية، فسوف نراها لفظاً بلا معنى.. وهذا اللفظ اكتسب دلالة أكبر كثيراً من معناه.. وباب دلالات الألفاظ في اللغة العربية باب واسع جداً.. والدلالة غير المعنى الحرفي للمصطلح أو اللفظ.. فالمعنى ثابت لا يتغير وهو أصيل في اللفظ أو هو جوهره، لكن الدلالة أمر عارض وطارئ. ومع كثرة الاستعمال في موضع ما يكتسب اللفظ دلالة جديدة لا علاقة لها بمعناه الحرفي. فإذا قلت إن فلاناً أسد. فالمعنى الأصيل أن فلاناً حيوان، لكن الدلالة لكلمة أسد هي أن فلاناً شجاع وقوي. بالضبط كما فقدت كلمة «الحب» معناها الأصيل واكتسبت دلالة تشير إلى العلاقة بين الرجل والمرأة، بل ربما تم حبسها في العلاقة الجسدية. وفي القرآن والسنة ورد الحب بمعناه الأصيل دائماً مثل قوله تعالى: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ...)، «سورة آل عمران: الآية 92»، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ومنهم رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه.. وتحدث القرآن الكريم عن اكتساب الحب دلالة جديدة في قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ...)، «سورة آل عمران: الآية 14».. أي تصبح الشهوات حباً ويصبح الحب شهوات.
وأما الدلالة التي اكتسبها لفظ الشعبوية، فهي دلالة تنفيرية مرعبة. فإذا قلت: شعبوية انصرف الذهن فوراً بحكم الإلحاح على هذه الدلالة إلى التطرف والغلو وكراهية المسلمين أو الأجانب عموماً. والتشدد والتعصب والعنصرية، ويقال إن الشعبوية تغزو العالم وبالتحديد تغزو الغرب. والدلالة أن العنصرية تغزو العالم، بل إن الشعبوية قرينة النازية والفاشية والديكتاتورية، وكل الألفاظ ذات الدلالات السيئة. والأهم أن الشعبوية اكتسبت دلالة الإرهاب، وبذلك تكون كل الأحزاب اليمينية المحافظة أو كل الزعماء المحافظين إرهابيين، أي أن دونالد ترامب وماري لوبان وغيرهما إرهابيون ومتطرفون، حتى يُقال عن هذا اليمين إنه اليمين المتشدد للتفرقة بينه وبين يمين الوسط أو اليمين المعتدل.
وكل هذا اللغط والغلط من صناعة الماسونية، التي ترفض تماماً الدول الوطنية لحساب أستاذية أو حكم العالم. و«الإخوان» أحد أهم أفرع الماسونية العالمية، أو إن شئت فقل إنهم النسخة الإسلامية والمعربة من كتاب الماسونية العالمي. ومن هذا المنطلق الماسوني ظهرت فزاعات كثيرة ومصطنعة أحدثها الشعبوية، ومن المصطلحات القديمة في هذا الشأن «معاداة السامية»، والعداء للإسلام والمسلمين وأعداء الدين، ثم تصنيف الناس إلى كفرة ومؤمنين، والتفرقة بين الناس على أساس الدين والعرق واللون، وذلك لخلق صراع دولي ينتهي بالفوضى وتمكين الماسونية بكل نسخها من إدارة أو أستاذية العالم.
ولأنّ مصطلح «الدولة الوطنية» محبوب ومقبول شعبياً، رفضه الماسون واستبدلوا به مصطلح «الشعبوية» البغيض والمكروه والمخيف، فالشعبوية هي المصطلح البديل «للدولة الوطنية». وكل من ينادي أو يعمل من أجل الدولة الوطنية يُقال إنه «شعبوي»، وشعار دونالد ترامب الذي فاز به في انتخابات الرئاسة الأميركية هو «أميركا أولاً»، أو «كيف نعيد أميركا عظيمة مرة أخرى»، أو «نجعل أميركا عظيمة من جديد». أين الإرهاب والعنصرية والتطرف هنا؟ إنه زعيم منحاز إلى بلاده. أميركا أولاً وما يتبقى بعد ذلك من جهد وعمل فهو للآخرين. وهذا عكس المنطق الماسوني الأوبامي. هدم العالم أولاً ثم الانطلاق بأميركا لتكون عاصمة الماسون. ترامب يعيد أميركا إلى الأميركيين وينهي زمن تفرغ الولايات المتحدة لمحاربة معارك الآخرين الذين يناهضون دولهم. فقد حاربت أميركا في عهد أوباما وهيلاري وجنودهما معارك كل التيارات المناهضة لدولها. وخصوصاً معركة «الإخوان» ضد الدول العربية، ومعركة الإرهابيين ضد بلدانهم، فكانت هي وبريطانيا ملاذاً آمنا لمجموعات إرهابية كثيرة تحت ستار اللجوء السياسي والهرب من قمع السلطات في هذه الدول الوطنية. وكانت تقارير الخارجية الأميركية والمنظمات الحقوقية الأميركية والإعلام الأميركي في عهد أوباما وهيلاري وجنودهما الخاطئين أذرعاً لمجموعات إرهابية وعلى رأسها «الإخوان». وتستمد كل تقاريرها ومعلوماتها من هذه المجموعات حول حقوق الإنسان في كثير من دول العالم، وعلى رأسها الدول العربية، كما كانت أميركا أوباما وهيلاري دبابة اعتلاها «الإخوان» ومن والاهم من المجموعات الإرهابية لصناعة مؤامرة «الربيع العربي»، وهدم الدول الوطنية العربية. وما زال الإعلام الأميركي الأوبامي يلعب لعبته ضد ترامب. وكذلك يلعب الإعلام الغربي الماسوني نفس اللعبة ضد من يسميهم الشعبويين. إنها لعبة التعبئة ضد الدول الوطنية أو هي لعبة التعبوية ضد الشعبوية.

*كاتب صحفي

اقرأ أيضا